كيف نحمي أبناءنا من التنمر الإلكتروني دون أن نفقدهم ثقتهم؟
بقلم د. منال إمام، دكتوراه أصول التربية، جامعة عين شمس، مستشار خبير تربوي وعضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
لم تعد ساحة التنمر محصورة في فناء المدرسة أو الشارع أو محيط الأصدقاء، فقد انتقلت إلى الشاشات الصغيرة التي يحملها أبناؤنا في أيديهم طوال اليوم. هناك، خلف الصور والتعليقات والرسائل، قد يتعرض طفل أو مراهق لكلمة جارحة، أو سخرية علنية، أو تهديد، أو تداول صورة دون إذنه، أو حملة من التعليقات التي تلاحقه حتى وهو داخل غرفته، بعيدًا عن أعين الآخرين. والمؤلم أن الطفل الذي كان يستطيع العودة إلى منزله هربًا من مضايقات زملائه، قد يجد اليوم أن التنمر يلاحقه إلى أكثر الأماكن التي يفترض أن يشعر فيها بالأمان.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل أسرة ليس فقط: كيف نمنع أبناءنا من التعرض للتنمر الإلكتروني؟ بل كيف نحميهم دون أن نجعلهم يشعرون بأنهم موضع اتهام أو مراقبة دائمة؟ وكيف نكون الملاذ الذي يلجأون إليه عندما تضيق بهم الحياة، لا مصدرًا إضافيًا للخوف والقلق؟
طفل يتألم خلف شاشة صامتة: قد لا يخبرنا أبناؤنا بكل ما يتعرضون له على الإنترنت. وربما يخفون رسالة مؤذية قرأوها، أو تعليقًا سخر من مظهرهم، أو صورة جرى تداولها بينهم دون موافقتهم. وقد يفضلون الصمت خوفًا من رد فعل الأسرة، أو خشية مصادرة هواتفهم، أو منعهم من استخدام مواقع التواصل، أو اتهامهم بأنهم أخطأوا عندما سمحوا بحدوث ذلك.
وهنا تكمن إحدى أخطر المشكلات، فالطفل لا يعاني فقط من الإساءة التي تعرض لها، وإنما قد يعاني أيضًا من شعوره بأنه لا يستطيع الحديث عنها.
وقد تظهر معاناته في صورة انعزال، أو عصبية غير معتادة، أو اضطراب في النوم، أو تراجع في التحصيل الدراسي، أو فقدان الرغبة في التواصل مع أصدقائه. وربما يصبح شديد الحساسية تجاه هاتفه، يراقب إشعاراته بقلق، أو يتجنب فتح حساباته التي كانت مصدرًا للمتعة والتواصل.
وليس كل تغير في سلوك الأبناء دليلًا على تعرضهم للتنمر، لكنه يستحق الانتباه والحوار، بدلًا من التسرع في إصدار الأحكام.
الثقة أول خطوط الدفاع: إن حماية الأبناء لا تبدأ من تفتيش هواتفهم، وإنما من بناء علاقة تسمح لهم بالحديث دون خوف. فالطفل الذي يعرف أن والديه سيستمعان إليه قبل أن يحكما عليه، سيكون أكثر استعدادًا للإفصاح عما يواجهه.
علينا أن نعلم أبناءنا أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، وأن تعرضهم للإساءة لا يعني أنهم مسؤولون عنها، وأن الخطأ يقع على من يمارس التنمر، لا على من يتعرض له.
ولعل أهم ما يمكن أن يقدمه الأب والأم هو أن يقولا لأبنائهما بصدق: إذا حدث شيء أزعجك على الإنترنت، أو وصلك كلام جرح مشاعرك، يمكنك أن تخبرنا، ولن نعاقبك لأنك طلبت المساعدة.
هذه العبارة البسيطة قد تفتح بابًا كان مغلقًا طويلًا، وتمنح الطفل شعورًا بأنه ليس وحده في مواجهة ما يحدث.
الرقابة التي تحمي ولا تخنق: بالطبع، لا تعني الثقة أن نترك أبناءنا دون توجيه أو متابعة. فالإنترنت عالم واسع، لا يخلو من مخاطر، والأبناء في مراحل عمرية مختلفة لا يمتلكون دائمًا الخبرة الكافية لتقدير عواقب ما ينشرونه أو يتلقونه.
لكن الفارق كبير بين المتابعة الواعية والتجسس، وبين وضع قواعد للحماية وفرض السيطرة.
يمكن للأسرة أن تتفق مع الأبناء على قواعد واضحة لاستخدام الإنترنت، مثل عدم مشاركة البيانات الشخصية أو الصور الخاصة مع الغرباء، وعدم قبول طلبات التواصل المجهولة المصدر، والتفكير قبل نشر أي محتوى، وعدم الرد على الرسائل الاستفزازية، واللجوء إلى أدوات الحظر والإبلاغ عند التعرض للإساءة.
ومن المهم أن تكون هذه القواعد حوارًا مشتركًا يناسب عمر الطفل، لا قرارات مفاجئة تفرض عليه دون تفسير. كما ينبغي أن يدرك الأبناء أن العالم الرقمي ليس مساحة بلا مسؤولية، وأن الكلمات التي يكتبونها خلف الشاشات قد تؤذي الآخرين بالقدر نفسه الذي تؤذيهم به الكلمات المباشرة.
لا تجعلوا أبناءكم يخشون إخباركم بما يؤلمهم، وأنتم أكثر الناس قدرة على حمايتهم منه،
وللحديث بقية أن شاء الله


