أمن الطاقة ومسارات الجغرافيا الإقتصادية البديلة عبر المنطقة العربية.
ا .د منى نور الدين أستاذ الجغرافيا الإقتصادية والنقل ووكيلة كلية الدراسات الإنسانية للدراسات العليا والبحوث وعضو الأمانة العامة للإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة وعضو مجلس إدارة الجمعية العلمية العربية للنقل

تعتمد منظومة أمن الطاقة على الجغرافيا الاقتصادية لتأمين تدفقات الطاقة وتنوعها وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الجيوسياسية وخاصة استدامة الموارد ، وتحقيق مسارات لوجيستية آمنة بعيدا عن مناطق التوتر الجيوسياسي وتعمل على تحقيق النواحى اللوجيستية من تخفيض للزمن والتكاليف مع ارتفاع الجودة ،ولقد عانت المنطقة العربية من تحديات الموقع الجغرافى وأثره على تسهيل حركة البضائع والركاب عبر الدول بكل سهولة سواء فى الجانب الأفريقى والجانب الأسيوى لولا وجود إسرائيل والتى تعد بمثابة الورم السرطانى فى قلب المنطقة الجغرافية
بداية من الاحتلال البريطانى فى المنطقة منذ وعد بلفور 1917 ووجود إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة عام 1948 وهو ما يعرف بقرار تقسيم فلسطين والذى أحدث خللاً فى العلاقات عبر المعابر الأرضية بين كل من فلسطين والأردن وفلسطين وسوريا وفلسطين ومصر باعتبارهم حلقة الوصل بين الدول العربية وتقطعت العلاقات بين تلك الدول عبر الأسلاك الشائكة على الحدود ، ولم يمنع ذلك إسرائيل من الحلم الإسرائيلى وهو أسر تجارة المرور عبر المنطقة العربية لصالحها واعتبارها جسراً برياً ، فضلا عن تطلعاتها للنقل متعدد الوسائط عبر مشروعات التطبيع التى وقعتها مع بعض الدول مع إطلاق مشروع إسرائيل الكبرى وأذرعها الإقليمية .
هذا بالإضافة إلى السماح بتواجد القواعد العسكرية الأمريكية والتى تزايدت منذ حرب الخليج الثانية وشكلت تهديدا مباشراً لإيران من الولايات المتحدة الأمريكية ، وكذلك صراعات الملاحة والقرصنة فى مضيق باب المندب فإن الأمر شكل خطورة على حركة الملاحة البحرية سواء بالنسبة للنفط والغاز الطبيعى وحركة الحاويات وسفن وناقلات البترول وسفن الحاويات .
ولا يقتصر أمن الطاقة على الانتاج فقط ولكن يجب مراعاة كافة الأبعاد الاقتصادية من إنتاج وتبادل واستهلاك وخاصة عملية النقل ولقد واجه قطاع الطاقة فى السنوات الأخيرة تحديات إقتصادية وجيوسياسية كبيرة وخاصة هذا العقد بداية من كوفيد 19 والحرب الروسية الأوكرانية فى 24 فبراير 2022 ، والحرب على غزة فى أكتوبر 2023 ، والحرب فى مضيق باب المندب والحرب الإإسرائيلية الإيرانية فى يونيو 2025 ، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إبران فى 28 فبراير 2026 .
وكذلك تذبذب أسعار البترول وارتفاعه مؤخرا من 60 دولار للبرميل إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل كثيرا ولقد أثرت تلك الحروب على تغيير خريطة سلاسل الامداد والمسارات اللوجيستية ، ويعد إغلاق مضيق هرمز تحدياً صارخاً فى وجه القانون الدولى واتفاقية قانون البحار عام 1982 واستخدامه كورقة ضغط دولية فى تلك الحروب ، مع العلم أن كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل رفضت التوقيع على تلك الاتفاقية ، فيما عدا مؤخرا اتفاق كل من دولتي عمان وإيران بشأن مضيق هرمز .
ولقد أثر إغلاق مضيق هرمز على تفعيل منظومة النقل متعدد الوسائط عبر المنطقة العربية بحكم الجوار الجغرافى بين دول الخليج العربي فى الشرق إلى بلاد الشام غربا ومصر ، فلقد أجبرت تلك الدول على تغيير مساراتها من المسار البحرى عبر الخليج العربى ومضيق هرمز إلى المسار البري عبر دول المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية والأردن ومصر .
ومن أهم الدول المملكة العربية السعودية والتى لجأت إلى إستخدام خط البترولاين أو ما يعرف بخط شرق ــ غرب ليتم الربط بين الموانئ الشرقية على ساحل الخليج العربي إلى الموانئ الغربية على ساحل البحر الأحمر وخاصة ميناء ينبع وتصل طاقة هذا الخط إلى ما يقرب من 7 مليون برميل يوميا بطول 746 ميل، ومن المخطط أن تنقل ناقلات النفط من ميناء ينبع على ثلاثة مسارات هامة وهى : المسار الجنوبى عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب ثم البحر العربى والاتجاه شرقاً إلى دول شرق وجنوب شرق آسيا ، “أو الاتجاه شمالاً عبر قناة السويس والبحر المتوسط إلى دول أوروبا أو الاتجاه غرباً للعين السخنة على الساحل الغربي للبحر الأحمر حيث يوجد خط سوميد الدولى لنقل النفط إلى سيدى كرير غرب الإسكندرية ثم عبر البحر المتوسط إلى دول أوروبا ، بالإضافة إلى ميناء نيوم البحرى على ساحل خليج العقبة شمالاً ومنه إلى البحر الأحمر ، ولذلك تعد المملكة العربية السعودية بمثابة منصة لوجيستية هامة لدول الخليج العربي الأخرى حيث تتمتع بموقع جغرافى إستيراتيجى بإشرافها البحرى على خطوط وشرايين الملاحة العالمية الخليج العربى شرقاً حيث يتركز النفط وعلى البحر الأحمر غرباً حيث طريق وشريان الملاحة العالمى الذى يربط بين الشرق الأقصى وغرب أوروبا مروراً بقناة السويس .
وإن ذلك يعمل أيضاً على تحقيق رؤية مصر فى قطاع النقل البحرى حسب رؤية 2030 وهى تحويل مصر إلى مركز عالمى للطاقة والتجارة واللوجيستيات على المستوى الإقليمى والإفريقى والعالمى ، وتوظيف الإمكانات الهائلة التى تتمتع بها مصر ممثلة فى الموانئ التجارية والمتخصصة على سواحل كل من البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس ورفع كفاءة منظومة النقل البحرى والتى تتضمن بشكل أساسى الموانئ البحرية لتقديم خدمات ومعايير تتعلق بالجودة والأمن والسلامة والاستدامة وحماية الموارد .
وتتمثل حدود المملكة العربية السعودية البرية شمالاً وجنوباً وتتميز بوجود شبكات الربط من طرق وسكك حديدية ، ولقد سارعت المملكة منذ عدة سنوات بوضع الخطة التنفيذية لبرنامج تطوير الصناعة والخدمات اللوجيستية 2018 _ 2020 ، والذى ركز على الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجيستية ويعرف باسم ندلب .
( National Industrial Development and Logistics )
ويهدف إلى إنشاء وتحسين آداء المراكز اللوجيستية وتحسين الربط المحلي والإقليمي والدولي وإنشاء منصات توزيع إقليمية وتركز خريطة المراكز اللوجيستية على المدن الساحلية والموانئ البحرية والمدن الصناعية الساحلية وأيضا التركيز على تنمية المناطق الحدودية والمنافذ الحدودية مع دول الجوار اليمن جنوباً والعراق شمالاً والكويت شرقاً والأردن شمالاً ، وتركز الخطة على وجود ربط بواسطة شبكات الطرق والسكك الحديدية بين المنصات اللوجيستية والمدن الصناعية والموانئ البحرية والمطارات ، وكذلك إصدار تقرير عام 2024 ، واصدار النسخة الأولى من المنتدى اللوجيستي العالمى فى أكتوبر 2024 .
أما بالنسبة لدولة الإمارات فقد لجأت إلى خط حبشان _ الفجيرة لتجنب المرور عبر المضيق ، بالإضافة إلى خطوط الأنابيب المقترح مدها إلى عمان على ساحل البحر العربى .
وبالنسبة للعراق عن طريق خط أنابيب كركوك ــ جيهان عبر تركيا وميناء جيهان التركى .
بالإضافة إلى خطوط السكك الحديدية الخليجية ومنها قطار الخليج وهذا بالنسبة للنقل متعدد الوسائط وخاصة لنقل الحاويات .
أما عن الخطوط التى يمكن إعادة إحياءها مع تحديث بعض المسارات فقد كان من المقترح مد خط أنابيب كركوك حيفا ولكن توقف عام 1948 بسبب حرب 1948 .
أيضا يوجد خط أنابيب من العراق عبر السعودية ويبلغ طوله 1568 كم والمعروف باسم خط الزبير ـــ مدينة خريص ــ ينبع على مرحلتين وتم إنشاؤه عام 1986 بطاقة تشغيلية 1.25 مليون برميل يومياً وتم تشغيله بطاقته الكاملة 1.6 مليون برميل يومياً عام 1990 ولكن هذا المشروع صودر بالكامل فى 4 يونيو 2001 من قبل المملكة ويطالب العراق بحق استرداده فى هذا الأنبوب ، ويمكن أيضاً التوسع فى استخدام هذا الخط وزيادة طاقته بالاتفاق مع المملكة العربية السعودية .
أيضا خط أنبوب نفط ( الرميلة ـ العقبة ) والذى بدأت الدراسة فيه عام 2011 وفى عام 2019 تم اعتماد مسار للأنبوب موازى لمسار الخط الاستيراتيجى من الرميلة إلى حديثة ومنها يتفرع ثلاثة أفرع وهى الحديثة ـ العقبة فى الأردن ، وحديثة ـ بانياس فى سوريا ، وحديثة ـ محطة القياس فى فيشخابور على الحدود العراقية التركية ، ويبلغ طوله 1657 كم ويتكون من مرحلتين وهما من البصرة إلى حديثة بطول 685 كم بطاقة 2.2 مليون برميل يومياً ، ومن حديثة إلى العقبة بطول 972 كم ، ويتم تزويد مصر بنحو 65 ألف برميل يومياً ، ولكن نظراً لاعتبارات أمنية فى العراق والأردن ، وفى عام 2025 تم إرساء مشروع المرحلة الأولى على شركة عراقية ـ إماراتية بتكلفة نحو مليار دولار بطول 350 كم .
كما يوجد خط انبوب البصرة ــ العقبة وهو قيد التنفيذ بطول 1700 كم عبر مرحلتين من البصرة إلى حديثة ومن حديثة إلى العقبة فى الأردن وكان من المفترض أن يتم الانتهاء منه فى عام 2017 ، وفى عام 2024 نقل من الجانب العراقى أنه سيكون ملكاً للعراق بالكامل ، وفى 7 نيسان عام 2026 أقر مجلس الوزراء العراقي العودة لمشروع أنبوب نقل النفط الخام البصرة ـــ حديثة تمهيدا لمده إلى ميناء العقبة الأردني .
بالإضافة إلى ضرورة إحياء خط التابلاين والذى يمتد من بقيق فى المنطقة الشرقية للسعودية مروراً بميناء حيفا لكن نظراً لقيام دولة أسرائيل منذ عام 1948 تم تعديل مساره إلى صيدا بلبنان ، وتم إيقاف الخط بسبب الاحتلال الإسرائيلى لهضبة الجولان عام 1976 .وكان يبلغ طول الخط 1664 كم ، وكان يتبع شركة آرامكو تحت إسم خط أنابيب الزيت الخام عبر البلاد العربية وكانت سعته المقدرة 300 ألف برميل فى اليوم وتم زيادتها إلى 500 ألف برميل يومياً وهو متوقف الآن ، ولقد سجلت هيئة التراث خط أنابيب التابلاين فى سجل التراث الصناعى الوطنى كأول موقع تراث صناعى يتم تسجيله رسمياً فى المملكة العربية السعودية .



