الرئيسيةمقالاتالسياحة والتنمية المستدامة: من ثراء الموارد إلى بناء المستقبل

السياحة والتنمية المستدامة: من ثراء الموارد إلى بناء المستقبل

كيف تتحول السياحة من نشاط اقتصادي إلى قوة تدعم الإنسان والاقتصاد والبيئة؟
*بقلم د. منال إمام عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة*
ليست قيمة السياحة فيما تجتذبه من زائرين، ولا فيما تحققه من إيرادات فحسب، بل فيما تستطيع أن تتركه من أثر ممتد في حياة الناس، وفي قدرة المجتمعات على تنمية مواردها، وصون تراثها، وحماية بيئتها، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، فالسياحة، حين تُدار برؤية تتجاوز المكاسب الآنية، يمكن أن تصبح إحدى الأدوات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، بما تجمعه من فرص اقتصادية، وإمكانات اجتماعية، وأبعاد ثقافية وبيئية تتفاعل فيما بينها لتصنع قيمة تتجاوز حدود القطاع السياحي ذاته.
وتنبع أهمية هذا الدور من أن التنمية المستدامة لا تعني زيادة الإنتاج أو الدخل وحدهما، وإنما تعني تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص العمل، والحد من أوجه التفاوت، والحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية، وضمان حقوق الأجيال القادمة في الاستفادة منها، ومن هذا المنطلق، تكتسب السياحة أهمية خاصة، لأنها تقع عند نقطة التقاء الاقتصاد بالمجتمع والبيئة، وتتيح للدولة فرصة تحويل ما تمتلكه من مقومات طبيعية وحضارية وإنسانية إلى مسار متكامل للتنمية.
وتُعد السياحة من الأنشطة القادرة على تحريك قطاعات اقتصادية متعددة في وقت واحد، فالزائر الذي يقصد موقعًا أثريًا أو شاطئًا أو محمية طبيعية لا يتعامل مع المنشأة السياحية وحدها، بل يتوزع إنفاقاه على النقل والإقامة والمطاعم والحرف اليدوية والمنتجات المحلية والخدمات الثقافية والترفيهية، وهكذا، يمكن للإنفاق السياحي أن ينتقل من مؤسسة واحدة إلى شبكة واسعة من المشروعات والأنشطة، بما يخلق فرصًا للعمل والإنتاج ويعزز حركة الأسواق المحلية.
غير أن الأثر التنموي الحقيقي لا يتحدد بحجم الإنفاق وحده، بل بمدى قدرة الاقتصاد المحلي على الاحتفاظ بجزء معتبر من عوائده، فكلما زادت مشاركة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمزارعين، والحرفيين، ومقدمي الخدمات المحليين، اتسعت دائرة المستفيدين من النشاط السياحي، وكلما ارتبطت المنشآت السياحية بالمنتجات المحلية وسلاسل الإمداد الوطنية، زادت فرص انتقال أثر السياحة إلى قطاعات أخرى.
ومن هنا، يصبح من المهم ألا تقتصر خطط التنمية السياحية على زيادة أعداد الزائرين أو التوسع في المنشآت، بل أن تهتم أيضًا بنوعية فرص العمل التي توفرها، واستقرارها، وجودة التدريب المهني، وإتاحة الفرص للشباب والنساء، وتشجيع ريادة الأعمال، فالسياحة التي تحقق عائدًا مرتفعًا دون أن تنعكس فوائدها على المجتمعات المحيطة قد تحقق نموًا اقتصاديًا، لكنها لا تستنفد إمكاناتها التنموية.
إن جوهر التنمية المستدامة هنا هو الانتقال من السؤال عن مقدار ما تحققه السياحة من دخل إلى السؤال الأعمق: كيف يتحول هذا الدخل إلى فرص أوسع، وقدرات بشرية أفضل، وتحسن ملموس في مستوى المعيشة؟ وللحديث بقية

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة