العمل شرف الإنسان.. وعرق الجبين يبني البيوت والأوطان..
***********************
بقلم : أ.د إبراهيم درويش – عضو الأمانة العامة للإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
ليس هناك أجمل من إنسان يبدأ يومه ساعيًا على رزقه، يحمل أدوات عمله، أو يتوجه إلى مكتبه، أو يفتح متجره، أو يقف في حقله، أو يجلس أمام كتابه أو جهازه، وهو يحمل في قلبه أملًا في يوم أفضل، وفي يده رغبة صادقة في أن يقدم شيئًا نافعًا لنفسه وأسرته ومجتمعه.
ففي كل يد تعمل حكاية كفاح، وفي كل جهد صادق قيمة، وفي كل إنجاز، مهما كان صغيرًا، خطوة نحو حياة أفضل.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال، ولا بما يرتديه من ملابس، ولا بالمكانة الاجتماعية التي وصل إليها، وإنما بما يقدمه من خير، وما يؤديه من عمل، وما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين. فالإنسان الذي يعمل وينتج ويعطي، يضيف إلى الحياة شيئًا، أما من ينتظر دائمًا أن يأخذ دون أن يحاول أن يقدم، فإنه يفقد مع الوقت أجمل ما يمنحه العمل للإنسان، وهو الشعور بالكرامة والاستقلال والقدرة على مواجهة الحياة.
ولذلك لم يكن العمل يومًا مجرد وسيلة للحصول على المال، بل هو طريق لبناء الشخصية، وحفظ كرامة الإنسان، واستقرار الأسرة، وتقدم المجتمع والوطن.
أولًا: العمل رسالة الإنسان في الحياة وعمارة الأرض
——————————
لم يخلق الله الإنسان ليعيش عاطلًا عن العمل، أو ينتظر رزقه دون سعي، وإنما جعله مسؤولًا عن عمارة الأرض والإصلاح فيها، والاستفادة من خيراتها، وتسخير ما وهبه الله من عقل وعلم وقدرة في بناء الحياة.
يقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61).
أي جعلكم تعمرون الأرض وتبنون فيها، وتزرعونها، وتستخرجون خيراتها، وتنشئون ما ينفع الناس. وهذه رسالة عظيمة لا تتحقق بالأماني والشعارات، وإنما بالعمل والسعي والعلم والإخلاص.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجم: 39-40).
إنها دعوة واضحة إلى السعي وبذل الجهد، وتذكير بأن الإنسان مسؤول عن عمله، وأن ما يبذله من جهد لا يضيع عند الله.
ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15).
تأملوا هذا التوجيه الكريم؛ فالله أمرنا أن نمشي في الأرض ونبحث عن الرزق، ولم يأمرنا بالانتظار والكسل. فالرزق من الله، ولكن له أسباب، ومن أهمها السعي والعمل والأخذ بالأسباب.
والأجمل أن العمل ليس محصورًا في مهنة بعينها، فكل من يزرع أرضًا، أو يصنع منتجًا، أو يعالج مريضًا، أو يعلم طالبًا، أو يبني منزلًا، أو يدير مشروعًا، أو يقدم خدمة نافعة، يشارك في عمارة الأرض، ما دام يعمل بالحلال والأمانة والإتقان.
ثانيًا: الأنبياء علمونا أن العمل شرف لا ينقص من قدر صاحبه
——————————
من أجمل ما قدمه لنا الإسلام أنه ربط بين الإيمان والعمل، وجعل الأنبياء والمرسلين قدوة في السعي والكسب، فلم يكن العمل اليدوي عيبًا في حقهم، ولم تمنعهم مكانتهم العظيمة من ممارسة المهن والاعتماد على أنفسهم.
فهذا نبي الله داود عليه السلام، آتاه الله الملك والحكمة، ومع ذلك كان يأكل من عمل يده، ويصنع الدروع التي تحمي الناس، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ (الأنبياء: 80).
وهذا نبي الله نوح عليه السلام، صنع السفينة بأمر الله، فكانت سببًا في نجاة المؤمنين. ونبي الله زكريا عليه السلام كان نجارًا، يعمل ويكسب من جهده.
أما سيدنا محمد ﷺ، فقد رعى الغنم في صغره، وعمل بالتجارة في شبابه، ولم يكن يرى في أي عمل شريف ما يقلل من قدر الإنسان. وكان يشارك أصحابه في أعمالهم، حتى إنه شاركهم في حفر الخندق وحمل التراب والحجارة.
وعندما سُئل النبي ﷺ عن أفضل الكسب، قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» (رواه البخاري).
فإذا كان الأنبياء قد عملوا بأيديهم، فكيف ينظر بعض الناس إلى الحرفة أو المهنة البسيطة باعتبارها أقل شأنًا؟!
إن العيب ليس في نوع العمل، وإنما في أن يعيش الإنسان قادرًا على العمل، لكنه يرفض السعي، أو يحتقر المهن الشريفة، أو ينتظر أن تأتيه الحياة بما يريد دون أن يقدم لها شيئًا.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (متفق عليه).
إنها رسالة واضحة: كرامة الإنسان في سعيه، والعمل الشريف مهما كان بسيطًا أفضل من ذل السؤال مع القدرة على الكسب.
ثالثًا: قيمة الإنسان فيما يحسنه ويقدمه للناس
——————————
من أبلغ الحكم التي تلخص قيمة الإنسان قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
فالعالم بقيمة علمه، والطبيب بمهارته ورعايته للمرضى، والمعلم بما يزرعه في عقول الأجيال، والمهندس بما يقدمه من بناء وإبداع، والمزارع بما ينتجه من غذاء، والعامل بما يتقنه من صناعة، والتاجر بأمانته في البيع والشراء.
كل هؤلاء لهم قيمة حقيقية في الحياة، وكل مهنة شريفة تؤدي دورًا لا غنى عنه في المجتمع.
ولا يمكن أن يستغني المجتمع عن الفلاح الذي يزرع، أو العامل الذي يصنع، أو المهندس الذي يبني، أو المعلم الذي يعلم، أو الطبيب الذي يعالج. فالحياة لا تقوم على وظيفة واحدة، ولا ينهض الوطن بجهد فئة دون غيرها.
ومن الخطأ أن نقيس قيمة الأعمال بمظاهرها الاجتماعية، أو أن نحتقر مهنة لأنها لا تحقق لصاحبها دخلًا كبيرًا أو مكانة اجتماعية مرتفعة. فرب عامل بسيط يؤدي عمله بأمانة وإخلاص، فيكون أكثر نفعًا واحترامًا من صاحب منصب لا يؤدي واجبه كما ينبغي.
وقد عبّر الأديب مصطفى صادق الرافعي عن أهمية الإضافة إلى الحياة بقوله: «إذا لم تزد على الحياة شيئًا، تكن أنت زائدًا عليها».
والمعنى الذي نحتاج إلى أن نتعلمه جميعًا هو أن نكون أصحاب أثر، وأن نضيف إلى الحياة خيرًا، ولو كان هذا الخير في حدود إمكاناتنا وقدراتنا.
رابعًا: الإتقان والأمانة.. سر قيمة العمل وبركته
——————————
ليس المطلوب أن يعمل الإنسان فقط، بل أن يعمل بإخلاص وأمانة وإتقان؛ لأن العمل الذي لا تصاحبه الجودة والضمير قد يتحول إلى ضرر بدلًا من أن يكون نفعًا.
فالموظف الذي يحترم وقت الناس، والطبيب الذي يخلص في علاج مرضاه، والمعلم الذي يؤدي رسالته، والعامل الذي يحافظ على جودة إنتاجه، والفلاح الذي يهتم بأرضه ومحصوله، كل هؤلاء يقدمون صورة حقيقية لمعنى العمل النافع.وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195).
وقال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (رواه مسلم).
والإحسان لا يقتصر على العبادات، بل يشمل كل ما يؤديه الإنسان من أعمال، فيحسن صنعته، ويحترم مسؤوليته، ويراعي حقوق الآخرين.
وفي المقابل، فإن الغش والإهمال والتقصير لا تضر صاحب العمل وحده، بل قد تضر المجتمع كله. وقد قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني» (رواه مسلم).
إن العمل المتقن يحفظ حقوق الناس، ويزيد الإنتاج، ويرفع مستوى المعيشة، ويصنع الثقة بين أفراد المجتمع. ولهذا فإن نهضة الأمم لا تقاس بعدد ساعات العمل فقط، بل بجودة ما تنتجه، ومدى احترامها لقيمة الوقت والمسؤولية.
خامسًا: من عمل الفرد تبدأ الأسرة المستقرة والوطن القوي
——————————
وهنا نصل إلى حقيقة مهمة: لا يمكن أن تستقر أسرة دون عمل، ولا يمكن أن يتقدم وطن دون إنتاج.
فالأسرة التي يعمل أفرادها، ويسعى كل قادر فيها إلى تحمل مسؤوليته، تكون أكثر قدرة على توفير احتياجاتها، وتعليم أبنائها، ومواجهة الظروف الصعبة، وتوفير حياة كريمة لأفرادها.
والأب الذي يسعى لتوفير احتياجات أسرته، والأم التي تعمل وتدير مشروعًا أو تؤدي دورًا منتجًا، والشاب الذي يبدأ حياته بمهنة صغيرة أو مشروع محدود، جميعهم يشاركون في بناء الأسرة وحمايتها من الحاجة والتبعية.
وليس من الضروري أن يبدأ الإنسان مشروعًا كبيرًا حتى ينجح؛ فكثير من المشروعات الناجحة بدأت بفكرة بسيطة، وإمكانات محدودة، ورغبة صادقة في العمل، ثم كبرت بالخبرة والصبر والإصرار.
والعمل أيضًا يحمي الإنسان من الفراغ، ويمنحه هدفًا يسعى إليه، ويزيد ثقته بنفسه، ويشعره بأنه عضو نافع في مجتمعه. أما البطالة، خاصة عندما تطول، فقد تترك آثارًا قاسية على الشباب والأسر، من إحباط وفقدان للأمل وزيادة الشعور بالعجز.
ولذلك فإن توفير فرص العمل، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم التدريب المهني، ونشر ثقافة الإنتاج، ليست قضايا اقتصادية فقط، بل هي قضايا اجتماعية وإنسانية تتعلق باستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال.
والوطن الذي يريد أن ينهض لا بد أن يفتح أبواب العمل أمام شبابه، ويحترم أصحاب الحرف والمهن، ويشجع المنتجين والمبتكرين، ويجعل قيمة الإنسان في عطائه لا في مظهره أو لقبه.
فلا توجد نهضة حقيقية تقوم على الاستهلاك وحده، ولا يمكن لوطن أن يحقق قوته وهو ينتظر من الآخرين أن ينتجوا له كل ما يحتاج إليه. إن قوة الأوطان تبدأ من الحقل والمصنع والورشة والمدرسة والجامعة وموقع البناء، ومن كل مكان يعمل فيه إنسان بإخلاص.
سادسًا: لا تحتقر عملًا شريفًا.. فكل بداية صغيرة قد تصنع نجاحًا كبيرًا
——————————
من المؤسف أن بعض الشباب يرفضون أعمالًا كثيرة لأنها لا تتفق مع الصورة التي رسموها لأنفسهم، أو لأنهم ينتظرون وظيفة بمسمى معين، بينما تمر السنوات دون أن يبدأوا طريقهم.
ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن طموحه أو يقبل بالظلم أو يتنازل عن حقه في العمل اللائق، ولكن يعني ألا يجعل انتظار الفرصة المثالية سببًا في تعطيل حياته.
ابدأ بما تستطيع، وتعلم ما ينقصك، وطور مهاراتك، واحترم مهنتك، ولا تخجل من عمل شريف تكسب منه قوتك.
فكم من صاحب ورشة صغيرة أصبح صاحب مصنع، وكم من تاجر بدأ برأس مال محدود ثم وسع تجارته، وكم من شاب تعلم حرفة فأصبحت مصدر رزقه وسببًا في إعالة أسرة كاملة.
وقد قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» (متفق عليه).
وتأملوا هذا الحديث العظيم؛ فحتى الزراعة التي ينتفع بها الإنسان أو الحيوان تصبح بابًا للأجر والثواب. فكيف بكل عمل ينتج غذاءً، أو يوفر دواءً، أو يعلم إنسانًا، أو يبني بيتًا، أو يفتح باب رزق لأسرة؟
بل إن النبي ﷺ قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد).
وهذه رسالة عظيمة في حب العمل والبناء والأمل؛ فحتى في اللحظات التي يظن فيها الإنسان أن كل شيء قد انتهى، يظل عليه أن يفعل ما يستطيع من خير.
الخاتمة: اعمل لتعيش بكرامة.. وليبقى لك أثر في الحياة
——————————
إن العمل ليس مجرد وسيلة نأكل بها ونشرب، بل هو قيمة تصنع الإنسان، وكرامة تحفظ الأسرة، وقوة تبني المجتمع، وأساس تقوم عليه الأوطان.
فلنرفع رؤوسنا احترامًا لكل يد تعمل، ولكل إنسان يسعى في الحلال، سواء كان طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو فلاحًا أو عاملًا أو حرفيًا أو صاحب مشروع صغير. فليس المهم أن يكون العمل كبيرًا في نظر الناس، وإنما أن يكون شريفًا نافعًا يؤديه صاحبه بأمانة وإخلاص.
ولنتوقف عن التقليل من شأن أصحاب المهن والحرف، ولنعلم أبناءنا أن النجاح لا يأتي من انتظار الفرص، وإنما من الاستعداد لها والعمل من أجلها، وأن قيمة الإنسان لا يصنعها لقبه، بل يصنعها علمه وأخلاقه وعطاؤه.
إننا نحتاج إلى ثقافة جديدة تحترم العمل، وتقدر المنتج، وتشجع الشباب على المبادرة، وتعيد للحرفة والمهنة مكانتهما، وتربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل والإنتاج.
فلا بيت يستقر دون جهد، ولا أسرة تستغني عن تحمل المسؤولية، ولا مجتمع ينهض دون عمل، ولا وطن يصبح قويًا دون إنتاج.
ولنتذكر دائمًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).
اعملوا.. فبالعمل نحفظ كرامتنا، وبالإنتاج نبني اقتصادنا، وبالإخلاص نكسب رضا ربنا، وبسواعد أبنائنا نصنع مستقبل أوطاننا.
فما أجمل أن يعيش الإنسان عاملًا، نافعًا، كريم النفس، يترك وراءه أثرًا طيبًا، ويكون سببًا في إسعاد أسرته وخدمة مجتمعه وبناء وطنه.
————————–
جمعتكم طيبة مباركة
٢٠٢٦/١١/٥
ا د / ابراهيم حسينى درويش
العمل شرف الإنسان.. وعرق الجبين يبني البيوت والأوطان..
***********************
ليس هناك أجمل من إنسان يبدأ يومه ساعيًا على رزقه، يحمل أدوات عمله، أو يتوجه إلى مكتبه، أو يفتح متجره، أو يقف في حقله، أو يجلس أمام كتابه أو جهازه، وهو يحمل في قلبه أملًا في يوم أفضل، وفي يده رغبة صادقة في أن يقدم شيئًا نافعًا لنفسه وأسرته ومجتمعه.
ففي كل يد تعمل حكاية كفاح، وفي كل جهد صادق قيمة، وفي كل إنجاز، مهما كان صغيرًا، خطوة نحو حياة أفضل.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال، ولا بما يرتديه من ملابس، ولا بالمكانة الاجتماعية التي وصل إليها، وإنما بما يقدمه من خير، وما يؤديه من عمل، وما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين. فالإنسان الذي يعمل وينتج ويعطي، يضيف إلى الحياة شيئًا، أما من ينتظر دائمًا أن يأخذ دون أن يحاول أن يقدم، فإنه يفقد مع الوقت أجمل ما يمنحه العمل للإنسان، وهو الشعور بالكرامة والاستقلال والقدرة على مواجهة الحياة.
ولذلك لم يكن العمل يومًا مجرد وسيلة للحصول على المال، بل هو طريق لبناء الشخصية، وحفظ كرامة الإنسان، واستقرار الأسرة، وتقدم المجتمع والوطن.
أولًا: العمل رسالة الإنسان في الحياة وعمارة الأرض
——————————
لم يخلق الله الإنسان ليعيش عاطلًا عن العمل، أو ينتظر رزقه دون سعي، وإنما جعله مسؤولًا عن عمارة الأرض والإصلاح فيها، والاستفادة من خيراتها، وتسخير ما وهبه الله من عقل وعلم وقدرة في بناء الحياة.
يقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61).
أي جعلكم تعمرون الأرض وتبنون فيها، وتزرعونها، وتستخرجون خيراتها، وتنشئون ما ينفع الناس. وهذه رسالة عظيمة لا تتحقق بالأماني والشعارات، وإنما بالعمل والسعي والعلم والإخلاص.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجم: 39-40).
إنها دعوة واضحة إلى السعي وبذل الجهد، وتذكير بأن الإنسان مسؤول عن عمله، وأن ما يبذله من جهد لا يضيع عند الله.
ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15).
تأملوا هذا التوجيه الكريم؛ فالله أمرنا أن نمشي في الأرض ونبحث عن الرزق، ولم يأمرنا بالانتظار والكسل. فالرزق من الله، ولكن له أسباب، ومن أهمها السعي والعمل والأخذ بالأسباب.
والأجمل أن العمل ليس محصورًا في مهنة بعينها، فكل من يزرع أرضًا، أو يصنع منتجًا، أو يعالج مريضًا، أو يعلم طالبًا، أو يبني منزلًا، أو يدير مشروعًا، أو يقدم خدمة نافعة، يشارك في عمارة الأرض، ما دام يعمل بالحلال والأمانة والإتقان.
ثانيًا: الأنبياء علمونا أن العمل شرف لا ينقص من قدر صاحبه
——————————
من أجمل ما قدمه لنا الإسلام أنه ربط بين الإيمان والعمل، وجعل الأنبياء والمرسلين قدوة في السعي والكسب، فلم يكن العمل اليدوي عيبًا في حقهم، ولم تمنعهم مكانتهم العظيمة من ممارسة المهن والاعتماد على أنفسهم.
فهذا نبي الله داود عليه السلام، آتاه الله الملك والحكمة، ومع ذلك كان يأكل من عمل يده، ويصنع الدروع التي تحمي الناس، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ (الأنبياء: 80).
وهذا نبي الله نوح عليه السلام، صنع السفينة بأمر الله، فكانت سببًا في نجاة المؤمنين. ونبي الله زكريا عليه السلام كان نجارًا، يعمل ويكسب من جهده.
أما سيدنا محمد ﷺ، فقد رعى الغنم في صغره، وعمل بالتجارة في شبابه، ولم يكن يرى في أي عمل شريف ما يقلل من قدر الإنسان. وكان يشارك أصحابه في أعمالهم، حتى إنه شاركهم في حفر الخندق وحمل التراب والحجارة.
وعندما سُئل النبي ﷺ عن أفضل الكسب، قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» (رواه البخاري).
فإذا كان الأنبياء قد عملوا بأيديهم، فكيف ينظر بعض الناس إلى الحرفة أو المهنة البسيطة باعتبارها أقل شأنًا؟!
إن العيب ليس في نوع العمل، وإنما في أن يعيش الإنسان قادرًا على العمل، لكنه يرفض السعي، أو يحتقر المهن الشريفة، أو ينتظر أن تأتيه الحياة بما يريد دون أن يقدم لها شيئًا.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (متفق عليه).
إنها رسالة واضحة: كرامة الإنسان في سعيه، والعمل الشريف مهما كان بسيطًا أفضل من ذل السؤال مع القدرة على الكسب.
ثالثًا: قيمة الإنسان فيما يحسنه ويقدمه للناس
——————————
من أبلغ الحكم التي تلخص قيمة الإنسان قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
فالعالم بقيمة علمه، والطبيب بمهارته ورعايته للمرضى، والمعلم بما يزرعه في عقول الأجيال، والمهندس بما يقدمه من بناء وإبداع، والمزارع بما ينتجه من غذاء، والعامل بما يتقنه من صناعة، والتاجر بأمانته في البيع والشراء.
كل هؤلاء لهم قيمة حقيقية في الحياة، وكل مهنة شريفة تؤدي دورًا لا غنى عنه في المجتمع.
ولا يمكن أن يستغني المجتمع عن الفلاح الذي يزرع، أو العامل الذي يصنع، أو المهندس الذي يبني، أو المعلم الذي يعلم، أو الطبيب الذي يعالج. فالحياة لا تقوم على وظيفة واحدة، ولا ينهض الوطن بجهد فئة دون غيرها.
ومن الخطأ أن نقيس قيمة الأعمال بمظاهرها الاجتماعية، أو أن نحتقر مهنة لأنها لا تحقق لصاحبها دخلًا كبيرًا أو مكانة اجتماعية مرتفعة. فرب عامل بسيط يؤدي عمله بأمانة وإخلاص، فيكون أكثر نفعًا واحترامًا من صاحب منصب لا يؤدي واجبه كما ينبغي.
وقد عبّر الأديب مصطفى صادق الرافعي عن أهمية الإضافة إلى الحياة بقوله: «إذا لم تزد على الحياة شيئًا، تكن أنت زائدًا عليها».
والمعنى الذي نحتاج إلى أن نتعلمه جميعًا هو أن نكون أصحاب أثر، وأن نضيف إلى الحياة خيرًا، ولو كان هذا الخير في حدود إمكاناتنا وقدراتنا.
رابعًا: الإتقان والأمانة.. سر قيمة العمل وبركته
——————————
ليس المطلوب أن يعمل الإنسان فقط، بل أن يعمل بإخلاص وأمانة وإتقان؛ لأن العمل الذي لا تصاحبه الجودة والضمير قد يتحول إلى ضرر بدلًا من أن يكون نفعًا.
فالموظف الذي يحترم وقت الناس، والطبيب الذي يخلص في علاج مرضاه، والمعلم الذي يؤدي رسالته، والعامل الذي يحافظ على جودة إنتاجه، والفلاح الذي يهتم بأرضه ومحصوله، كل هؤلاء يقدمون صورة حقيقية لمعنى العمل النافع.وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195).
وقال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (رواه مسلم).
والإحسان لا يقتصر على العبادات، بل يشمل كل ما يؤديه الإنسان من أعمال، فيحسن صنعته، ويحترم مسؤوليته، ويراعي حقوق الآخرين.
وفي المقابل، فإن الغش والإهمال والتقصير لا تضر صاحب العمل وحده، بل قد تضر المجتمع كله. وقد قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني» (رواه مسلم).
إن العمل المتقن يحفظ حقوق الناس، ويزيد الإنتاج، ويرفع مستوى المعيشة، ويصنع الثقة بين أفراد المجتمع. ولهذا فإن نهضة الأمم لا تقاس بعدد ساعات العمل فقط، بل بجودة ما تنتجه، ومدى احترامها لقيمة الوقت والمسؤولية.
خامسًا: من عمل الفرد تبدأ الأسرة المستقرة والوطن القوي
——————————
وهنا نصل إلى حقيقة مهمة: لا يمكن أن تستقر أسرة دون عمل، ولا يمكن أن يتقدم وطن دون إنتاج.
فالأسرة التي يعمل أفرادها، ويسعى كل قادر فيها إلى تحمل مسؤوليته، تكون أكثر قدرة على توفير احتياجاتها، وتعليم أبنائها، ومواجهة الظروف الصعبة، وتوفير حياة كريمة لأفرادها.
والأب الذي يسعى لتوفير احتياجات أسرته، والأم التي تعمل وتدير مشروعًا أو تؤدي دورًا منتجًا، والشاب الذي يبدأ حياته بمهنة صغيرة أو مشروع محدود، جميعهم يشاركون في بناء الأسرة وحمايتها من الحاجة والتبعية.
وليس من الضروري أن يبدأ الإنسان مشروعًا كبيرًا حتى ينجح؛ فكثير من المشروعات الناجحة بدأت بفكرة بسيطة، وإمكانات محدودة، ورغبة صادقة في العمل، ثم كبرت بالخبرة والصبر والإصرار.
والعمل أيضًا يحمي الإنسان من الفراغ، ويمنحه هدفًا يسعى إليه، ويزيد ثقته بنفسه، ويشعره بأنه عضو نافع في مجتمعه. أما البطالة، خاصة عندما تطول، فقد تترك آثارًا قاسية على الشباب والأسر، من إحباط وفقدان للأمل وزيادة الشعور بالعجز.
ولذلك فإن توفير فرص العمل، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم التدريب المهني، ونشر ثقافة الإنتاج، ليست قضايا اقتصادية فقط، بل هي قضايا اجتماعية وإنسانية تتعلق باستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال.
والوطن الذي يريد أن ينهض لا بد أن يفتح أبواب العمل أمام شبابه، ويحترم أصحاب الحرف والمهن، ويشجع المنتجين والمبتكرين، ويجعل قيمة الإنسان في عطائه لا في مظهره أو لقبه.
فلا توجد نهضة حقيقية تقوم على الاستهلاك وحده، ولا يمكن لوطن أن يحقق قوته وهو ينتظر من الآخرين أن ينتجوا له كل ما يحتاج إليه. إن قوة الأوطان تبدأ من الحقل والمصنع والورشة والمدرسة والجامعة وموقع البناء، ومن كل مكان يعمل فيه إنسان بإخلاص.
سادسًا: لا تحتقر عملًا شريفًا.. فكل بداية صغيرة قد تصنع نجاحًا كبيرًا
——————————
من المؤسف أن بعض الشباب يرفضون أعمالًا كثيرة لأنها لا تتفق مع الصورة التي رسموها لأنفسهم، أو لأنهم ينتظرون وظيفة بمسمى معين، بينما تمر السنوات دون أن يبدأوا طريقهم.
ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن طموحه أو يقبل بالظلم أو يتنازل عن حقه في العمل اللائق، ولكن يعني ألا يجعل انتظار الفرصة المثالية سببًا في تعطيل حياته.
ابدأ بما تستطيع، وتعلم ما ينقصك، وطور مهاراتك، واحترم مهنتك، ولا تخجل من عمل شريف تكسب منه قوتك.
فكم من صاحب ورشة صغيرة أصبح صاحب مصنع، وكم من تاجر بدأ برأس مال محدود ثم وسع تجارته، وكم من شاب تعلم حرفة فأصبحت مصدر رزقه وسببًا في إعالة أسرة كاملة.
وقد قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» (متفق عليه).
وتأملوا هذا الحديث العظيم؛ فحتى الزراعة التي ينتفع بها الإنسان أو الحيوان تصبح بابًا للأجر والثواب. فكيف بكل عمل ينتج غذاءً، أو يوفر دواءً، أو يعلم إنسانًا، أو يبني بيتًا، أو يفتح باب رزق لأسرة؟
بل إن النبي ﷺ قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد).
وهذه رسالة عظيمة في حب العمل والبناء والأمل؛ فحتى في اللحظات التي يظن فيها الإنسان أن كل شيء قد انتهى، يظل عليه أن يفعل ما يستطيع من خير.
الخاتمة: اعمل لتعيش بكرامة.. وليبقى لك أثر في الحياة
——————————
إن العمل ليس مجرد وسيلة نأكل بها ونشرب، بل هو قيمة تصنع الإنسان، وكرامة تحفظ الأسرة، وقوة تبني المجتمع، وأساس تقوم عليه الأوطان.
فلنرفع رؤوسنا احترامًا لكل يد تعمل، ولكل إنسان يسعى في الحلال، سواء كان طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو فلاحًا أو عاملًا أو حرفيًا أو صاحب مشروع صغير. فليس المهم أن يكون العمل كبيرًا في نظر الناس، وإنما أن يكون شريفًا نافعًا يؤديه صاحبه بأمانة وإخلاص.
ولنتوقف عن التقليل من شأن أصحاب المهن والحرف، ولنعلم أبناءنا أن النجاح لا يأتي من انتظار الفرص، وإنما من الاستعداد لها والعمل من أجلها، وأن قيمة الإنسان لا يصنعها لقبه، بل يصنعها علمه وأخلاقه وعطاؤه.
إننا نحتاج إلى ثقافة جديدة تحترم العمل، وتقدر المنتج، وتشجع الشباب على المبادرة، وتعيد للحرفة والمهنة مكانتهما، وتربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل والإنتاج.
فلا بيت يستقر دون جهد، ولا أسرة تستغني عن تحمل المسؤولية، ولا مجتمع ينهض دون عمل، ولا وطن يصبح قويًا دون إنتاج.
ولنتذكر دائمًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).
اعملوا.. فبالعمل نحفظ كرامتنا، وبالإنتاج نبني اقتصادنا، وبالإخلاص نكسب رضا ربنا، وبسواعد أبنائنا نصنع مستقبل أوطاننا.
فما أجمل أن يعيش الإنسان عاملًا، نافعًا، كريم النفس، يترك وراءه أثرًا طيبًا، ويكون سببًا في إسعاد أسرته وخدمة مجتمعه وبناء وطنه.
————————–
جمعتكم طيبة مباركة
ا د / ابراهيم حسينى درويش


