الرئيسيةمقالاتسِـرُّ اسْمِ اللَّهِ الرَّشِيدِ

سِـرُّ اسْمِ اللَّهِ الرَّشِيدِ

مَنْ يَنْتَشِلُ الْخُطُوَاتِ التَّائِهَةَ مِنْ ظُلُمَاتِ الحَيْرَةِ إِلَى نُورِ اليَقِينِ

# نافذة البداية ومفتاح الخلاص
كتبت: د. إيناس عمر الصاوي

حين يجد الإنسان نفسه واقفاً في مفترقات الطرق الوعرة، وقد أغلقت دونه الأبواب وتصارعت في صدره الظنون، وتوهته سبل الخيارات، يدرك حينها كم هو فقير إلى بصيرة نافذة تضيء له عتمة الدرب. إن النفس البشرية قد تزيغ بها الأهواء، فتظن في الشوك ورداً وفي الردى نجاة، وهنا تبرز أعظم أطواق النجاة القلبية؛ حين يشرق في أفق الروح اسم الله “الرَّشِيد”. إنه المدبر الحكيم الذي يقود خطوات التائهين برفق ولطف من ضباب الحيرة الموحشة إلى واحة اليقين المطلق والإصابة المحكمة للهدف، لينتقل العبد من حالة الشتات الذهني إلى طمأنينة الرشاد الحقيقي.

# التأصيل اللغوي والبياني

يأتي اسم “الرشيد” في لغة العرب من الجذر اللغوي (ر ش د)، ويدل على استقامة الطريق، والإصابة في تقدير الأمور، ومعرفة المصالح الخفية والظاهرة على أتم وجه، بخلاف الغي والضلال. يقال: (رشد الرجل رشدًا ورشادًا) أي اهتدى وصاب وجه الحق والمصلحة.

وفي التوجيه العقدي والبياني لأسماء الله الحسنى، فالله سبحانه وتعالى هو “الرشيد” الذي أرشد عباده وهداهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وهو الذي ترجع إليه تدابير الأمور على كمال الحكمة، فلا اعوجاج في قضائه ولا عبث في تدبيره. وقد ورد هذا الاسم الجليل في محكم التنزيل بصيغ متعددة تدل على حقيقة الهداية والإرشاد، كقوله تعالى على لسان الفتية المؤمنين في سورة الكهف متضرعين إلى ربهم: (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، وكقوله تعالى في سورة الجن على لسان النفر المؤمنين مصورين كمال التدبير الإلهي: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا).

# آفاق التدبر والمعاني القرآنية والدقة النصية

حين نتأمل كتاب الله عز وجل بقلب خاشع متدبر، نجد أن اسم “الرشيد” يمثل الميزان الدقيق لكل اختيارات الإنسان ومسارات حياته. وتأمل معي دقة التعبير القرآني في سورة البقرة في قوله عز وجل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، حيث يضعنا هذا المعنى العظيم أمام مفترق طرق حاسم؛ فطريق الرشيد يفضي حتماً إلى النور والفلاح، وطريق الغي يؤدي بالمرء إلى التخبط والهلاك.

ومن أعظم آفاق التدبر في كتاب الله أيضاً، ما ورد في سورة هود في قصة شعيب عليه السلام حين قال لقومه مستنكراً فساد موازينهم الاقتصادية والأخلاقية: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، وهنا تتجلى لمسة بلاغية عميقة؛ فقد استعمل قوم شعيب لفظ “الرشيد” على وجه الاستهزاء والسخرية، ظناً منهم أن الحكمة في مخالفة الحق، فجاء الرد الإلهي ليثبت أن الرشاد الحقيقي هو الاستجابة لشرع الله والالتزام بالحق، وأن من خالفه فهو الضال الغاوي.

ومن أعمق لطائف هذا الاسم في القرآن الكريم؛ أن الله سبحانه قد يقدر على العبد أموراً يكرهها في ظاهرها، لحكمة بالغة لا يدركها العقل البشري المحدود، ليتبين له لاحقاً أن ما اختاره “الرشيد” له هو عين المصلحة والكمال، تماماً كما جرى في قصة موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف، حيث تتكشف تدريجياً آفاق الرشاد الإلهي في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وهي أمور حارت فيها عقول البشر قبل أن تنجلي غياثها عن حكمة بالغة ورحمة ومصلحة لا تخطئها البصيرة.

# الدروس والإسقاطات الواقعية

الدرس الأول: اللجوء المطلق إلى الله بصلاة الاستخارة وصدق الافتقار عند كل قرار مصيري، وتفويض الخيارات الصعبة إلى “الرشيد” ليتولى تدبيرها بعلمه وحكمته.
الدرس الثاني: الثقة الراسخة بعدالة المقادير؛ فما يقدره الله للعبد -حتى وإن بدا موجعاً في بداياته- هو عين الرشاد والمصلحة العليا التي تحميه وتصلح قلبه.
الدرس الثالث: اكتساب خلق الحكمة والبصيرة في التعامل مع مشكلات الآخرين، والسعي الدائم لإرشاد الحيارى والموجهين بالرفق واللين اقتداءً بسنة الهداية الربانية.

# التطبيق العملي في الحياة

حين يستقر في قعر قلبك ويقينك أن الله هو “الرشيد”، تنتهي عاصفة القلق المفرط وتتلاشى حيرة التردد قبل اتخاذ الخطوات الكبرى في حياتك؛ فاجعل لسانك رطباً بدعاء طلب الرشاد والثبات، وتعامل مع كل منعطف في حياتك برضا تام وثقة مطلقة بأن ما اختاره الرشيد لك هو الخير المحض الذي يوصلك إلى بر الأمان.

يا من أعيته السبل، ويا من أطاحت به رياح الحيرة في منعطفات الحياة المظلمة؛ افتح بصيرتك لاسم الله “الرشيد”. والله ما سأل عبد ربه الرشاد بقلب صادق ومخبت إلا هداه لأقوم الطرق، وجنبه مواطن الزلل والندم. فوض أمرك كله إليه، واطمئن إلى أن تدبيره لخطواتك هو أحكم التدابير وأجملها عاقبة.

جعلنا الله وإياكم ممن استهدوا بنور الرشيد، ورزقهم السداد والثبات في القول والعمل.

المادة السابقة
المقالة القادمة
RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة