التشهير.. الحرب الرخيصة على الناجحين..
*******************
لم يعد التشهير مجرد «كلام مجالس» ينتهي بانتهاء الجلسة، ولا مجرد «قيل وقال» يتناقله بعض الناس في الخفاء. لقد أصبح في عصرنا سلاحًا كامل الأركان؛ يُستخدم للنيل من المنافس، وتشويه المختلف، وإسقاط الناجح، والضغط على صاحب الرأي، وأحيانًا ابتزاز الإنسان حتى يتنازل عن حقه أو يصمت عن موقفه.
والأغرب أننا نعيش في مجتمع يتحدث كثيرًا عن الدين والأخلاق ومكارم الأخلاق، بينما أصبح البعض يتعامل مع سمعة الناس وكأنها منشور قابل للحذف والتعديل!
يكفي أن تختلف معي في الرأي حتى تتحول عند البعض من «شخص محترم أختلف معه» إلى «شخص سيئ»؛ ثم تبدأ ماكينة الاتهامات:
قيل عنه.. وسمعت عنه.. وهناك من يقول.. ويُقال إن..!
وهكذا يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تشويه، والتشويه إلى اتهام، والاتهام إلى إدانة شعبية بلا محكمة ولا دليل!
من «القيل والقال» إلى «فضيحة بضغطة زر»
——————————–
في الماضي كانت الصحافة الصفراء تملك بعض أدوات التشهير، أما اليوم فقد أصبح كل إنسان يمتلك هاتفًا يمكنه أن يصنع منه صحيفة صفراء، ومحطة بث، ومنبرًا للتشهير في الوقت نفسه!
لم تعد الشائعة تحتاج إلى مطبعة، ولا إلى محرر، ولا إلى رئيس تحرير….يكفي هاتف.. وإصبع.. وقليل من الحقد!
والكارثة أن بعض الناس لا يسألون: هل الكلام صحيح؟
بل يسألون: «سمعت إيه؟»
فإذا كان الكلام ضد شخص ناجح، أو مختلف، أو صاحب موقف، وجد من يصدقه قبل أن يبحث عن دليل.
وهنا تظهر أخطر صور الحروب الرخيصة: أن تعجز عن منافسة إنسان في علمه أو عمله أو نجاحه، فتحاول أن تنافسه في سمعته!
فبدلًا من أن تهزمه بالإنجاز.. تحاول إسقاطه بالتشويه.
لماذا يُستخدم التشهير؟
——————————–
أحيانًا يكون السبب الحقد أو الغيرة أو المنافسة، وأحيانًا يكون الانتقام من شخص رفض مجاملة، أو منع «سبوبة»، أو قال «لا» في وقت اعتاد فيه الآخرون سماع «نعم».
وقد يكون السبب مجرد اختلاف في الرأي.
وهنا تكون المفارقة المؤلمة:
نحن نطالب بالديمقراطية في الرأي، لكن بعضنا لا يحتمل أن يسمع رأيًا مخالفًا!
فتتحول حرية التعبير عنده إلى حرية في التجريح، ويتحول الاختلاف إلى معركة شخصية.
وفي بعض البيئات، يصبح نجاح الإنسان نفسه استفزازًا!
في بعض المجتمعات المتقدمة يحاولون مساعدة المتعثر حتى يقف على قدميه، بينما عندنا قد ينشغل البعض بكيفية إسقاط من سبقهم!…بدلًا من أن نسأل: كيف أنجح مثله؟
نسأل أحيانًا: كيف أمنعه من النجاح؟
القرآن وضع قاعدة لا تقبل التأويل…يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(الحجرات: 6)
لاحظوا كلمة «فتبينوا».
ليست «صدقوا»، وليست «انشروا»، وليست «ابعثوا لخمسة أشخاص»!
والقرآن يحذر من مجرد نقل الكلام، فيقول:﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾(الحجرات: 12)
ويقول سبحانه:﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
(ق: 18)
فالكلمة ليست شيئًا عابرًا كما يتصور البعض.
——————————–
كلمة واحدة قد ترفع إنسانًا.. وكلمة واحدة قد تهدم إنسانًا.
كم جريمة يمكن أن تصنعها كلمة كاذبة؟…فالاتهام الباطل لا يقتل سمعة الإنسان فقط، بل قد يترك وراءه سلسلة من الأضرار منها : تدمير السمعة والثقة الاجتماعية.وإصابة الإنسان بالألم النفسي والإحباط وفقدان الثقة في الآخرين.
كما تؤدى إلى تفكك العلاقات الأسرية والاجتماعية عندما تدخل الشائعات بين الناس.
وتؤدى إلى تعطيل المسيرة المهنية للإنسان وتشويه صورته أمام زملائه أو مؤسسته.
وتنشر الشك داخل المؤسسات وإفساد بيئة العمل وتشعل العداوات والخصومات التي قد تستمر سنوات.كما تقتل روح المبادرة؛ لأن الإنسان يبدأ في التفكير: «لماذا أتعب وأنجح إذا كان ثمن النجاح أن أتعرض للتشويه؟» وتسبب فى إفساد المجتمع نفسه عندما يصبح الحكم على الأشخاص بالشائعات لا بالحقائق.
بالإضافة إلى منح الكاذب قوة لا يستحقها، ومنح الشائعة عمرًا أطول من الحقيقة.والأخطر من ذلك كله أن بعض الناس قد يكتشفون الحقيقة بعد فترة من الزمن ، لكنهم نادرًا ما يعيدون للإنسان سمعته التي أضاعوها في لحظة!
أخطر الحروب هي التي لا نراها
——————————–
التشهير ليس مجرد سلوك فردي سيئ؛ بل قد يتحول إلى أداة من أدوات الحرب النفسية والاجتماعية.فالحرب لا تكون دائمًا بالدبابات والطائرات.
هناك حرب تستهدف المعنويات، وحرب تستهدف الثقة، وحرب تستهدف العلاقات، وحرب تستهدف صورة الإنسان أمام مجتمعه.
ولهذا فإن نشر الأكاذيب عن شخص أو مؤسسة أو مجموعة بهدف إضعافها أو تفكيكها أو دفعها إلى الانسحاب من المشهد، هو في جوهره نوع من الحرب الناعمة الرخيصة.
ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه الحرب أسرع وأوسع وأشد تأثيرًا.
فالكذبة التي كانت تحتاج أيامًا لتنتشر، أصبحت اليوم تحتاج إلى ثوانٍ.
والخبر الكاذب قد يصل إلى آلاف الأشخاص قبل أن يتمكن صاحبه من كتابة كلمة واحدة للدفاع عن نفسه.
ونجد أن الاوطان هناك من يتآمر عليها بهذا السلاح الرخيص الذى يؤدى إلى سخط وتزمر الناس تجاه وطنهم ..
لكن.. ماذا يفعل الإنسان أمام هذا كله؟.
——————————–
لا تجعل كل كلمة تستفزك.
فبعض الأكاذيب تموت إذا لم تجد من يمنحها الأكسجين.
ولا تدخل كل معركة أو كل تعليق او بوست سخيف وكاذب .فالرد على كل شخص قد يحولك إلى أسير لما يقوله الآخرون.
اما إذا كان الاتهام خطيرًا وله أثر قانوني أو مهني، فلابد من الرد بالطرق الرسمية والقانونية، لا بالفوضى والشتائم.
ومن الاخلاق الكريمة أن لا تعيد نشر ما لا تعرف صحته، حتى لو كان ضد شخص لا تحبه.
وتذكر دائمًا أن الله يرى ويسمع، وأن الإنسان قد يفلت من حساب البشر، لكنه لا يفلت من حساب الله.
وقد قال رسول الله ﷺ:«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع».يا لها من قاعدة تصلح لعصر «السوشيال ميديا» أكثر مما نتخيل!
فليس كل ما يصل إلى هاتفك خبرًا، وليس كل ما يقال حقيقة، وليس كل ما يُنشر يستحق النشر.
وأخيرًا..
——————————–
قد تستطيع أن تمنع إنسانًا من منصب، أو تحرمه من فرصة، أو تشوه صورته أمام بعض الناس، لكنك لن تستطيع أن تغير الحقيقة.
والنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى معارك مع الحاقدين؛ يحتاج إلى استمرار صاحبه في العمل.
فدعهم يقولون.
اعمل أنت.
ودع الزمن يفرز الحقيقة من الكذب.
فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بأصوات الضجيج، لكنه يحتفظ بأصحاب الإنجاز.
ولعل أجمل ما يواسي الإنسان عندما تطاله سهام التشويه أن يتذكر:
ليس كل من أساء إليك استطاع أن يضرك.. فقد يكون قد أضاف إلى ميزان حسناتك ما لم تستطع أنت أن تضيفه إليه بعملك.
ولذلك لا تجعل الكاذبين يسرقون منك سلامك.
«لا تحزن من الكلام الكاذب في حقك.. فهي حسنات ساقها الله إليك بلا عمل»
ارفع رأسك، وواصل طريقك، واترك للحق مهمة الظهور.
فالحقيقة قد تتأخر..
لكنها لا تحتاج إلى كذبة كي تنتصر.


