بقلم د. منال امام، عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
لم تكن حرب أكتوبر 1973 تُدار على جبهات القتال وحدها، ففي واشنطن، كانت معركة أخرى تجري خلف الأبواب المغلقة، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية، وتتقاطع فيها الضغوط الدبلوماسية مع متطلبات الدعم العسكري. وتكشف وثيقتان أمريكيتان مؤرختان في 11 أكتوبر 1973 جانبًا من هذه المعادلة، من خلال محادثات وزير الخارجية هنري كيسنجر مع المسؤولين الإسرائيليين، ومحادثته مع الرئيس ريتشارد نيكسون.
نيكسون: نحن نساعدهم: في الساعة الحادية عشرة صباحًا من ذلك اليوم، دار اتصال هاتفي بين نيكسون وكيسنجر، سجّله الأرشيف الرئاسي الأمريكي ضمن الوثيقة رقم 153. وخلال المحادثة، أعرب نيكسون عن استيائه من تقارير صحفية قال إنها توحي بأن واشنطن لا تدعم إسرائيل، وطالب كيسنجر بالضغط على السفير الإسرائيلي لوقف هذه التصريحات.
وكانت عبارته الأكثر دلالة: «نحن نساعدهم، وهو يعرف ذلك، أليس كذلك؟»، في إشارة واضحة إلى استمرار المساعدة الأمريكية لإسرائيل خلال الحرب.
لم تكن هذه العبارة مجرد تعليق عابر، فهي تكشف أن الإدارة الأمريكية كانت تدرك أهمية الدعم الذي تقدمه لإسرائيل، كما كشفت انزعاج الرئيس الأمريكي من ظهور واشنطن وكأنها تتخلى عن حليفتها في لحظة الحرب. وفي الوقت نفسه، أشار نيكسون إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع محاربة الطرفين معًا، في تعبير عن القيود السياسية التي أحاطت بإدارة الأزمة.
كيسنجر يعترض على تصريحات ديان: وبعد عشر دقائق، عند الساعة 11:10 صباحًا، انتقلت الصورة إلى محادثة أخرى، هذه المرة بين كيسنجر وشاليف، المسؤول في السفارة الإسرائيلية بواشنطن، وهي الوثيقة رقم 154. كان سبب الاعتراض تصريحًا لوزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان بشأن تقدم القوات الإسرائيلية نحو دمشق. وقد رأى كيسنجر أن هذا التصريح يضعف المساعي الأمريكية الرامية إلى إبطاء التحرك في الأمم المتحدة، ويحرجه أمام الاتحاد السوفيتي.
وقال كيسنجر، في معنى حديثه، إنه واجه صعوبة بالغة في إقناع الرئيس الأمريكي بإبطاء التحركات الدبلوماسية، ثم وجد نفسه أمام إعلان إسرائيلي يهدد بإفشال جهوده. وسأل بوضوح: ماذا سيقول للسوفييت بعد هذا التصريح؟
لم يكن اعتراض كيسنجر متعلقًا بالتصريحات الإعلامية وحدها، بل ارتبط بمحاولة الحفاظ على هامش للمناورة الدبلوماسية، ومنع التصعيد من تقويض الاتصالات الأمريكية السوفيتية. فقد كانت واشنطن تحاول إدارة التوازن بين دعم إسرائيل من جهة، وتجنب اتساع الحرب وتفاقم المواجهة الدولية من جهة أخرى.
ضغط دبلوماسي لا يعني وقف الدعم العسكري: تبلغ المفارقة ذروتها في الهامش التوثيقي الملحق بالوثيقة 154، الذي سجل تطورًا لاحقًا في اليوم نفسه. ففي الساعة 3:05 مساءً، أبلغ كيسنجر السفير الإسرائيلي شمعون دنيتز بأنه أصدر تعليمات إلى المؤسسة العسكرية الأمريكية باستئجار عشرين طائرة لنقل المعدات العسكرية إلى الإسرائيليين.
وهنا تتضح دلالة الوثيقتين عند قراءتهما معًا: ففي الوقت الذي كان فيه كيسنجر يضغط على الجانب الإسرائيلي لضبط تصريحاته وعدم إضعاف المساعي الأمريكية في الأمم المتحدة، كانت واشنطن تعمل على توفير وسائل نقل للمعدات العسكرية الإسرائيلية.
وهذه المواقف توضح أن الاعتراض على سلوك معين لا يعني بالضرورة وقف المساندة العسكرية لإسرائيل فقد كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى إدارة الحرب بما يحفظ مصالحها، ويحد من مخاطر المواجهة مع الاتحاد السوفيتي، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
بين حسابات الحرب وحسابات السياسة
تكشف هاتان الوثيقتان جانبًا من طبيعة السياسة الأمريكية خلال حرب أكتوبر: فالدبلوماسية لم تكن منفصلة عن الميدان العسكري، بل كانت تتحرك في تفاعل مستمر معه. فالتصريحات الإسرائيلية كانت تؤثر في قدرة واشنطن على التحرك داخل الأمم المتحدة، والتطورات العسكرية كانت تضغط على حساباتها الدولية، بينما ظل الدعم العسكري عنصرًا حاضرًا في إدارة علاقتها بإسرائيل.
ومن هنا، فإن قراءة الوثائق لا ينبغي أن تتوقف عند العبارات المنقولة عن المسؤولين، بل يجب أن تتجاوزها إلى مقارنة ما أعلنوه بما اتخذوه من إجراءات. فالمحادثات كشفت المخاوف والضغوط، أما الإشارة إلى ترتيب الطائرات فتكشف جانبًا عمليًا من استمرار المساندة العسكرية.
إن وثائق 11 أكتوبر 1973 تقدم نافذة مهمة على ما جرى خلف الكواليس في واحدة من أكثر لحظات الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. وهي تذكّرنا بأن فهم الحروب لا يكتمل بمتابعة حركة الجيوش وحدها، إذ لا تقل أهمية عنها متابعة حركة القرارات والاتصالات والصفقات والمواقف التي ترسم حدود الدعم، وتحدد مساحة المناورة الدبلوماسية.
ففي الحروب، قد تتباين لغة الضغط عن لغة الإمداد، لكن الوثائق هي التي تتيح لنا أن نرى كيف تحرك المساران في اللحظة التاريخية نفسها.
المصدر:
Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXV: Arab-Israeli Crisis and War, 1973.
الوثيقة 153 محضر مكالمة هاتفية بين الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية هنري كيسنجر، 11 أكتوبر 1973، الساعة 11:00 صباحًا.
الوثيقة 154: محضر مكالمة هاتفية بين كيسنجر وشاليف، المسؤول في السفارة الإسرائيلية، 11 أكتوبر 1973، الساعة 11:10 صباحًا، مع هامش يوثق الاتصال اللاحق بدنيتز وترتيب نقل المعدات العسكرية.


