الرئيسيةأخبارالسلام... حين يتحول من شعار إلى حياة

السلام… حين يتحول من شعار إلى حياة

السلام... حين يتحول من شعار إلى حياة

السلام… حين يتحول من شعار إلى حياة

أ.د هالة الأخضر  – الأمين المساعد للإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

في احتفالية اليوم العالمي للسلام، اعتدنا أن نتحدث عن السلام باعتباره حلمًا تتطلع إليه ‏الشعوب. واجتمعنا اليوم لنتوقف أمامه باعتباره مسؤولية، ومنهج عمل، وغاية تستحق ‏أن نبذل من أجلها العلم والجهد والوعي. فموضوع ندوتنا اليوم يقول بوضوح‎:‎
‎”‎السلام هو الغاية والتنمية المستدامة هي الطريق”، وأرى أن السؤال الذي يجب أن ‏نطرحه على أنفسنا ليس فقط: كيف نتحدث عن السلام؟ وإنما: كيف نصنع الظروف التي ‏تجعل السلام ممكنًا ومستدامًا؟
وهنا تبدأ علاقتنا الحقيقية بالتنمية المستدامة‎.‎
الأمن الغذائي جزء من السلام، الأمن البيئي جزء من السلام، الاستقرار الاقتصادي ‏ورفع الوعي وتمكين الإنسان جزء أساسي من السلام. وهذه ليست مفاهيم منفصلة؛ ‏وإنما حلقات متصلة في منظومة واحدة.‏
واسمحوا لي أن أطرح اليوم سؤالًا مختلفًا، ماذا لو كان السلام الذي نبحث عنه لا يبدأ ‏من موائد المفاوضات وحدها… وإنما يبدأ من تفاصيل حياة الإنسان اليومية؟
‎• ‎ماذا لو بدأ السلام من رغيف خبز آمن؟‎
‎• ‎ومن أرضٍ منتجة؟‎
‎• ‎ومن ماءٍ نحافظ عليه؟‎
‎• ‎ومن بيئةٍ لا نفسدها؟‎
‎• ‎ومن امرأةٍ قادرة على الإنتاج؟‎
‎• ‎ومن شابٍّ يملك المعرفة والفرصة؟
لأن السلام يعني أن يشعر الإنسان بالأمان، وأن يجد غذاءً مستدامًا، وبيئةً سليمة، ‏ومصدرًا كريمًا للعيش، وأن يحصل على المعرفة، وأن يشعر بأنه شريك في بناء ‏مجتمعه، وأن تكون لديه القدرة على مواجهة أزمات المستقبل‎.‎
ومحور حديثي الأول التنمية الزراعية المستدامة وعلاقتها بالسلام، ربما يبدو للوهلة ‏الأولى أن الحديث عن الزراعة المستدامة.. بعيد عن الحديث عن السلام. لكنني، من ‏واقع عملي في البحث العلمي والإعلام الإرشادي الزراعي، أرى أن العلاقة واضحة ‏جدًا‎.‎
فقد تعلمنا أن المشكلات لا تعيش منفصلة عن بعضها، وما يحدث في الحقل لا يبقى في ‏الحقل. فحين نحمي محصولًا من الآفات، نحن لا نحمي نباتًا فقط؛ نحن نحمي غذاءً، ‏ونحمي دخل مزارع، ونحمي أسرة، ونقلل الفاقد، ونحافظ على مورد من موارد الدولة. ‏وحين نبحث عن بدائل أكثر أمانًا للمبيدات، أو نستخدم المكافحة الحيوية، أو نعزز قدرة ‏النبات نفسه على المقاومة، فنحن لا نقدم حلًّا لمشكلة زراعية؛ بل نضع لبنة في ‏منظومة الأمن الغذائي والبيئي. والأمن الغذائي ليس رفاهية. إنه أحد مقومات الاستقرار ‏والسلام‎.‎
وهنا أصل إلى قضية أؤمن بها بشدة، وهي التي شغلت أكبر مساحة من عملي، العلم ‏الحقيقي هو العلم الذي يصل إلى الإنسان، قد نكتب بحثًا مهمًا، وقد نصل إلى نتيجة ‏علمية متقدمة… لكن السؤال الأهم يظل: هل وصلت هذه المعرفة إلى من يحتاجها؟ إلى ‏المزارع في حقله؟ إلى المرأة في قريتها؟ إلى الشاب الذي يبدأ مشروعه؟
المعلومة العلمية التي لا تترجم إلى لغة يفهمها الناس تبقى شرفًا للباحث، لكنها لا تتحول ‏إلى حماية للمزارع‎.‎
ولهذا كان جزء كبير من عملي هو بناء جسر بين العقل والحقل: أن نحول التوصية ‏الفنية إلى رسالة بسيطة، وأن نستعين بالصورة والصوت والفيلم القصير والنشرة ‏الإرشادية حتى تصل المعرفة إلى مريديها. أن تتحول نتيجة بحثية عن مكافحة الآفات ‏إلى دقائق معدودة يشاهدها المزارع على هاتفه، فيتصرف في التوقيت الصحيح قبل أن ‏يخسر موسمه‎.‎
وأقولها من خبرة حقيقية: المعلومة حين تصل إلى الإنسان في وقتها قد تحمي ‏محصولًا، وقد تحمي دخلًا، وقد تحمي صحة، وقد تحمي مستقبل أسرة بأكملها‎.‎
وهنا يصبح الإعلام الإرشادي جزءًا من التنمية، ويصبح الوعي جزءًا من السلام. ‏فالوعي هو الجسر الذي ينقل التنمية من الأوراق إلى الواقع‎.‎
والمحور الثاني في حديثي عن المرأة، فالمرأة ليست متلقية للتنمية، بل صانعة لها‎.‎
وعندما نتحدث عن الإنسان، لا يمكن أن نتحدث عن التنمية دون أن نتحدث عن المرأة. ‏فالمرأة ليست رقمًا في خطة، وليست مجرد مستفيدة من مشروع؛ المرأة شريك في ‏صناعة الاستقرار‎.‎
وحين نمنح المرأة المعرفة والمهارة والقدرة على الإنتاج، فإن الأثر لا يتوقف عندها: ‏يصل إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع، ثم إلى الاقتصاد المحلي‎.‎
ومن هذا الإيمان جاءت المبادرات المجتمعية التي قمنا بها في الاتحاد، فقد حاولت أن ‏تربط العلم باحتياج الناس الحقيقي مبادرة «بنت مصر زينة»، التي استهدفت تمكين ‏المرأة المعيلة اقتصاديًّا من خلال الحرف والمشروعات الصغيرة‎.‎
قد تبدو هاتان المبادرتان بسيطتين في شكلهما، لكنهما تقولان لنا شيئًا كبيرًا: حين نمنح ‏الإنسان فرصة، فنحن لا نغير حياته وحده… بل نزيد قدرة المجتمع كله على الصمود. ‏وهنا تلتقي التنمية بالسلام مرة أخرى‎.‎
السيدات والسادة، السلام الذي نحتفل به اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد يوم في التقويم، ‏ولا شعارًا نرفعه ثم نعود إلى حياتنا المعتادة. السلام الحقيقي يتحول إلى ثقافة وممارسة ‏وسياسات ومشروعات وسلوك يومي‎.‎
أن يتحول العلم إلى حل، والحل إلى ممارسة، والممارسة إلى تنمية، والتنمية إلى ‏استقرار، والاستقرار إلى سلام‎.‎
وهذه السلسلة هي في رأيي جوهر العلاقة بين موضوع ندوتنا وبين كل ما نقوم به من ‏عمل علمي وإعلامي ومجتمعي‎.‎
السيدات والسادة، إذا أردنا أن نترك للأجيال القادمة عالمًا أكثر سلامًا، فعلينا ألا نترك ‏لهم شعاراتٍ عن السلام، بل أن نترك لهم‎:‎
أرضًا أكثر قدرة على الإنتاج، وماءً أكثر قدرة على الاستمرار، وغذاءً أكثر أمانًا، وعلمًا ‏أكثر قربًا من الناس، وإعلامًا أكثر مسؤولية، وامرأةً أكثر تمكينًا، وشبابًا أكثر قدرة على ‏المشاركة‎.‎
عندها فقط لا يصبح السلام أمنية، بل واقعًا قابلًا للاستمرار.‏
لذلك أقولها اليوم بكل وضوح: السلام هو الغاية، والتنمية المستدامة هي الطريق‎.‎
والعلم هو الأساس، والوعي هو الجسر، والعمل المجتمعي هو القوة التي تحول المعرفة ‏إلى أثر‎.‎
أما الإنسان… فهو البداية، وهو الهدف، وهو من أجله نصنع السلام والتنمية‎.‎
فلنجعل من اليوم العالمي للسلام نقطة انطلاق: لا للاحتفال بالسلام وحده، بل للعمل من ‏أجل أسبابه‎.‎
كل عام والعالم أكثر أمنًا وسلامًا، وكل عام وكل إنسان في بلادنا أكثر وعيًا وقدرة ‏وكرامة‎.‎

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة