الرئيسيةمقالاتحين لا يوجعهم فشلك… بل تؤلمهم ابتسامتك

حين لا يوجعهم فشلك… بل تؤلمهم ابتسامتك

حين لا يوجعهم فشلك… بل تؤلمهم ابتسامتك

حين لا يوجعهم فشلك… بل تؤلمهم ابتسامتك!
***********************

بقلم أ.د إبراهيم درويش

أيُحسَد المرء على المال والولد والمنصب والجاه؟ نعم، وهذا مما قد يتبادر إلى الذهن حين نتحدث عن الحسد.
لكن هل يمكن أن يُحسَد الإنسان على ابتسامته؟ على سماحته؟
على لين قلبه؟ على هدوئه؟
على حب الناس له؟على نجاحه الذي لم يسلب به حق أحد؟
بل هل يمكن أن يصل الأمر إلى أن يحزن إنسان لأن غيره محبوب، أو لأن الناس ترتاح إليه، أو لأن الله فتح له بابًا من أبواب الخير؟
نعم… يحدث ذلك.
————————
وهنا لا نكون أمام مجرد منافسة طبيعية بين البشر، وإنما أمام مرض في القلب؛ مرض يجعل صاحبه ينظر إلى نعمة غيره وكأنها إهانة له، وإلى نجاح الآخر وكأنه إعلان لفشله، وإلى محبة الناس لشخص آخر وكأنها انتقاص من قدره.
إنه القلب الذي لا يقول:اللهم بارك له، وارزقني من فضلك.

بل يقول في داخله:لماذا هو؟ ولماذا ليس أنا؟!ومن هنا تبدأ الحكاية.
الحسد لا يبدأ باليد… بل يبدأ بالقلب
——————————-
الحسد في بدايته قد يكون خاطرًا عابرًا، لكن الخطر يبدأ حين يستقر هذا الخاطر في القلب، ثم يتحول إلى أمنية بزوال النعمة عن الآخرين، ثم إلى سلوك يحاول صاحبه من خلاله إفساد حياة من حسده.
ولهذا جاء القرآن الكريم ليضع أيدينا على أصل الداء:﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
فالمعالجة القرآنية واضحة:
لا تجعل عينك معلقة بما عند غيرك، ولا تجعل قلبك أسيرًا للمقارنة، بل اسأل الله من فضله.
وهذه قاعدة عظيمة في الحياة:
رزق غيرك ليس خصمًا من رزقك.
نجاح زميلك لا يعني فشلك.
محبة الناس لشخص آخر لا تعني أنهم يكرهونك.
تكريم إنسان لا يعني إهانتك.
ابتسامة غيرك لا تنتقص من ابتسامتك.
وفتح الله بابًا على غيرك لا يعني أنه أغلق أبواب الخير في وجهك.
فلماذا نرهق أنفسنا بالمقارنة؟
ولماذا نحول حياة الآخرين إلى امتحان دائم لأنفسنا؟

هناك من يحسدك على شيء لا تراه أنت أصلًا
——————————-
قد يحسدك إنسان على راحة وجهك، وهو لا يعرف كم تحمل قلبك من هموم.
قد يحسدك على ابتسامتك، وهو لا يعلم أنك تتخذ منها وسيلة لمقاومة أحزانك.
قد يحسدك على حب الناس لك، وهو لا يرى سنوات طويلة من حسن المعاملة، والستر، والوقوف بجوار الآخرين.
قد يحسدك على نجاحك، ولا يرى ليالي التعب والقلق والمحاولات التي سبقت هذا النجاح.
وقد يحسدك على عطائك، بينما أنت نفسك لا ترى فيما تفعله إلا واجبًا تجاه الناس.وهكذا ينظر الحاسد إلى النتيجة ولا يرى الطريق.
يرى الثمرة ولا يرى الشجرة.
يرى النور ولا يرى السنوات التي قضاها صاحبها في مقاومة الظلام.
المشكلة ليست في أن تتمنى مثل ما عند غيرك
——————————-
فليست كل رغبة في النعمة حسدًا….أن ترى إنسانًا ناجحًا فتقول:اللهم ارزقني مثل نجاحه، وبارك له فيما رزقته، فهذا ليس حسدًا.
وأن ترى إنسانًا صاحب علم فتتمنى أن تتعلم مثله، أو ترى إنسانًا كريمًا فتتمنى أن تكون كريمًا، فهذا من المنافسة المحمودة ما دمت لا تتمنى زوال النعمة عنه.
أما أن يصبح نجاحه سببًا لحزنك، وأن يصبح فشله سببًا لفرحك، وأن تتمنى سقوطه لا لشيء إلا لأنه سبقك، فهنا ينبغي أن تتوقف وتسأل نفسك:
ماذا حدث لقلبي؟..وقد جاء عن حضرة النبي ﷺ التحذير الصريح:«لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».
كما قال حضرة النبي ﷺ:«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فالمجتمع لا يستقيم بقلوب تتمنى سقوط بعضها، وإنما يستقيم بقلوب تفرح للخير أينما كان.
لكن الأخطر من الحسد… هو ما يفعله الحاسد بعد ذلك
قد يظل الحسد داخل القلب، فيكون صاحبه هو أول من يحترق بناره.
لكن المصيبة حين يتحول الحسد إلى مشروع لإيذاء المحسود.
وهنا يبدأ الوجه الآخر للحكاية.
يبدأ الأمر بنظرة ضيق، ثم كلمة عابرة، ثم تعليق ساخر، ثم تقليل من النجاح، ثم البحث عن عيب، ثم نقل كلام، ثم تشويه، ثم محاولة إفساد علاقة، ثم وضع العراقيل، ثم المكائد.
والأشد خطورة أن الحاسد قد لا يستطيع أن يطعن في نجاحك مباشرة، فيبحث عن طريق آخر.
والخبيث إذا عجز عن النيل منك بالبهتان، عمد إلى تضخيم صغائر زلاتك؛ ليظهرك بمظهر المخطئ أمام الناس.
هذه من أخطر الحيل الاجتماعية.فإذا لم يجد عليك تهمة حقيقية، صنع من الموقف الصغير قضية كبيرة.
وإذا أخطأت مرة، نسي لك عشرات المواقف الطيبة، وأمسك بالخطأ الوحيد، ثم أعاد روايته بأكثر من صورة.
وإذا قلت كلمة في غير موضعها، جعلها دليلًا على سوء خلقك.
وإذا قصرت في موقف، تجاهل كل ما قدمته في مواقف أخرى.
وإذا حدثت منك زلة بشرية عابرة، حاول أن يجعلها عنوان شخصيتك كلها.

وهنا يجب أن ننتبه: ليس كل من ينتقدك حاسدًا، وليس كل من يذكر خطأك عدوًا.
فالنقد الصادق قد يكون نصيحة، والعتاب قد يكون محبة، والتنبيه إلى الخطأ قد يكون أمانة.
لكن الفارق أن الناصح يريد إصلاحك، بينما الحاسد يريد إسقاطك.
الناصح يقول لك: أخطأت، فانتبه.أما الحاسد فيقول للناس: أرأيتم؟ لقد أخطأ!
الناصح يستر زلتك وينصحك بها في هدوء.
أما الحاسد فيبحث عن جمهور، ويكرر الخطأ، ويضخمه، ويضيف إليه من عنده حتى يصبح الإنسان في نظر الناس شخصًا آخر غير حقيقته.
وهنا تتحول الزلة الصغيرة إلى سلاح في يد قلب مريض.

ومن الحسد يولد محراك الشر
——————————-
بعض الناس لا يستطيعون أن يروا اثنين متحابين إلا حاولوا التفريق بينهما.
ولا يرون شخصًا ناجحًا إلا حاولوا التقليل من شأنه.
ولا يرون علاقة طيبة إلا بحثوا عن كلمة يفسدون بها تلك العلاقة. فينقلون الكلام من هنا إلى هناك.ويأخذون الجملة من سياقها….ويضعون عليها تفسيرًا من عندهم.ثم يقفون متفرجين على النتيجة!
إنه محراك الشر؛ ذلك الذي لا يهدأ إلا إذا رأى الناس مختلفين، والعلاقات مضطربة، والقلوب متنافرة.
وقد جمع حضرة النبي ﷺ بين النهي عن الحسد والبغضاء والتجسس والتدابر؛ لأن هذه الأمراض كثيرًا ما يقود بعضها إلى بعض.
فحين يمرض القلب، تبدأ العين في البحث، والأذن في التتبع، واللسان في النقل، والعقل في اختلاق التفسيرات.
ولذلك قال القرآن: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾تأمل التعبير القرآني:﴿مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.فالاستعاذة ليست من مجرد وجود الشعور، وإنما من شر الحسد حين يتحول إلى فعل وأذى.
وهذا يفسر لماذا كان الحسد من أخطر أمراض القلوب.
فالحاسد لا يكتفي غالبًا بأن يتألم من نعمة غيره، وإنما قد يحاول أن يجعل صاحب النعمة يتألم أيضًا.
وهنا يصبح الحسد عدوانًا على الناس، قبل أن يكون عذابًا لصاحبه.
والقرآن الكريم يصور لنا حالة أشد وضوحًا حين يقول:﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾، ثم يطمئن أهل الصبر والتقوى بأن كيد هؤلاء لا يضرهم شيئًا بإذن الله.
إنها صورة نفسية عميقة:فرح الإنسان لخيرك علامة سلامة في قلبه، وحزنه لخيرك علامة تستحق أن يراجع بسببها نفسه.

يا من تضيق بالآخرين… راجع قلبك
——————————-
إذا رأيت إنسانًا محبوبًا، فلا تسأل:لماذا يحبونه؟
اسأل:ماذا يفعل حتى يحبوه؟
وإذا رأيت إنسانًا ناجحًا، فلا تقل:لماذا نجح؟
قل:ماذا أستطيع أن أتعلم من تجربته؟
وإذا رأيت إنسانًا أعطاه الله مالًا أو علمًا أو قبولًا أو مكانة، فلا تتمنَّ زوالها عنه.ارفع يديك وقل:اللهم بارك له، وارزقني من فضلك.
فهذا هو الطريق الذي علمنا إياه القرآن: اسأل الله من فضله، بدلًا من أن تنشغل بما في أيدي الناس.

إن الله واسع الفضل.
——————————-
والأرزاق ليست قالبًا واحدًا.
قد يعطيك الله علمًا ويحرم غيرك منه.
وقد يعطي غيرك مالًا ويعطيك راحة بال.وقد يمنح إنسانًا قبولًا بين الناس، ويمنحك قدرة على العطاء.
وقد يؤخر عنك شيئًا لأن وراء التأخير خيرًا لا تعرفه.
فلا تجعل نفسك حارسًا على أرزاق الناس.

الله هو الرازق.
——————————-
وأنت لا تحتاج أن تسقط أحدًا حتى ترتفع.
وإذا كنت أنت المحسود… فلا تسمح للحسد أن يفسد قلبك

هذه أيضًا رسالة مهمة.
إذا شعرت أن هناك من يحاول تشويهك، أو التقليل منك، أو تضخيم أخطائك، فلا تدخل معه في معركة لا تنتهي.
لا ترد على كل كلمة.ولا تبرر كل موقف.
ولا تجعل حياتك كلها محاولة لإثبات أنك بريء أمام كل أحد.
أصلح ما أخطأت فيه، واعتذر عما يستحق الاعتذار، وتعلم من زلاتك، ثم امضِ.
فليس مطلوبًا منك أن تكون بلا أخطاء حتى يحبك الناس.

أنت بشر.
——————————-
تخطئ وتصيب، وتتقدم وتتراجع، لكن المهم ألا تجعل زلتك بابًا لليأس، ولا تجعل افتراء غيرك سببًا في أن تتحول إلى شخص آخر.
وإذا كان هناك من يتعمد إيذاءك، فكن واعيًا دون أن تكون خائفًا.ضع الحدود دون ظلم. واحفظ كرامتك دون إساءة.وابتعد عن مواطن الفتنة دون خصومة.
ولا تواجه النار بالنار؛ حتى لا تصبح في النهاية شبيهًا بمن كنت تشتكي منه.
وتذكر دائمًا أن الله يرى ما لا يراه الناس.وإذا كان بعض الناس يجيدون تشويه الصورة، فإن الله يعلم الحقيقة كاملة.

لا تجعل حسدهم يطفئ نورك
——————————-
ربما يكون أكثر ما يوجع الإنسان أن يأتي الأذى ممن لم يتوقعه.
أن يكتشف أن شخصًا كان يبتسم له، كان يحمل في قلبه شيئًا آخر.
أن يكتشف أن من كان يسمع نجاحه لم يكن يفرح له.
أن يدرك أن بعض الكلمات الجميلة كانت تخفي وراءها ضيقًا وحسدًا.
لكن لا تجعل هذه التجارب تعلمك القسوة.فليس كل الناس سواء.ولا تجعل قلبك مغلقًا بسبب قلب واحد مريض.
استمر في الخير، لكن بوعي.
واستمر في العطاء، لكن دون سذاجة.كن طيبًا، ولكن لا تكن غافلًا.سامح، ولكن تعلّم.
ثق، ولكن لا تمنح ثقتك بلا حدود.
واعلم أن سلامة القلب لا تعني غياب الحذر.
وأخيرًا…
ليس النجاح الحقيقي أن تكون أعلى من الآخرين.النجاح الحقيقي أن تكون أفضل من نفسك بالأمس.
وليس من علامات القوة أن تسقط من أمامك كل المنافسين.
القوة أن تستطيع أن ترى نجاح غيرك دون أن ينكسر قلبك.
وأن ترى فرح غيرك فتفرح له.
وأن ترى محبة الناس لإنسان فتقول:اللهم زدهم محبة، وارزقني من فضلك.
أن ترى نعمة عند غيرك فلا تتمنى زوالها، بل تسأل الله أن يرزقك مثلها أو خيرًا منها.
فالقلب النظيف لا يحتاج إلى إسقاط الآخرين حتى يشعر بقيمته.
والإنسان الواثق من فضل الله لا يخاف من نجاح غيره.
أما الحاسد، فيعيش معركة لا تنتهي؛ لأن مشكلته ليست مع شخص واحد، بل مع كل إنسان يرى فيه نعمة لا يملكها هو.
ولهذا يظل يطارد الناس واحدًا بعد آخر، بينما ينسى أهم شخص كان يجب أن يصلحه:
نفسه.
فيا من تضيق بنعمة غيرك…
لا تحرق قلبك بما ليس لك.
ولا تجعل عينك ميزانًا للأرزاق.
ولا تجعل نجاح الآخرين سببًا في فشلك أنت.واسأل الله من فضله، وأصلح قلبك، وامضِ في طريقك.

ويا من آذاك حاسد…
——————————-
لا تجعل أذاه يسرق منك أجمل ما فيك.ابتسم.واعطِ.
واعمل.وانجح.واترك لله ما لا تستطيع تغييره.
فقد ينجح الحاسد في تشويه صورة عند بعض الناس، لكنه لن يستطيع أن يغير حقيقة يعلمها الله.
وقد يضع في طريقك العراقيل، لكن القرآن يمنح المؤمن طمأنينة عظيمة:﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
فاطمئن…من كان الله معه، فلن تضره مكائد الحاسدين.
اللهم طهّر قلوبنا من الحسد والغل، وارزقنا سلامة الصدر، وبارك لنا ولغيرنا فيما أعطيت، واكفنا شر الحاسدين وأهل السوء والمكر، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.اللهم عفوَك وعافيتك.
—————————
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٩/٤

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة