معركة الكلمات بين ضميرٍ لا يكذب ولسانٍ لا يعرف الحدود
في عالمٍ تتسابق فيه الكلمات، وتختلط فيه الحقائق بالادعاءات، قد تجد الصادق يتوقف طويلًا قبل أن يتكلم، يبحث عن العبارة الدقيقة، ويخشى أن يظلم أحدًا أو يقول ما لا يعلم. وفي المقابل، تجد الكاذب يطلق الاتهامات بلا حساب، وينسج الروايات بلا دليل، ويكرر ادعاءاته بثقةٍ قد تخدع كثيرين.
وهنا تبدو المفارقة المؤلمة: الصادق مقيَّد بالحقيقة، أما الكاذب فيتوهم أن الكذب يمنحه حريةً بلا حدود. لكن هل يعني ذلك أن الصادق يخسر دائمًا، وأن ارتفاع الصوت أقوى من قوة الحق؟
الصادق أسير ضميره.. والكاذب أسير مصلحته
———————
الصادق لا يستطيع أن يضيف إلى الحقيقة ما ليس فيها، ولا أن يخترع شاهدًا لم يحضر، ولا أن ينسب إلى الآخرين كلامًا لم يقولوه. وإذا نسي، اعترف بأنه لا يتذكر، وإذا أخطأ، امتلك شجاعة الاعتذار.
أما الكاذب، فلا يحتاج إلى دليل بقدر حاجته إلى قصة جديدة؛ فإذا انكشفت كذبته، اخترع لها تفسيرًا، وإذا سقط ادعاء، صنع ادعاءً آخر. إنه لا يدافع عن الحقيقة، بل يدافع عن روايته، ولو اضطر إلى تغييرها مرات عديدة.
ولذلك قيل: «الكذب حبله قصير»، وقيل: «الصدق منجاة». وقد لخَّص القرآن الكريم قيمة الصدق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
فالصدق ليس مجرد فضيلة، بل أساس الثقة بين الناس، وعماد العلاقات الإنسانية.
وحين يصبح الكذب وسيلة لتحقيق المصالح، تتحول الكلمات من جسور للتواصل إلى أسلحة للتشويه والخداع.
حين يعلو صوت الكذب.. لا تتعجل الحكم..
———————
من المؤلم أن ترى من يسيء إليك يتحدث بثقة، ويكرر روايته أمام الناس، بينما تلتزم أنت الصمت احترامًا لنفسك، أو حرصًا على ألا تكشف أسرارًا، أو انتظارًا لوقت مناسب تتضح فيه الحقيقة.
وقد يظن البعض أن الصمت اعتراف، وأن التردد ضعف، وأن كثرة التفاصيل دليل صدق. والحقيقة أن الكذب قد يرتدي ثوب اليقين، بينما تتحدث الحقيقة أحيانًا بصوت خافت؛ لأن صاحبها يدرك أن كرامته لا تحتاج إلى صخب.
لكن الصمت ليس فضيلة في كل موقف، كما أن الرد ليس خطأ في كل مرة. فهناك مواقف يستوجب فيها الحق أن نتكلم، وأن ندافع عن أنفسنا، ونوضح الوقائع، لا انتقامًا من أحد، وإنما منعًا للظلم وحمايةً للحقوق.
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
فالحق قد يحتاج إلى وقت كي تتضح صورته، لكنه لا يفقد قيمته لمجرد أن الباطل سبقه إلى آذان الناس. وليس كل ما ينتشر حقيقة، ولا كل من أحسن عرض روايته صادقًا فيها.
الكلمة مسؤولية.. والاتهامات ليست بطولة
———————
في زمن مواقع التواصل، قد تسيء رسالة مجهولة إلى إنسان، وقد يقلب مقطع مبتور المعاني، وتنتشر شائعة في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل كي تستعيد مكانها.
وهنا تتضاعف مسؤوليتنا؛ فلا نعيد نشر خبر لمجرد أنه يوافق أهواءنا، ولا نشارك في تشويه إنسان لأننا نختلف معه، ولا نحكم على الآخرين من رواية واحدة لم نتحقق منها.
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وقال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه.
وما أحوجنا إلى هذا الميزان في خلافاتنا الأسرية والاجتماعية والمهنية؛ فلا نخلط بين الاختلاف والعداوة، ولا بين الدفاع عن النفس والتشهير بالآخرين.
فالكلمة قد ترفع إنسانًا، وقد تهدم سمعته، وقد تصلح علاقة، وقد تشعل خصومة لا تنتهي.
لا تجعل خسارة جولة هزيمةً للعمر كله
———————
قد يخسر الصادق جولة في معركة الكلام، وقد ينجح الكاذب مؤقتًا في خداع بعض الناس، لكن النجاح العابر ليس انتصارًا حقيقيًا، كما أن تأخر ظهور الحقيقة لا يعني غيابها.
ومع مرور الوقت، يلاحظ الناس التناقضات، ويقارنون الأقوال بالأفعال، ويدركون الفرق بين إنسان تتفق كلماته مع مواقفه، وآخر تتغير رواياته كلما تغيرت مصلحته.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتظر الزمن وحده؛ فالحقيقة تحتاج أحيانًا إلى دليل واضح، وموقف شجاع، وكلمة عادلة تحفظ الحقوق. والعدل لا يتحقق بتبادل الاتهامات، بل بالبينات والإنصاف وسماع جميع الأطراف…قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فحتى حين نختلف، يجب ألا نفقد إنصافنا، وحتى حين نتعرض للظلم، يجب ألا نصبح نسخة ممن ظلمونا.
انتصر للحقيقة.. ولا تخسر نفسك.
———————
ليست البطولة أن تنتصر في كل جدال، ولا أن تمتلك آخر كلمة في كل حوار؛ البطولة الحقيقية أن تظل صادقًا حين يكون الكذب أسهل، وعادلًا حين يغريك الغضب بالظلم، ومتزنًا حين يدفعك الاستفزاز إلى الانفعال..
دافع عن حقك بالحجة، وواجه الكذب بالدليل، ولا تجعل إساءة الآخرين تسرق منك نقاءك.
فقد يربح الكاذب تصفيق لحظة، وقد يخسر الصادق رضا بعض الناس، لكن القيمة الحقيقية ليست فيمن صرخ أكثر، بل فيمن استطاع أن ينظر إلى نفسه دون خجل، وأن ينام وضميره مطمئن.
اللهم ارزقنا صدق القول، ونقاء القلب، وبصيرة تميز الحق من الباطل، واحفظ ألسنتنا من الكذب والظلم، واجبر خاطر كل مظلوم، وأظهر الحق، واجعلنا من أهل الصدق والعدل. آمين.
———————
جمعة طيبة مباركة
بقلم: أ.د / إبراهيم حسيني درويش
٢٠٢٦/١٠/١٧


