البحث العلمي والابتكار في عصر الذكاء الاصطناعي: من أدوات المعرفة إلى صناعة المستقبل العلمى.
بقلم الاستاذة الدكتوراة نسرين شام – عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ورئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث تكنولوجيا الاغذية بمركز البحوث الزراعية _ وعضو اللجنة الوطنية لعلوم التغذية بأكاديمية البحث العلمى _ وعضو مخترع بالهيئة الاستشارية العليا بنقابة المخترعين المصريين _ وعضو مجلس علماء مصر _ وعضو أصدقاء المجمع العلمى المصرى

*** يشهد العالم تحولًا غير مسبوق في منظومة إنتاج المعرفة، مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية والتقنيات الحديثة، والذى لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة تستخدم في مجالات محددة، وإنما أصبح عنصرًا مؤثرًا في البحث العلمي، وتحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، وبناء النماذج، وتطوير المنتجات، ودعم القرارات، وتسريع الابتكار.
*** لم يعد السؤال المطروح؛ هل سيستخدم الباحث الذكاء الاصطناعي؟! وإنما أصبح السؤال الأهم؛ كيف يستطيع الباحث أن يستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة مهنية علمية ومسؤولة دون أن يفقد البحث العلمي جوهره الإنساني والإبداعي؟!!!
*** الذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة كميات هائلة من المعلومات بسرعة تفوق القدرة البشرية، ولكنه لا يلغي قيمة العقل للباحث العلمى لان البحث العلمي يبدأ من طرح سؤال جيد يحاول معالجة التحدى والذى يحتاج إلى عقل قادر على الملاحظة والنقد والتفكير والإبداع وربط المعرفة باحتياجات الإنسان والمجتمع، ومن هنا فإن مستقبل البحث العلمي لن يكون صراعًا بين الإنسان والآلة، بل سيكون قائمًا على التكامل بين ذكاء الإنسان وقدرات الآلة.
*** من البحث العلمى التقليدي إلى البحث العلمي الذكي؛
اعتمد البحث العلمي لعقود طويلة على عمليات متتابعة تبدأ بتحديد المشكلة، ثم البحث في المراجع، وجمع البيانات، وإجراء التجارب، وتحليل النتائج، واستخلاص الاستنتاجات.
أما اليوم، فقد أصبحت الأدوات الذكية قادرة على مساعدة الباحث في مراحل متعددة من ادارة البحث والتتبع خلال الادبيات العلمية السابقة ، فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد في تنظيم تلك الأدبيات العلمية، واكتشاف العلاقات بين الدراسات السابقة ، وتحليل مجموعات ضخمة من البيانات، والمساعدة في بناء النماذج والتنبؤات والاستنباط ، واستخراج الأنماط التي قد يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية، لكن هذه القدرات لا تعني أن الآلة أصبحت “باحثًا علميًا” مستقلًا، فالآلة تستطيع أن تبحث وتحلل وتقارن، ولكن الباحث هو الذي يحدد المشكلة العلمية، ويضع الفرضية، ويختار المنهج، ويتحقق من النتائج، ويفسرها وينتقدها في سياقها العلمي، ويتحمل مسؤولية ما ينشره، ومن هنا يظهر مفهوم جديد يمكن تسميته بـ البحث العلمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ أي البحث الذي يستفيد من قدرات الأدوات الذكية مع بقاء القرار العلمي والمسؤولية العلمية لدى الباحث الانسان.
ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مضاعفًا لقدرات الباحث وليس بديلًا عن الباحث، حيث يستطيع الباحث العلمى اليوم استخدام الأدوات الرقمية لتقليل الوقت اللازم لهذه المهام، مع الاحتفاظ بقدراته ومهاراته الشخصية فى التفكير النقدي، وصياغة الأسئلة، وتصميم التجارب، والتحقق من النتائج، والإبداع، وتحويل المعرفة إلى تطبيقات صناعية ومخرجات البحث تخدم المجتمعوالإنسانيةوأهدافالتنميةالمستدامةوالاستدامةالخضراء.
*** من البحث العلمي إلى الابتكار؛
تكمن القيمة الحقيقية للبحث العلمي في قدرته على إنتاج معرفة جديدة يمكن أن تتحول إلى أثر، ومن هنا تأتى العلاقة الوثيقة بين البحث العلمي والابتكار، فالبحث العلمي ينتج المعرفة، والابتكار يحول المعرفة إلى قيمة، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع الانتقال بينهما، فالابتكار لا يبدأ بالمنتج النهائي، وإنما يبدأ غالبًا من مشكلة تحتاج إلى حل خارج المألوف ، أو فرصة تحتاج إلى تطوير، أو مورد يحتاج إلى تعظيم الاستفادة منه.
*** الذكاء الاصطناعي والابتكار الزراعي والغذائي؛
تكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في قطاعي الزراعة و الغذاء، نظرًا لما يواجههما من تحديات عظيمة مرتبطة بالأمن الغذائي، وتغير المناخ، وندرة الموارد والمياه، والفاقد والهدر الغذائي، وارتفاع تكلفة الإنتاج، لذا يمكن للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وادواته أن تدعم الزراعة الذكية من خلال تحليل البيانات الزراعية، والاستشعار، والتنبؤ، ومراقبة المحاصيل، وتحسين استخدام المياه والمدخلات الزراعية، كما يمكن أن تمتد تطبيقاته إلى الصناعات الغذائية من خلال تحسين عمليات التصنيع، ومراقبة الجودة،
وتحليل خصائص المنتجات، وتطوير منتجات غذائية جديدة، والاستفادة المثلى من المنتجات الثانوية والمواد الخام ذات القيمة الاقتصادية المنخفضة.
*** الابتكار من أجل تعظيم القيمة المضافة؛
فالمادة الخام الزراعية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مجرد محصول يباع في صورته الأولية، بل يمكن أن تصبح بداية لسلسلة من المنتجات ذات القيمة المضافة، ومن خلال البحث العلمي والتقنيات الحديثة، يمكننا تحويل بعض المنتجات الزراعية منخفضة القيمة أو الفاقد والدرجات الأقل تسويقًا إلى منتجات غذائية مبتكرة، بما يساهم في تقليل الهدر وتحقيق عائد اقتصادي أكبر، وهذا هو أحد أوجه الابتكار الأخضر الذي يجمع بين الاقتصاد والاستدامة وحماية الموارد، فالابتكار المستدام يجب أن يراعي الاقتصاد والبيئة والمجتمع في الوقت نفسه، ومن هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الاستدامة من خلال تحسين استخدام الموارد، وتقليل الهدر، وتحسين كفاءة العمليات، ودعم النماذج التنبؤية، والمساعدة في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة، اما بمجال الصناعات الغذائية تحديدًا، يمكن أن يدعم الذكاء الاصطناعي مفاهيم الاقتصاد الدائري، والاستفادة من المخلفات والمنتجات الثانوية، وتعظيم القيمة المضافة للموارد الزراعية.
وبذلك يصبح الابتكار أكثر من مجرد منتج جديد؛ إنه منظومة لإعادة التفكير في كيفية استخدام الموارد وإنتاج القيمة.
*** من الباحث إلى صناعة الأثر المستدام؛
إن مستقبل البحث العلمي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأبحاث المنشورة، وإنما بقدرة المعرفة على إنتاج أثر حقيقي ، قد يكون هذا الأثر له قيمة اقتصادية ومجتمعية أو شركة ناشئة، أو انشاء صناعة متطورة من خلال تطوير تقنية، أوانشاء نموذج زراعيً يساهم فى تحسين الإنتاج، أو صناعة مننج غذائيً وظيفى صحى متطور أو تقديم خدمة مجتمعية، أو بيئية من خلال تقليل الهدر وترشيد استهلاك الموارد.
*** الخاتمة ؛
فإن مستقبل البحث العلمي لن يكون للباحث الذي يرفض التكنولوجيا، ولا للباحث الذي يعتمد عليها اعتمادًا كاملًا، وإنما للباحث الذي يستطيع أن يوظفها بوعي، وينقد مخرجاتها، ويتحقق من نتائجها، ويضيف إليها إبداعه وخبرته الإنسانية، فإننا العاملين بمجال البحث العلمى ، ننتقل من عصر كانت فيه المعلومة هي المورد الأساسي للمعرفة، إلى عصر أصبحت فيه القدرة على إدارة المعرفة وتحويلها إلى ابتكار وأثر هي التحدي الأكبر.
*** وتتلخص فلسفة البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي في معادلة بسيطة؛
الذكاء الاصطناعي يسرّع المعرفة، والباحث يمنحها المعنى، والابتكار يحولها إلى أثر، فالمستقبل لا تصنعه الآلة وحدها، وإنما يصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم الآلة لصناعة مستقبل أفضل.


