“حكاية وقضية”
الإعلام الرقمي وحرمة البيوت.. من صناعة الفضائح إلى إدارة الأزمات وهدم استدامة الوعي المجتمعي
بقلم: د. سالي سعد جودة – عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
تبدأ القصة بنقاش عادي داخل جدران مغلقة، ينتهي بخلاف، ثم يتطور إلى مشادة.. حتى هنا، هذه طبيعة الحياة البشرية منذ أزل التاريخ. لكن في عصر المنصات الرقمية، لم تعد المشكلة تقف عند الحدود الفاصلة للبيت؛ بل أصبحت تفاصيلها تُفتح بضغطة زر أمام ملايين الشاشات!
بدلاً من اللجوء للحلول العقلانية أو كتمان أسرار البيوت، تتحول “الكاميرا” إلى سلاح، ويصبح “اللايف” مسرحاً لتصفية الحسابات. تبدأ الحكاية بفيديو عتاب، لتتطور إلى خناقة علنية، ثم اتهامات وتراشق بالفضائح، وقد تصل في أحيان كثيرة إلى العنف وإطلاق النار والطلاق على الملأ! والهدف المحرك خلف كل هذا.. حشد التعاطف، وتغذية خوارزميات المنصات، واعتلاء قمة “الترند”.
تحولت أسرار الأسر من أمانة مقدسة إلى محتوى رقمي يدرّ المشاهدات، وأصبحت الفضيحة سلعة تُستهلك على مرأى ومسمع المجتمع بأكمله!
📌بين استدامة الوعي وهدمه..
تشكل الأسرة اللبنة الأساسية لأي مجتمع يسعى لنماء واستقرار مستدامين، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مجتمعية شاملة دون ركيزة أسرية متماسكة تحافظ على قيمها وخصوصيتها. غير أن التحولات السريعة في منظومة الإعلام الرقمي ومقومات التواصل الاجتماعي فرضت واقعاً جديداً تحولت فيه هذه الأزمات الخاصة إلى قضية رأي عام تمس أمن المجتمع.
إن الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تقف عند حدود الضرر النفسي والاجتماعي الواقع على أطراف النزاع، بل تمتد لتضرب عمق “استدامة الوعي المجتمعي”؛ فالاستدامة بمفهومها التنموي الشامل لا تقتصر على الموارد الطبيعية والبيئية فحسب، بل تشمل الحفاظ على رأس المال البشري والفكري والأخلاقي للمجتمع.
في سياق متصل يتجلى هدم الوعي في إعادة تشكيل الذائقة العامة، بحيث يصبح اختراق حرمة البيوت أمرََا معتادََا وشكلََا من أشكال الترفيه، مما يضعف المناعة الأخلاقية لدى الأجيال الجديدة التي تتشرب الخناقات والفضائح كنمط حياة طبيعي.
كما تؤدي خوارزميات المنصات الرقمية إلى مكافأة المحتوى الأكثر إثارة وتطرفاً، وهو ما يغذي أسلوب إدارة الخلافات عبر “الفضائح العائلية” بدلاً من الحلول العقلانية والقانونية.
في ذات السياق إن نشر النزاعات وإشاعتها تتعارض مع أهداف التنمية المستدامة التي تنص على بناء مجتمعات آمنة ومترابطة، إذ يسهم هذا الخطاب الرقمي الهش في تفكيك العلاقات وتأطير العنف كحل اعتيادي للأزمات.
ولإدارة الأزمات إلى بناء الوعي المستدام ، تتطلب مواجهة هذا التحدي رؤية اتصالية متكاملة ترتكز على مبادئ العلاقات العامة والاتصال المؤسسي للتحول من موقف المنفعل إلى صانع الأثر وذلك عبر:
– إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي الرقمي: من خلال إرساء قواعد ومواثيق شرف أخلاقية تعزز المسئولية المجتمعية لدى منصات النشر وصناع المحتوى، مع التركيز على نشر قيم التسامح وإدارة الخلاف بأساليب حضارية.
– تفعيل استراتيجيات الاتصال التوعوي:وذلك بإطلاق حملات اتصال وتوعية مستدامة تستهدف بناء “المواطنة الرقمية”، لترسيخ مفهوم أن حماية خصوصية الأسرة هي خط الدفاع الأول عن أمن المجتمع واستقراره.
– تنمية الوعي النظير من خلال تحفيز المتلقي الرقمي على الكف عن تداول أو تشارك محتوى الفضائح؛ إذ إن تجفيف منابع التفاعل هو الوسيلة الأنجع للقضاء على سلع الترند الهشة.
📌ختامََا.. إن تعزيز استدامة الوعي أضحى ضرورة تنموية حتمية لحماية الأسرة العربية من شاشات الاختراق الرقمي؛ فالبيوت لا تُبنى على الرمال المتحركة للمنصات، والتنمية الحقيقية تبدأ من صون الإنسان وحماية خصوصيته وجدران بيته.


