مات الرجل وبقي الخير.. حكاية عبد الرحيم الدمرداش باشا
سلسلة رجال صنعوا التاريخ
بقلم د. منال إمام، عضو المجلس العربي للثقافة والتراث التابع لجامعة الدول العربية

تخيّل أن يرحل الإنسان عن الدنيا منذ ما يقرب من قرن، ثم يظل أثره حاضرًا في حياة الناس كل يوم، وأن يستمر في جني الحسنات وهو في قبره.
ذلك هو الشيخ الجليل عبد الرحيم مصطفى الدمرداش باشا، صاحب مستشفى الدمرداش الشهيرة، والرجل الذي حوّل ماله إلى رحمة، ومكانته إلى خدمة، وذكراه إلى صدقة جارية لا تزال ثمارها ممتدة حتى اليوم.
ربما مررنا بمحطة «الدمرداش» أو سمعنا عن مستشفى الدمرداش، لكن كثيرين لا يعرفون قصة الرجل الذي يقف وراء هذا الاسم.
وُلد عبد الرحيم الدمرداش باشا عام 1849 في القاهرة، ونشأ في أسرة ذات مكانة دينية واجتماعية، وتلقى تعليمه بالأزهر الشريف. وكان شيخًا للطريقة الدمرداشية، كما شارك في الحياة العامة، جامعًا بين التدين والوعي الوطني وخدمة المجتمع.
وفي أغسطس عام 1928، تبرع بمبلغ مائة ألف جنيه مصري، إلى جانب قطعة أرض بلغت مساحتها نحو خمسة عشر ألف متر مربع، لإنشاء مستشفى خيري في العباسية، تكون مفتوحة لعلاج المرضى دون تمييز.
لم يكن يرى المال غاية، بل أمانة، وكان يؤمن بأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو عمل ينفع الناس.
توفي الدمرداش باشا عام 1929، قبل أن يرى المستشفى وقد بدأت رسالتها، لكن حلمه تحقق بعد وفاته، فافتُتحت عياداتها عام 1931، ثم ارتبطت المستشفى بالتعليم الطبي، وتحولت لاحقًا إلى صرح طبي وتعليمي كبير ضمن منظومة جامعة عين شمس.
رجلٌ سبق عصره في فهم معنى العمل الخيري
كان عبد الرحيم الدمرداش باشا نموذجًا فريدًا في العمل الخيري؛ فقد جمع بين الحكمة الدينية، والقدرة الاقتصادية، والوعي الاجتماعي، والرؤية الوطنية. لم يكن عطاؤه عاطفيًا عابرًا، بل كان قائمًا على رؤية بعيدة المدى. ولم يقتصر عطاؤه على المستشفى، فقد دعم التعليم، وساعد الفقراء والأيتام، وأسهم في أعمال الخير، مؤمنًا بأن المال مسؤولية، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للآخرين. كما أنشأ مؤسسة مستدامة. ولم يكتفِ ببناء مستشفى، بل ترك أساسًا لمؤسسة طبية وتعليمية. ولم يجعل الخير مرتبطًا بحياته، بل أنشأ مشروعًا يستمر بعد رحيله.
وهكذا لم تكن صدقته مجرد مبنى، بل أصبحت مؤسسة لعلاج المرضى، وتعليم الأطباء، وخدمة المجتمع، واستمر أثرها ممتدًا عبر أجيال. وهذا هو الفارق بين العطاء العابر والعطاء الذي يصنع التاريخ.
لقد فهم أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال، وإنما مؤسسة تنفع الناس، وعلمًا يستمر، ورسالة تنتقل من جيل إلى جيل.
إن قصة عبد الرحيم الدمرداش باشا تذكرنا بأن الإنسان قد يرحل، لكن أعماله الصالحة قد تظل حية بعده.
قد تنسى الأجيال تفاصيل كثيرة عن الإنسان، لكنها لا تنسى أثره حين يتحول عطاؤه إلى علاج، وعلمه إلى نور، وماله إلى حياة تُنقذ. كان عبد الرحيم الدمرداش باشا واحدًا من أولئك الرجال الذين أحبوا مصر بالفعل، لا بالكلمات وحدها. أحبها حين جعل من ماله علاجًا للفقراء، ومن أرضه مستشفى، ومن مكانته خدمة للمجتمع، ومن رؤيته مشروعًا امتد أثره إلى أجيال متعاقبة. لقد رحل الرجل، لكن الخير الذي زرعه لم يرحل.
رحل الجسد، وبقيت المؤسسة. رحل صاحب المال، وبقي المال يتحول إلى رحمة.
رحل الشيخ، وبقيت رسالته. وما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا، ثم تظل أعماله تقول للناس بعده: لقد مرّ من هنا رجل أحب الخير، فأحبّه الناس، وأحبّته أعماله.
رحم الله الشيخ الجليل عبد الرحيم مصطفى الدمرداش باشا رحمة واسعة، وغفر له، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وجزاه عن كل مريض عولج، وكل طبيب تعلم، وكل إنسان انتفع، خير الجزاء.
إن بعض الرجال يموتون مرة واحدة، أما بعضهم فيواصلون الحياة كل يوم، في كل إنسان ساعدوه، وكل علمٍ نشروه، وكل حياةٍ أسهموا في إنقاذها. وهذا هو عبد الرحيم الدمرداش باشا.
مات الرجل، لكن الخير الذي زرعه لم يمت.
مات الرجل وبقي الخير.. حكاية عبد الرحيم الدمرداش باشا
RELATED ARTICLES


