الرئيسيةابتكار وإبداعشياطين الانس...حين يسرق العقل ..باسم الدين والوطن !

شياطين الانس…حين يسرق العقل ..باسم الدين والوطن !

شياطين الانس...حين يسرق العقل ..باسم الدين والوطن !

شياطين الانس…حين يسرق العقل ..باسم الدين والوطن !

أ.د إبراهيم درويش — عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق

********************
كيف استطاع الفكر المنحرف أن يجعل الناس يقتلون من كانوا يبحثون عنهم؟
كل إنسان في أي مجتمع يبحث عن الحاكم العادل، الذي ينصف المظلوم، ويحفظ حقوق الناس، ويشعر بآلامهم، ولا يجعل السلطة وسيلة للتكبر أو الاستعلاء.
فإذا سألت الناس: ماذا تريدون في الحاكم؟
قالوا: نريد العدل.وإذا سألتهم: ماذا تريدون فيمن يتولى أمرهم؟قالوا: نريد الأمانة، والزهد، والرحمة، والعلم، والشجاعة، والإيثار، والحرص على مصالح الناس.

لكن التاريخ الإسلامي يضع أمامنا سؤالًا بالغ القسوة:
هل أنقذت هذه الصفات أصحابها من الانتقاد والقتل؟

وهنا تبدأ واحدة من أعظم العبر التي يجب أن نتعلمها من تاريخنا.
فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجًا استثنائيًا في العدل وتحمل مسؤولية الرعية، حتى اشتهر عنه شدة خوفه من أن يُسأل أمام الله عن أحوال الناس، ومن أشهر ما يُروى في هذا المعنى قوله: “لو عثرت بغلة في العراق لحسبت أن الله سائلني عنها: لمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟”، وهي عبارة اشتهرت في كتب الأدب والتاريخ للدلالة على إحساسه العميق بالمسؤولية،
ومع ذلك كله…
لم يمنع العدل الخليفة عمر من أن يُغتال.
ولقد ضُرب فى صلاة الفجر، ثم مات متأثرًا بجراحه…فإذا كان العدل وحده كافيًا لحماية الحاكم، فكيف قُتل عمر؟
وإذا كان الناس يطلبون حاكمًا يخاف الله، فلماذا لم يحمِ تقوى سيدنا عمر صاحبها من يد الغدر؟

ثم جاء سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذو النورين، صاحب رسول الله ﷺ، المعروف بالحياء والسخاء والإنفاق، والذي عُرف ببذله وعطائه.فإذا سألت الإنسان عن الحاكم الذي يتمناه، قال:
نريد حاكمًا كريمًا، زاهدًا، قريبًا من الله، لا يستأثر بالمال، ويعطي بسخاء.
وكان سيدنا عثمان من أبرز من عُرفوا بهذه الصفات.ومع ذلك…
لم تمنع هذه الصفات قتله.
حُوصر في داره، وانتهت حياته مقتولًا في واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي إيلامًا، وتذكر الروايات أنه كان صائمًا وأن المصحف كان بين يديه.فإذا كان الزهد والحياء والإنفاق كافيًا لحماية صاحبه من القتل، فلماذا قُتل سيدنا عثمان؟
ثم يأتي الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.فإذا سألت أي مجتمع:ماذا تريدون في الحاكم؟سيقولون:نريد العلم.
والشجاعة.والإقدام.والقوة في الحق.والإيثار.والقدرة على مواجهة الأزمات.

وكان الإمام علي رضي الله عنه من أعلام العلم والشجاعة والبلاغة، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وصهره وزوج السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ومع ذلك…لم تنقذه كل هذه الصفات من القتل.
اغتيل علي رضي الله عنه وهو متوجه إلى صلاة الفجر في مسجد الكوفة، على يد عبد الرحمن بن ملجم، الذي كان من الخوارج.وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة.
فالرجل الذي أقدم على قتل ألإمام علي لم يكن بالضرورة يرى نفسه في قصته الداخلية مجرمًا؛ وإنما كان يحمل تصورًا منحرفًا جعله يعتقد أنه يقوم بعمل يقرّبه إلى الله.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
ليست المشكلة فقط أن يوجد قاتل.المشكلة أن يوجد إنسان يستطيع أن يقنع نفسه بأن القتل حق، وأن الظلم عدل، وأن العدوان طاعة، وأن تكفير الآخرين دفاع عن الدين.

وحتى النسب الشريف لم يكن حصانة من الفتنة
———————————–
ثم انظر إلى الشرفين سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما، سبطي رسول الله ﷺ، من أهل بيته، وابني السيدة فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
أي إنسان يبحث عن حاكم من أسرة كريمة عريقة، سيقول:
نريد بيتًا أصيلًا، ونسبًا شريفًا، وتاريخًا مشرفًا.فهل يوجد أكرم وأشرف من بيت رسول الله ﷺ؟
ومع ذلك لم يكن الانتساب إلى رسول الله ﷺ مانعًا من أن تقترب منهما الفتن السياسية وتطالهما آثار الصراع.
أما الإمام الحسين رضي الله عنه فقد كانت نهايته في كربلاء سنة 61هـ مأساة كبرى في تاريخ المسلمين، قُتل فيها هو وعدد من أهل بيته وأصحابه.
أما الحسن رضي الله عنه فقد توفي بعد حياة حافلة بالأحداث السياسية، وتذكر بعض الروايات أنه مات مسمومًا، لكن تفاصيل من سممه ومن كان وراء ذلك ليست محل اتفاق تاريخي.
لكن العبرة الأهم تبقى واضحة:
الفتنة حين تستولي على العقول لا تفرق بين صالح وطالح، ولا بين عالم وجاهل، ولا بين شريف ووضيع.

من الذي يقلب الحقيقة في عقول الناس؟
——————————
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
كيف استطاع الفكر الضال والمنحرف أن يلبس ثوب الحق؟
كيف يستطيع إنسان أن يقنع آخر بأن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه الذي يمثل العدل يستحق القتل؟
وأن سيدنا عثمان الذي عُرف بالحياء والإنفاق يستحق أن يُحاصر ويُقتل؟
وأن الإمام عليًا الذي كان من كبار أهل العلم والشجاعة يستحق الاغتيال؟
وأن الحسين، حفيد رسول الله ﷺ، يمكن أن يُقتل في كربلاء؟

من الذي يستطيع أن يفعل ذلك بعقول البشر؟
————————————-
إنها منظومة كاملة من التضليل.
تبدأ أحيانًا بفكرة صغيرة.
ثم شائعة.ثم تشكيك.ثم تخوين.
ثم تكفير.ثم عزل نفسي عن المجتمع.ثم إقناع الإنسان بأن جماعته وحدها تمتلك الحقيقة.
ثم إقناعه بأن الآخرين جميعًا على باطل.
ثم تأتي المرحلة الأخطر:إسقاط حرمة الإنسان المختلف.
وحين تسقط حرمة الإنسان في العقل، يصبح إيذاؤه سهلًا.
وحين يسقط احترام دمه، يصبح قتله ممكنًا.
وحين يُقنع الإنسان بأن قتل الآخر عبادة، يصبح أخطر من القاتل العادي؛ لأنه لا يشعر أنه يرتكب جريمة، بل قد يشعر أنه يؤدي رسالة.
وهذا هو الخطر الذي لم ينتهِ
ولذلك لا ينبغي أن نتعامل مع التطرف باعتباره قصة تاريخية انتهت.
فالفكرة التي قتلت سيدنا عمرًا، وحاصرت الخليفة عثمان، واغتالت امير المؤمنين عليًا، وأشعلت الفتن التي انتهت إلى كربلاء، يمكن أن تعود بأسماء جديدة وشعارات جديدة وأدوات جديدة.
قد لا تقول اليوم:”اقتل فلانًا.”
لكنها تبدأ بعبارة:”فلان ليس منا…ثم:”فلان فاسق.”ثم:”فلان خائن.”ثم:”لا يجوز الاستماع إليه.”ثم:”من أحبه فهو مثلُه.”
وهكذا يتحول الاختلاف الفكري إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى إقصاء، والإقصاء قد يتحول في بعض البيئات إلى عنف.
وهنا يجب أن ندرك أن التطرف لا يبدأ بالرصاصة، وإنما يبدأ بالفكرة.
والقتل هو آخر حلقات سلسلة طويلة من التشوه الفكري والنفسي.
أخطر الناس ليسوا دائمًا من يرفعون السلاح
————————————-
هناك من يظن أن المتطرف هو فقط من يحمل سلاحًا.
وهذا خطأ.قد يكون المتطرف شخصًا لا يحمل سلاحًا، ولكنه يحمل لسانًا يهدم، وفكرًا يكفر، ومنبرًا يحرّض، ومواقع تواصل اجتماعي ينشر من خلالها الكراهية.
وقد يكون أخطر من يحمل السلاح؛ لأنه يصنع عشرات الأشخاص الذين يحملونه.
وهنا مكمن الخطورة.
فمن يطعن في رسول الله ﷺ أو ينتقص من مقامه، ومن يجعل سب الصحابة أو العلماء وسيلة لاستعراض “الجرأة الفكرية”، ومن يبحث عن كل مناسبة دينية لإثارة الفتنة، لا يقدم خدمة للإسلام مهما حاول أن يرفع من شعاراته.

ومن المؤلم أن يجد هؤلاء أحيانًا من يفتح لهم المنابر، أو من يمنحهم مساحة واسعة في الإعلام ووسائل التواصل، أو من يعيد نشر كلامهم دون تحقق.
والأخطر من ذلك أن يجدوا من يتبعهم من سفهاء الأحلام أو قليلي العلم أو الشباب الذين لم يمتلكوا بعد أدوات التفكير والنقد والتمييز.وهؤلاء لا يحتاجون إلى كثير من الكلام.
يكفيهم مقطع قصير، أو خطاب حماسي، أو رواية مبتورة، أو حديث موضوع، أو تفسير خارج سياقه.
ثم يبدأ العقل في التراجع.
الدين لا يحتاج إلى الجهل كي ينتصر
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
الإسلام لا يحتاج إلى الكذب حتى ينتصر.
ولا يحتاج إلى تكفير الناس.
ولا يحتاج إلى تحقير المختلف.
ولا يحتاج إلى صناعة الكراهية.
ولا يحتاج إلى تحريف التاريخ.
ولا يحتاج إلى الطعن في الصحابة أو العلماء.
ولا يحتاج إلى أن نكره الناس حتى نثبت أننا نحب الدين.
لقد كان رسول الله ﷺ نبي الرحمة.قال الله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فإذا تحول التدين في سلوك الإنسان إلى قسوة وكراهية واستعلاء واحتقار للناس، فليتوقف ويسأل نفسه:أين أنا من أخلاق النبي ﷺ؟
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات جميلة أو مظاهر احتفالية.
إنه فرصة لأن نسأل أنفسنا:
هل نعرف النبي الذي نحتفل بمولده؟هل نعرف رحمته؟
هل نعرف حلمه؟هل نعرف عدله؟هل نعرف كيف كان يتعامل مع المخالف؟
هل نعرف كيف كان يربي أصحابه على الرحمة والعدل وحفظ الدماء والأعراض؟

كيف نحمي المجتمع من شياطين الإنس؟
————————————-
المواجهة الحقيقية تبدأ من تحصين العقل قبل مواجهة السلوك.
أولًا: تعليم التفكير النقدي
————————————-
يجب أن نربي أبناءنا على السؤال والتحقق.
لا تصدق كل ما تسمع.
ولا تشارك كل ما يصلك.
ولا تبنِ موقفًا من إنسان على مقطع مبتور.
ولا تحكم على قضية تاريخية من رواية واحدة.

ثانيًا: نشر العلم الديني الرصين
————————————-
الشباب الذي لا يجد عالمًا موثوقًا يسأله، قد يجد عشرات المؤثرين الذين يقدمون له إجابات سهلة ومضللة.
لذلك نحتاج إلى علماء قادرين على مخاطبة الناس بلغة العصر، وإلى محتوى ديني موثوق يصل إلى الشباب في المكان الذي يوجدون فيه.

ثالثًا: مواجهة التكفير والغلو
————————————-
يجب أن تكون هناك خطوط حمراء واضحة:
لا تكفير بلا علم، ولا استباحة للدماء، ولا تحريض على العنف، ولا تحويل الخلاف إلى عداء.

رابعًا: عدم تقديس الأشخاص
————————————-
لا تجعلوا أحدًا فوق السؤال والنقد.العالم يُحترم، لكنه ليس معصومًا.
والشيخ يُقدّر، لكنه ليس نبيًا.
والسياسي يُحاسب، ولا يُقدس.
والزعيم لا يملك عقول أتباعه.
العقل أمانة.

خامسًا: حماية الشباب من الفراغ
————————————-
الشاب الذي لا يجد هدفًا في الحياة قد يبحث عن جماعة تمنحه شعورًا بالقوة والانتماء.
ولهذا فإن التعليم الجيد، والعمل، والأنشطة الثقافية والرياضية، والمشاركة المجتمعية، والحوار داخل الأسرة، كلها أدوات حقيقية للوقاية من التطرف.

سادسًا: عدم إعطاء المنابر لمن يصنعون الفتنة.
————————————-
حرية التعبير لا تعني أن يصبح التحريض على الكراهية بطولة.
والحوار لا يعني نشر الأكاذيب.
والاختلاف لا يعني إهانة المقدسات أو التحريض على فئة من المجتمع.
فالمنبر مسؤولية، ومن يفتح المنبر أمام خطاب الكراهية يتحمل جزءًا من مسؤولية ما قد ينتج عنه.
لا تسمح لأحد أن يستعير عقلك
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد القدرة على السؤال.
أن يصبح تابعًا لا يفكر.
يقول له أحدهم: اكره… فيكره.
ويقول له: كفّر… فيكفّر.
ويقول له: هذا عدوك… فيصدقه.

ويقول له: هذا هو الدين… فيظن أن الدين هو ما قيل له.
وهنا يتحول الإنسان من صاحب إرادة إلى أداة.
وقد قال الله تعالى:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.فلا تتبع ما لا علم لك به.ولا تجعل شخصًا آخر يفكر نيابة عنك.
ولا تسمح لمن يملك الصوت الأعلى أن يملك عقلك.

الخاتمة
————————————-
لقد أثبت التاريخ أن الفضيلة وحدها لا تحمي صاحبها من الفتنة، إذا فسد وعي المجتمع وسادت فيه الشائعات والتعصب والتكفير والتحريض.
كان أمير المؤمنين عمر عادلًا… فقُتل.وكان الخليفة عثمان حييًا كريمًا منفقًا… فقُتل.
وكان الإمام علي عالمًا شجاعًا… فقُتل.
وكان سيدنا الحسين من أهل بيت رسول الله ﷺ… فقُتل في واحدة من أبشع مآسي الفتنة.
فالمشكلة لم تكن في صفات هؤلاء.
المشكلة كانت في العقول التي استطاع الباطل أن يغير بوصلتها.
وهذه هي الرسالة التي يجب أن نتعلمها في ذكرى مولد رسول الرحمة ﷺ:لا يكفي أن نحب النبي بألسنتنا، بل يجب أن نتعلم منه الرحمة.ولا يكفي أن نتحدث عن الإسلام، بل يجب أن نجعل أخلاق الإسلام حاضرة في حياتنا.ولا يكفي أن نحارب التطرف بعد أن يحمل السلاح؛ بل علينا أن نحارب الفكرة المنحرفة وهي لا تزال في بدايتها.
فالقاتل لا يولد قاتلًا… وإنما قد يصنعه فكرٌ منحرف، وشائعةٌ كاذبة، ومنبرٌ مضلل، وجماعةٌ مغلقة، وعقلٌ توقف عن السؤال.
فلنحذر من شياطين الإنس الذين يلبسون الباطل ثوب الحق، ويبيعون الكراهية باسم الدين، والتعصب باسم العقيدة، والخيانة باسم الولاء، والعدوان باسم النصرة.
ولنعلّم أبناءنا أن الدين رحمة، وأن الحق لا يخاف من السؤال، وأن الإنسان لا يفقد كرامته لمجرد أنه اختلف معنا.
اللهم في ذكرى مولد نبي الرحمة محمد ﷺ، نوّر عقولنا بالحق، واملأ قلوبنا بالرحمة، واحفظ شبابنا من الغلو والتطرف والفتن، واحفظ مصر وأوطاننا من كل سوء، واجمعنا على الخير والعدل والمحبة، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكل عام والأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء بخير وسلام ورحمة.
أ.د/ إبراهيم حسيني إبراهيم درويش

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة