السبت, مايو 16, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeالأسرة والطفلتماسك الأسرة في العصر الرقمي.. هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل؟

تماسك الأسرة في العصر الرقمي.. هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل؟

تماسك الأسرة في العصر الرقمي.. هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل؟

تماسك الأسرة في العصر الرقمي.. هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل؟

د. هبة السمري عميد كلية الإعلام جامعة النهضة وعضو الهئية الاستشارية في مجلس الأسرة العربية للتنمية – أحد المجالس العربية المتخصصة بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة 

في زمن فيه الشاشات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية أكثر من أي وقت مضى، لم تعد الأسرة تواجه فقط التحديات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، بل أصبحت مطالبة أيضًا بالحفاظ على تماسكها وسط عالم رقمي سريع الإيقاع، تتغير فيه أنماط التواصل والعلاقات الإنسانية بصورة غير مسبوقة. وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال مهم يفرض نفسه بقوة: هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل في دعم استقرار الأسرة، أم أصبح أحيانًا جزءًا من الأزمة؟

ويأتي احتفال الأمم المتحدة باليوم الدولي للأسر في الخامس عشر من مايو 2026، تحت شعار «الأسر، وعدم المساواة، ورفاهية الطفل»، ليؤكد مجددًا أن الأسرة لا تزال تمثل حجر الأساس في بناء المجتمعات، وأن رفاهية الطفل تبدأ من وجود بيئة أسرية مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات العصر.

لقد أعادت التكنولوجيا الحديثة تشكيل تفاصيل الحياة داخل الأسرة. فوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لم تعد مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه، بل تحولت إلى فضاءات تؤثر في طريقة التفكير، وأنماط السلوك، وشكل العلاقات بين الأفراد. وبينما وفرت هذه الوسائل فرصًا واسعة للمعرفة والانفتاح والتقارب، فإنها في الوقت نفسه فرضت واقعًا جديدًا جعل كثيرًا من الأسر تعاني من تراجع الحوار الحقيقي لصالح التفاعل الافتراضي.

ففي كثير من البيوت، يجلس أفراد الأسرة في المكان نفسه، لكن كلًّا منهم يعيش داخل عالمه الرقمي الخاص. تراجع الحديث، وضعفت لحظات المشاركة الإنسانية البسيطة، وأصبحت الهواتف الذكية أحيانًا أقرب إلى الأفراد من بعضهم البعض. وهنا تحديدًا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في استعادة التوازن داخل الأسرة، لا في تعميق حالة العزلة والانفصال.

فالإعلام، بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي المجتمعي، يمتلك قدرة هائلة على التأثير في القيم والسلوكيات وأنماط العلاقات الإنسانية. ولم يعد دوره مقتصرًا على نقل الأخبار أو تقديم الترفيه، بل أصبح شريكًا أساسيًا في صناعة الثقافة المجتمعية، وتحديد ما يعتبره الناس طبيعيًا أو مقبولًا داخل الأسرة والمجتمع.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أي صورة للأسرة يقدمها الإعلام اليوم؟ وهل تسهم المضامين الإعلامية والرقمية في دعم قيم الحوار والتفاهم والترابط الأسري، أم أنها تدفع بصورة غير مباشرة نحو الفردية والعزلة والتفكك؟

لا يمكن إنكار أن جزءًا من المحتوى الإعلامي المعاصر بات قائمًا على الإثارة السريعة والنزعة الاستهلاكية، مع تقديم نماذج اجتماعية مضطربة أو علاقات إنسانية هشة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على وعي الأطفال والشباب وتصوراتهم تجاه الأسرة والحياة. كما أن السعي المحموم وراء نسب المشاهدة والتفاعل الرقمي أدى أحيانًا إلى تراجع الاعتبارات التربوية والثقافية والإنسانية في بعض المضامين المقدمة للجمهور.

لكن، في المقابل، لا يزال الإعلام قادرًا على أن يكون قوة داعمة للاستقرار الأسري، إذا انطلق من رؤية مجتمعية ومسؤولية مهنية حقيقية. فالإعلام الواعي يستطيع أن يعيد الاعتبار لقيم الأسرة، وأن يعزز ثقافة الحوار بين الأجيال، وأن يقدم نماذج إيجابية للعلاقات الإنسانية تقوم على الاحترام والدعم والتفاهم، بدلًا من تكريس العنف أو التفكك أو الاغتراب النفسي.

كما يمكن للإعلام أن يسهم في رفع وعي الأسر بأساليب التربية الحديثة، وكيفية التعامل مع الأبناء في العصر الرقمي، وتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن والمتوازن للتكنولوجيا. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة توظيفها، وفي غياب الثقافة الرقمية التي تساعد الأسرة على تحقيق التوازن بين العالم الافتراضي والعلاقات الإنسانية الحقيقية.

ولعل أخطر ما تواجهه الأسرة اليوم ليس فقط كثافة المحتوى الرقمي، بل سرعة تأثيره، خاصة على الأطفال والشباب الذين يتعرضون يوميًا لرسائل وصور وأفكار قد تسهم في تشكيل وعيهم وقيمهم بصورة عميقة. وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام في تقديم محتوى يحترم عقل المتلقي، ويحافظ على التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة، بدلًا من الاكتفاء بمنطق الجذب السريع وتحقيق التفاعل اللحظي.

إن تماسك الأسرة في العصر الرقمي لم يعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل أصبح مسؤولية تشاركية تتداخل فيها أدوار الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والثقافية، والدينية، والاجتماعية. فكل رسالة إعلامية تحمل تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على وعي الأفراد، وطبيعة العلاقات داخل المجتمع.

وفي اليوم الدولي للأسر، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعلام يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين التطور التكنولوجي والبعد الإنساني، إعلام يدرك أن دوره لا يتوقف عند صناعة المحتوى، بل يمتد إلى إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين الإنسان وأسرته ومجتمعه في العصر الرقمي.

ففي النهاية، قد تتغير الوسائل والمنصات، لكن تبقى الأسرة هي المساحة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الأمان والانتماء والحوار. ويبقى السؤال مطروحًا: هل لا يزال الإعلام جزءًا من الحل؟  أم أن المستقبل يتطلب إعادة تعريف دوره من جديد؟

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة