الرئيسيةرجال صنعوا التاريخمحمود فوزي.. سندباد الدبلوماسية المصرية وحارس المصالح الوطنية بهدوء الحكماء:

محمود فوزي.. سندباد الدبلوماسية المصرية وحارس المصالح الوطنية بهدوء الحكماء:

محمود فوزي.. سندباد الدبلوماسية المصرية وحارس المصالح الوطنية بهدوء الحكماء:

محمود فوزي.. سندباد الدبلوماسية المصرية وحارس المصالح الوطنية بهدوء الحكماء:

بقلم د. منال إمام عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

في تاريخ الدبلوماسية المصرية رجال لا تُقاس أدوارهم بكثرة ظهورهم، وإنما بعمق أثرهم في اللحظات التي كانت تحتاج إلى عقلٍ هادئ، ورؤيةٍ بعيدة، وقدرةٍ على تحويل الأزمات إلى فرص. وفي شهر ميلاد الدكتور محمود فوزي، تستعيد الذاكرة المصرية سيرة واحد من أهم رجالها الذين تركوا بصمة استثنائية في تاريخ الدبلوماسية المصرية. ويأتي محمود فوزي في مقدمة هؤلاء، الرجل الذي استحق عن جدارة لقب سندباد الدبلوماسية المصرية، ليس فقط لأنه جاب عواصم العالم ممثلًا لبلاده، وإنما لأنه حمل معه في كل رحلة علمًا واسعًا، وخبرةً متراكمة، وإيمانًا راسخًا بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف العقل والحكمة والخبرة في خدمة قضاياها الوطنية.
وُلد محمود فوزي عام 1900، وبدأ مبكرًا رحلة علمية وثقافية صنعت منه شخصية استثنائية. درس الحقوق، ثم توسع في دراسة العلوم السياسية والتاريخ والقانون الدولي، وتنقل بين عدد من الجامعات والعواصم، قبل أن يبدأ مسيرته الدبلوماسية التي امتدت لعقود.
ولم يكن فوزي مجرد موظف في السلك الدبلوماسي، فقد كان مدرسة متكاملة في العمل الدبلوماسي، تنقل بين نيويورك ونيو أورليانز واليابان وأثينا ولندن والقدس وباريس وفيشي ولشبونة وواشنطن وأديس أبابا، ومثّل مصر في محافل دولية شديدة الحساسية، حتى اكتسب خبرة جعلته واحدًا من أهم العقول الدبلوماسية المصرية في القرن العشرين.
وكانت ثقافته الواسعة وإتقانه لعدد من اللغات الأجنبية جزءًا من أدواته في بناء جسور التواصل مع الآخرين. لكنه أدرك أن اللغة الأهم في الدبلوماسية ليست لغة الكلمات وحدها، وإنما لغة المصالح، وفهم الآخر، وحسن التقدير، واختيار اللحظة المناسبة.
في مواجهة العدوان الثلاثي.. حين تحدثت الدبلوماسية باسم مصر
بلغت براعة محمود فوزي ذروتها في أزمة السويس عام 1956. ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تواجه عدوانًا عسكريًا من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، كان هناك جهد آخر يجري في أروقة الأمم المتحدة: معركة دبلوماسية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.
ذهب فوزي إلى نيويورك، وتولى بنفسه تمثيل مصر في مجلس الأمن، وخاض معركة سياسية وقانونية لشرح الموقف المصري وكشف حقيقة العدوان. ولم يعتمد في ذلك على الخطابة وحدها، وإنما عمل على بناء شبكة من التفاهمات والمشاورات الدولية، وفي مقدمتها التنسيق مع يوغوسلافيا.
لقد كان يدرك أن مصر، في مواجهة قوى دولية كبرى، تحتاج إلى أكثر من عرض قضيتها، تحتاج إلى إدارة ذكية للتحالفات والمواقف الدولية. ومن هنا جاءت تحركاته الهادئة والدقيقة داخل الأمم المتحدة، والتي أسهمت في حشد التأييد للموقف المصري. وعندما صدر قرار الجمعية العامة في الثاني من نوفمبر 1956 بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي المصرية، بدا واضحًا أن مصر لم تكن تخوض معركة عسكرية فقط، بل كانت تحقق في الوقت نفسه تقدمًا مهمًا على الجبهة الدبلوماسية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات مدرسة محمود فوزي: لم يكن يفصل بين القوة والسياسة، ولا بين الميدان والدبلوماسية، بل كان يرى أن نجاح الدولة يتحقق عندما تعمل أدواتها المختلفة في اتجاه واحد.
دبلوماسي يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ربما كان الهدوء هو أكثر الصفات التصاقًا بشخصية محمود فوزي، فلم يكن من رجال الدبلوماسية الذين يبحثون عن الأضواء، بل كان يؤمن بأن نجاح الدبلوماسي يقاس بما يحققه للوطن، لا بما يحظى به من شهرة. وفي هذا المعنى، كان فوزي نموذجًا لما يمكن تسميته »الدبلوماسية الصامتة« دبلوماسية تقوم على التفاوض، وبناء التوافقات، وفهم موازين القوى، والعمل المتواصل خلف الكواليس. وكانت عبارته التي قالها بعد اختياره رئيسًا للوزراء كاشفة عن فلسفته في العمل العام:
»نحن لا صفة لنا إلا أننا خدام هذا الشعب، وإذا انتفى عنا ذلك لا صفة لنا.« هذه العبارة تلخص شخصية رجل رأى المنصب مسؤولية لا امتيازًا، والخدمة العامة تكليفًا لا وجاهة.
من الدبلوماسية إلى صناعة القرار: لم يتوقف دور فوزي عند وزارة الخارجية. فقد شارك في مفاوضات جلاء القوات البريطانية عن مصر، وأسهم في صياغة توجهات مصر الخارجية، وكان له حضور في القضايا العربية والأفريقية والدولية، كما شارك في الجهود المرتبطة بنشأة حركة عدم الانحياز وتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.
وفي عام 1961، استضافت القاهرة الاجتماع التحضيري للقمة الأولى لحركة عدم الانحياز، برئاسة محمود فوزي، في لحظة كانت فيها خريطة العالم تعيش تحت ضغط الاستقطاب بين الشرق والغرب.
وهنا تتجلى مرة أخرى قيمة الرجل: فقد كان يرى الدبلوماسية المصرية باعتبارها أداة لبناء مساحة حركة مستقلة لمصر، تسمح لها بالدفاع عن مصالحها دون الارتهان الكامل لأي من القطبين.
كما حمل فوزي رسالة جمال عبد الناصر إلى الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي بشأن قضية النيل وسدوده، وكان جزءًا من إدارة أزمة حساسة انتهت بما حافظ على المصالح المصرية دون الإضرار بالآخرين.
»سندباد» لم يكن لقبًا عابرًا: لم يأتِ لقب »سندباد الدبلوماسية المصرية «من كثرة السفر وحده.
كان فوزي رحالةً بين العواصم، نعم، لكنه كان في الوقت نفسه رحالةً في المعرفة والخبرة والثقافات. كل عاصمة عمل فيها أضافت إلى رصيده، وكل أزمة خاضها منحته قدرة جديدة على قراءة العالم.
ولهذا كان «السندباد» هنا رمزًا لرجل حمل مصر معه أينما ذهب، ودافع عن مصالحها في مجالس الأمم المتحدة، وفي المفاوضات، وفي المؤتمرات، وفي العواصم البعيدة. لقد جمع بين العلم واللغات والخبرة والتفاوض والقدرة على بناء العلاقات، وهي عناصر صنعت منه واحدًا من أعمدة الدبلوماسية المصرية الحديثة.
وبعد وفاة جمال عبد الناصر، اختار الرئيس أنور السادات محمود فوزي رئيسًا للوزراء في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ مصر. وكان الاختيار في حد ذاته شهادة على الثقة في رجل امتلك خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات والتحولات.
وقد عبّر رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث عن ذلك بصورة بليغة عندما حيّا اختيار فوزي، قائلًا إن السادات وضع » الماهر قائدًا لسفينة تتلاطمها الأمواج». وكان التشبيه في محله، فقد كان فوزي بالفعل من أولئك الرجال الذين يجيدون قيادة السفن في البحار المضطربة، لا لأنهم يمنعون الأمواج، وإنما لأنهم يعرفون كيف يتعاملون معها.
رحل محمود فوزي في 12 يونيو 1981، بعد مسيرة طويلة جعلته أحد أهم رجال الدولة والدبلوماسية المصرية في القرن العشرين. وتكمن قيمة فوزي في المدرسة التي تركها وراءه. لقد كان نموذج للدبلوماسي الذي تحتاج إليه الدولة في أوقات التحول والأزمات.
ومن هنا يستحق أن يبقى في الذاكرة المصرية لا بوصفه سندباد الدبلوماسية فحسب، وإنما بوصفه واحدًا من الرجال الذين جعلوا من الدبلوماسية المصرية قوةً هادئة تحمي الوطن، وتفتح له مساحات الحركة، وتحول المعرفة إلى نفوذ، والهدوء إلى قدرة على صناعة القرار.
رحم الله محمود فوزي، الرجل الذي عرف أن أعظم خدمة للوطن قد تُنجز أحيانًا بعيدًا عن الأضواء، وأن الدبلوماسي الحقيقي لا يبحث عن أن يُرى، بقدر ما يحرص على أن تنتصر بلاده.

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة