﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾
كلمات قليلة… ومعانٍ لا تنتهي
في القرآن الكريم كلمات قد تبدو قصيرة في عدد حروفها، لكنها تحمل في داخلها من المعاني ما يعجز عن احتوائه الكثير من الكلام. ومن أعظم هذه الكلمات قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾
صدق الله العظيم… ٤٦ – سورة طه
ما أعظم هذا التعبير، وما أعمق ترتيبه!
تبدأ الآية بقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾؛ وكأن أول ما يحتاجه الإنسان عندما يواجه أمرًا صعبًا هو أن يطمئن قلبه، ثم تأتي بعدها مباشرة أعظم أسباب الطمأنينة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾.
فالمعية هنا ليست مجرد قربٍ يُقال، وإنما إحاطة كاملة بعلم الله وقدرته ورعايته، ثم يأتي التعبير في غاية الدقة: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾.
لم يقل سبحانه فقط: أنا معكما، بل أتبعها بما يبعث في القلب مزيدًا من اليقين: أسمع كل ما يقال، وأرى كل ما يحدث.
وهنا تظهر روعة ترتيب الكلمات.
أسمع… وأرى.
فكم من كلمة قيلت ولم يسمعها أحد، وكم من موقف حدث ولم يره أحد، وكم من دمعة نزلت في الخفاء، وكم من دعاء خرج من قلب صاحبه دون أن يسمعه بشر… لكن لا شيء يخفى على الله.
إنها رسالة طمأنينة لكل إنسان يمر بلحظة يشعر فيها أنه وحده، أو أن صوته لا يصل، أو أن ما يحدث معه لا يراه أحد.
الله يسمع.
والله يرى.
وقد يمر الإنسان بموقف لا يستطيع أن يشرح تفاصيله لأحد، وقد يعجز عن التعبير عن وجعه، وقد يختار الصمت لأن الكلام لم يعد قادرًا على وصف ما بداخله؛ لكن الله لا يحتاج إلى شرح، ولا إلى تفسير، ولا إلى كثرة الكلام.
﴿أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾.
وما أجمل أن نتأمل أيضًا أن الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾.
فالمعنى الذي يصل إلى القلب هو: لا تخافا من الطريق، ولا من قوة الخصم، ولا من صعوبة المهمة، ما دمتم في معية الله؛ فهو يسمع ما لا تسمعون، ويرى ما لا ترون، ويعلم ما لا تعلمون.
ولذلك فإن هذه الآية ليست فقط قصة تتعلق بموسى وهارون عليهما السلام، وإنما فيها معنى عظيم يمكن أن يعيش مع الإنسان في كل زمان.
عندما تضيق بك الحياة، تذكر:
إن الله يسمعك وإن لم يسمعك الناس.
ويراك وإن لم يلتفت إليك أحد.
ويعلم ما في قلبك وإن عجزت عن التعبير عنه.
وقد يكون أعظم ما يمنح الإنسان القوة ليس أن تتغير الظروف من حوله، وإنما أن يستقر في قلبه يقين واحد:
أن الله معه، يسمع ويرى.
وإذا استقر هذا اليقين، أصبح الخوف أضعف، والصبر أقوى، والقلب أكثر سكينة، والإنسان أكثر قدرة على مواصلة الطريق.
فسبحان من وضع في كلمات قليلة هذا القدر العظيم من الطمأنينة:
﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾.
آية قصيرة في كلماتها، عظيمة في معناها، بديعة في ترتيبها، وعميقة في أثرها…
وكأنها تقول لكل قلب خائف:
لست وحدك… فالله يسمع، والله يرى.


