الرئيسيةرجال صنعوا التاريخرسول مصر الصامد ومستودع أسرارها "حافظ إسماعيل"

رسول مصر الصامد ومستودع أسرارها “حافظ إسماعيل”

رسول مصر الصامد ومستودع أسرارها "حافظ إسماعيل"

سلسلة رجال صنعوا التاريخ
رسول مصر الصامد ومستودع أسرارها “حافظ إسماعيل”
بقلم د. منال إمام:- عضو المجلس العربي للثقافة والتراث –  أحد المجالس العربية المتخصصة بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
ليست كل البطولات تُروى بصخب المدافع، ولا كل الأبطال يعتلون منصات النصر.
ففي ظلال التاريخ، هناك رجال صنعوا المجد بصبرهم، وأعادوا للوطن هيبته بعقولهم، وجسّدوا أسمى معاني الولاء في صمتهم العميق.
وأحد هؤلاء، كان محمد حافظ إسماعيل… رجل الدولة، ورجل الظل، رسول مصر الصامت.
الميلاد العسكري والبداية المشرقة: وُلد حافظ إسماعيل في 1 نوفمبر 1919 بالقاهرة، لعائلة لم تكن تعلم أن هذا الطفل سيصبح يومًا صندوق أسرار الدولة المصرية، ووجهها العاقل في أحلك لحظات المواجهة.
تخرّج في الكلية الحربية عام 1937، ثم واصل تكوينه العسكري في الأكاديمية العسكرية البريطانية عام 1939، حيث بزغ نبوغه المبكر في القيادة والتنظيم.
في العام ذاته، تولى قيادة وحدة مدفعية ضمن القوة المصرية المكلّفة بتأمين مرسى مطروح خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك بفاعلية في الدفاع عن التراب الوطني أمام رياح الحرب التي عصفت بالعالم.
لاحقًا، عمل مدرسًا في كلية أركان الحرب، ثم أُرسل إلى واشنطن مساعدًا للملحق العسكري، في فترة بالغة الحساسية قبيل ثورة 1952.
وحين تغيّرت خريطة السلطة في مصر، تولّى منصب مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر بين عامي 1953 و1960، ليصبح شاهدًا وشريكًا في صناعة القرار السياسي والعسكري في أكثر لحظات الجمهورية ولادةً للمتغيرات.
محرك صفقة الأسلحة التشيكية: يُعد حافظ إسماعيل الخبير الأول وراء صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، تلك الصفقة التي غيّرت ملامح الجيش المصري إلى الأبد، وانتزعت قراره السيادي بعيدًا عن القيود الغربية، ممهدةً لتحديث حقيقي في البنية الدفاعية للدولة المصرية.
كان يعرف أن قوة مصر لا تُبنى بالخطابات، بل بتحقيق التوازن في التسليح، والاستقلال في القرار، والندية في العلاقات الدولية.
الرسول الصامت… حين تحدّث باسم مصر في أروقة واشنطن
لكن ما من محطة طبعت اسم حافظ إسماعيل في وجدان مصر والعالم كما فعلت مهمته كمستشارًا للأمن القومي للرئيس أنور السادات في عام 1973.
ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تشتعل سياسيًا وعسكريًا، خاض حافظ إسماعيل، خلف الأبواب المغلقة، واحدة من أخطر وأدق المهام الدبلوماسية في تاريخ الشرق الأوسط.
لم يكن مبعوثًا عاديًا، ولا ناقلًا للرسائل، بل مفاوضًا من طرازٍ فريد، جاء إلى واشنطن حاملاً على كتفيه قضية وطنٍ، وأمام عينيه هدفًا واحدًا “استعادة الأرض والكرامة”.
تشير مذكرات هنري كيسنجر، إلى أن حافظ إسماعيل أدار مفاوضاته مع الإدارة الأمريكية بحزم ودقة ودهاء. في 1 فبراير 1973، وجّه إلى كيسنجر رسالة واضحة، تنذر بأن مصر قد تلجأ إلى خيارات حاسمة، إذا لم يتم تحديد موعد للقاء مباشر.
وبالفعل، تم أول لقاء سري بينهما في 25 فبراير 1973. ظن كيسنجر أن حافظ إسماعيل سيأتي مهادنًا، لكن الواقع صدمه: فقد حمل إسماعيل رسالة لا لبس فيها:
“لسنا في واشنطن لنقبل بالسلام بأي ثمن، ولسنا على استعداد لتقديم تنازلات تمس السيادة المصرية. نريد تسوية شاملة، وليس حلولًا مؤقتة تُجمّل وجه الاحتلال.”
رفض إسماعيل العرض الأمريكي بانسحاب جزئي من قناة السويس ما لم يكن جزءًا من خطة شاملة للانسحاب الكامل، تُطبّق على مراحل وفي أسرع وقت ممكن.
كان يرسم حدود التفاوض بحرفية عالية، ويُعيد توجيه الحوار من منطق القوة إلى منطق العدالة.
لقد أدرك كيسنجر أنه لا يُفاوض وسيطًا، بل مفكرًا استراتيجيًا يحمل في طيّات كلامه إنذارًا محسوبًا، ورسالة واضحة بأن عام 1973 لن يمر دون تغيّر جذري في قواعد اللعبة.
مزيج فريد من الصرامة والكياسة
امتاز حافظ إسماعيل بهدوء يسبق العاصفة، وبلاغة بلا ضجيج، وبإصرار يُقنع دون أن يستفز.
لم يكن يستعرض قوته، بل يُقنع بها. لم يكن يُهين خصومه، بل يُجبرهم على احترامه.
وفي قلب واحدة من أعقد فترات التاريخ المصري الحديث، كان هذا الرجل حائط الصد الدبلوماسي، يحفظ التوازن، ويُمهّد الطريق للمعركة الكبرى، ويُبقي على الكلمة المصرية ناصعة، واضحة، غير قابلة للانكسار.
تكريم متأخر… لكنه مستحق: حافظ إسماعيل لم يطلب المجد، ولم يسعَ إلى الأضواء. لكن التاريخ يُنصف الرجال، ولو بعد حين.
لقد كان بحق:
• عقلًا استراتيجيًا من الطراز الأول،
• صوتًا عقلانيًا في لحظات الغضب،
• ورجلًا نادرًا آمن أن استعادة الأرض لا تكون فقط بالبندقية، بل بالكلمة التي لا تخون، والموقف الذي لا ينحني.
في الختام… شكرًا حافظ إسماعيل أيها الرجل النبيل، يا من حملت مصر في قلبك وعقلك دون ضجيج، يا من قرأت خريطة العالم بعيون وطنية، يا من وقفت وحدك، صلبًا، نقيًا، صامتًا… لكن صوتك دوّى في أروقة القرار الدولي، هذه كلمة حق وامتنان، لروحك، ولدورك، ولصبرك الذي لم يُقدَّر كما ينبغي

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة