الشيخ حسن العطار 2… حين أدرك أن نهضة مصر تبدأ من التعليم
بقلم د. منال امام، عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

في تاريخ مصر رجالٌ حملوا السلاح دفاعًا عن أرضها، ورجالٌ حملوا القلم دفاعًا عن عقلها، ورجالٌ أدركوا أن أعظم معارك الأمم لا تُخاض دائمًا في ميادين القتال، وإنما تبدأ في ميدان العلم والتعليم. ومن هؤلاء يأتي الشيخ حسن العطار، عالمًا أزهريًا ومفكرًا مستنيرًا أدرك، في مرحلة مبكرة من تاريخ مصر الحديث، أن نهضة الوطن لا يمكن أن تقوم على قوة السلاح وحدها، ولا على حفظ التراث بمعزل عن حركة العصر، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى بناء الإنسان القادر على العلم والفهم والتجدد.
في زمن كان التعليم فيه يعتمد بدرجة كبيرة على العلوم الدينية واللغوية، بينما ظل حضور العلوم العقلية والطبيعية والرياضية والفلسفية محدودًا، أدرك العطار أن المشكلة لم تكن في قيمة العلوم الدينية، وإنما في غياب التوازن بين مجالات المعرفة. فالعالم كان يتغير من حول مصر، وأوروبا تشهد تحولات علمية وفكرية عميقة، بينما كانت العزلة العلمية تهدد بتوسيع الفجوة بين مصر والعالم.
ومن هنا جاءت رؤيته التي حملت قدرًا كبيرًا من الشجاعة الفكرية، فقد دعا إلى الانفتاح على العلوم الحديثة، والتعرف إلى تجارب الأمم، والاستفادة من المعارف التي وصل إليها الآخرون، دون أن يعني ذلك التخلي عن الهوية أو التراث. كان يؤمن بأن العلم لا وطن له، وأن الأمة الواثقة من ذاتها لا تخشى المعرفة، بل تستوعبها، وتنقدها، وتعيد توظيفها بما يتفق مع احتياجاتها وقيمها.
ولم يكن حسن العطار يدعو إلى إلغاء العلوم الدينية أو القطيعة مع التراث، وإنما كان يسعى إلى إخراج التعليم من حالة الانغلاق، وجعله أكثر اتصالًا بالحياة وعلوم العصر. فالتعليم، في نظره، لا ينبغي أن يكتفي بحفظ المعرفة، بل عليه أن يفتح العقل على العالم، وأن يعلّم الإنسان كيف يفهم الظواهر، ويستخدم عقله، ويواجه المتغيرات.
ولهذا ارتبط مشروعه بالدعوة إلى تجديد العلوم، وإصلاح التعليم، والأخذ بالعلوم الأوروبية الحديثة، والاستفادة من البعثات العلمية والترجمة ونقل المعارف. ولم تكن هذه الدعوة مجرد إصلاح لمناهج الدراسة، بل كانت في جوهرها مشروعًا لبناء إنسان جديد: إنسان يعرف دينه ولغته وتراثه، لكنه لا يخشى العلم؛ يعتز بماضيه، لكنه لا يعيش أسيرًا له؛ وينفتح على العالم، دون أن يفقد شخصيته وهويته.
وهنا تكمن القيمة العميقة لفكر الشيخ حسن العطار، فقد أدرك أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن المؤسسات مهما بلغت قوتها تحتاج إلى عقول قادرة على إدارتها، وفهم تحديات العصر، وتوظيف المعرفة في خدمة المجتمع. ولذلك يمكن النظر إليه باعتباره من الرواد الأوائل الذين ربطوا بين التعليم وقوة الدولة، إذ أدرك أن الأمة التي لا تنتج المعرفة تظل محتاجة إلى غيرها، وأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل دون امتلاك القدرة على التعلم والإنتاج والابتكار.
ومن هذه الزاوية، يتجاوز مشروع حسن العطار حدود الإصلاح التربوي ليقترب من مفهوم أوسع هو الأمن القومي العلمي والفكري، فالأمن لا يعني حماية الحدود والأرض فقط، وإنما يعني كذلك حماية قدرة المجتمع على التفكير والإبداع ومواكبة التحولات. فالدولة التي تمتلك نظامًا تعليميًا قويًا ومؤسسات علمية متطورة وعقولًا قادرة على الابتكار، تمتلك مصدرًا أساسيًا من مصادر قوتها واستقلالها.
وقد أسهمت أفكاره في التمهيد لمناخ فكري استقبل لاحقًا بعض مظاهر التحديث التعليمي في عهد محمد علي، من إنشاء المدارس وإرسال البعثات إلى أوروبا وترجمة الكتب والاستفادة من الخبرات العلمية الأجنبية. وهكذا لم تكن نهضة التعليم المصري وليدة قرار مفاجئ، وإنما سبقتها أفكار رواد أدركوا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من العقل.
لقد كان حسن العطار يرى المستقبل قبل أن يصل، أدرك أن التقدم العلمي سيعيد تشكيل ميزان القوة بين الأمم، وأن مصر لا تستطيع أن تبقى بعيدة عن حركة العالم. ولذلك لم ينظر إلى العلم باعتباره ترفًا، ولا إلى التعليم باعتباره مجرد خدمة اجتماعية، بل رآهما من أدوات بناء القوة الوطنية. فالمعرفة تفتح الطريق أمام الإنتاج، والتعليم يصنع الكفاءات، والعلم يهيئ المجتمع لبناء اقتصاد ومؤسسات ودولة أكثر قدرة على مواجهة تحدياتها.
ومن هنا تبقى رسالة الشيخ حسن العطار حاضرة في مصر حتى اليوم: لا نهضة بلا علم، ولا قوة بلا تعليم، ولا استقلال حقيقي لأمة لا تمتلك المعرفة.
لقد كان من أولئك الرجال الذين لم يحملوا السلاح، لكنهم أدركوا أن العلم يمكن أن يكون من أقوى أسلحة الأمم. لم يقف على حدود الوطن حارسًا، لكنه حاول أن يفتح أمام عقول أبنائه أبواب العالم. ولم يخض معركة بالسيف، لكنه خاض معركة ضد الجمود والعزلة والجهل.
رحم الله الشيخ حسن العطار، فقد كان من أوائل الذين أدركوا أن مصر لا تستطيع أن تحمي حاضرها وتصنع مستقبلها إذا بقي عقلها بعيدًا عن حركة العلم. وتبقى مكانته جديرة بالتقدير؛ لأنه لم يدعُ إلى هدم القديم، ولا إلى استنساخ الجديد، وإنما دعا إلى التوازن بين الأصالة والانفتاح، وبين التراث والمعرفة، وبين الهوية والعلم. ومن هذا المعنى يظل الشيخ حسن العطار واحدًا من صُنّاع نهضة مصر، لأنه أدرك مبكرًا أن الأمة التي تريد أن تكون قوية، يجب أولًا أن تكون عالمة.


