الرئيسيةمقالاتإشراقات النجاة ووحدة المعنى فلسفة الاحتفاء بيوم عاشوراء بين التأصيل الديني والأثر...

إشراقات النجاة ووحدة المعنى فلسفة الاحتفاء بيوم عاشوراء بين التأصيل الديني والأثر الاجتماعي

بقلم: ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق

مقدمة:
عاشوراء… حين يتحوّل التاريخ إلى رسالة أمل
——————————————
ليست الأيام في ميزان الإيمان مجرد أرقامٍ تتعاقب على صفحات التقويم، بل هي محطات وعي، ونوافذ نور، ورسائل إلهية مفتوحة لمن أراد أن يتدبّر. ومن بين هذه الأيام، يطلّ علينا يوم عاشوراء في مطلع العام الهجري، حاملاً في طيّاته قصة نجاة، ومعنى شكر، ودروسًا لا يحدّها زمان ولا مكان.
إن الحديث عن عاشوراء ليس حديثًا عن حدثٍ تاريخي معزول، ولا عن طقسٍ تعبّدي محدود، بل هو حديث عن فلسفة متكاملة في فهم السنن الإلهية، وعن يوم اجتمعت حوله قلوب المسلمين – على اختلاف مذاهبهم – بوصفه يومًا عظيمًا في تاريخ الإيمان، تتلاقى فيه معاني النصر بعد الشدة، والفرج بعد الكرب، والعدل الإلهي في مواجهة الطغيان.

أولًا: ما هو يوم عاشوراء؟ التعريف والدلالة
——————————————
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرّم، أول شهور السنة الهجرية. وقد سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى ترتيبه في الشهر، وهو اسم عرفته العرب قديمًا قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأضفى عليه دلالة إيمانية عميقة.
وليس عاشوراء يومًا طارئًا في الذاكرة الدينية، بل هو يوم ارتبط بأحداث عظيمة في تاريخ الرسالات السماوية، على رأسها نجاة نبي الله موسى عليه السلام ومن معه من بطش فرعون، وهو الحدث الذي جعله يوم شكرٍ وصيام وذكرٍ لله، قبل الإسلام وبعده.

ثانيًا: عاشوراء في عمق التاريخ الديني
——————————————
حين نعود إلى القرآن الكريم، نجد أن قصة نبى الله موسى عليه السلام مع فرعون ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي نموذج متكرر للصراع بين الحق والباطل. وقد اختار الله يوم عاشوراء ليكون يوم الفصل الحاسم في هذه القصة:
وذلك يوم انشق فيه البحر، ونجا المستضعفون، وغرق الطغاة.يقول الله تعالى:﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
إنها لحظة انتصار الإيمان حين يبلغ الخوف ذروته، ولحظة وعدٍ إلهي بأن الظلم – مهما طال – إلى زوال.
وقد ظل هذا اليوم محفوظًا في الذاكرة الدينية للأمم السابقة، يصومه بنو إسرائيل شكرًا لله، حتى جاء الإسلام فثبّت أصل المعنى، وصحّح مساره، وربطه بفلسفة أوسع للعبودية والشكر.

ثالثًا: عاشوراء في السنة النبوية… شكر لا تشابه
——————————————
حين قدم النبي ﷺ إلى المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن سبب صيامهم، فقيل له: هذا يوم صالح، نجّى الله فيه نبى الله موسى وقومه من فرعون، فقال ﷺ كلمته الجامعة:
«نحن أحقّ بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.
هذا الموقف النبوي يكشف بوضوح عن فلسفة الإسلام في التعامل مع التاريخ الديني: من خلال إقرار الحق حيث كان…وربط الإيمان بسلسلة الأنبياء جميعًا
مع الحفاظ على الهوية المستقلة
ولذلك، لم يكتفِ الإسلام بصيام اليوم العاشر وحده، بل وجّه النبي ﷺ إلى صيام يوم قبله أو بعده، تأكيدًا على مبدأ التميّز، لا المخالفة من باب العناد، بل من باب الاستقلال والوعي.

رابعًا: فلسفة الاحتفاء… ماذا يعني أن نحتفي بعاشوراء؟
——————————————
الاحتفاء في المفهوم الإسلامي لا يعني الصخب، ولا المبالغة، ولا المظاهر الفارغة، بل يعني إحياء المعنى. وعاشوراء يُحتفى به بثلاثة مفاهيم مركزية هى :
١-الشكر العملي
صيام عاشوراء هو تعبير صريح عن شكر الله على نعمة النجاة، وهو شكر يتجاوز اللسان إلى الجسد والسلوك. فالصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل تربية للنفس على ضبط الشهوة، واستحضار النعمة، وربط الحاضر بالماضي الإيماني.

٢- الارتباط بتاريخ الأنبياء
الإسلام لا يجزّئ التاريخ الديني، بل يقدّمه سلسلة واحدة من النور. وعاشوراء يذكّر المسلم بأنه امتداد لمسيرة طويلة من الصبر والجهاد والتوحيد، وأن نصر الله لا يرتبط بأمة دون أخرى، بل بالحق وأهله.

٣- التوازن بين الفرح والانضباط
عاشوراء يوم فرح بنصر الله، لا يوم حزن أو تشاؤم. فرحٌ منضبط، لا ينفلت إلى اللهو، ولا ينقلب إلى طقوس تخالف روح الدين. هو فرح الشاكر، لا فرح الغافل.

خامسًا: الفوائد الروحية والاجتماعية لعاشوراء
——————————————
١- تكفير الذنوب وتجديد البداية

ورد في الحديث الصحيح أن صيام عاشوراء يكفّر ذنوب السنة الماضية، وهو معنى بالغ الأثر في النفس الإنسانية، يمنحها فرصة للبدء من جديد، ويعيد الأمل لمن أثقلته العثرات.

٢- التوسعة على الأهل… عبادة اجتماعية

من المعاني الجميلة المرتبطة بعاشوراء استحباب التوسعة على الأهل، وهو توجيه يجمع بين العبادة والبعد الإنساني، فإدخال السرور على الأسرة صدقة، وبناء الاستقرار الأسري عبادة لا تقل شأنًا عن الشعائر الفردية.

٣- تعزيز التكافل المجتمعي

حين يتحول يوم عاشوراء إلى مناسبة للصدقة، وإطعام الطعام، ومراعاة الفقراء، فإنه يصبح رافعة أخلاقية للمجتمع، ويعيد الاعتبار لقيمة “الجار”، و”المحتاج”، و”صلة الرحم”.

سادسًا: عاشوراء بين السنة والشيعة..وحدة الحدث… واختلاف القراءة
——————————————
هنا نصل إلى أكثر المحاور حساسية، وأكثرها حاجة إلى العقل والهدوء.

١- وحدة الحدث التاريخي
من حيث الأصل، الحدث التاريخي الذي منح عاشوراء مكانته الدينية متفق عليه: فهو يوم نجّى الله فيه نبى الله موسى عليه السلام من فرعون.وهذا الحدث لا خلاف عليه بين المسلمين جميعًا، بل هو مذكور في القرآن الكريم نصًا.
كما أن اليوم نفسه – العاشر من المحرّم – محل إجماع من حيث التوقيت .

٢- كيف نشأ الاختلاف؟

الاختلاف لم ينشأ من الحدث ذاته، بل من تحميل اليوم أحداثًا لاحقة عليه، أبرزها مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء، وهو حدث مؤلم في التاريخ الإسلامي، هزّ وجدان الأمة، وترك أثرًا عاطفيًا عميقًا، خاصة لدى الشيعة.
ومع مرور الزمن:تحوّل الحدث التاريخي إلى مركز هوية مذهبية
واختلط التاريخ بالعاطفة. وتحولت الذكرى من مجال للعبرة إلى مساحة صراع رمزي

٣- اختلاف المنهج لا أصل الدين
——————————————
أهل السنة نظروا إلى عاشوراء من زاوية النص النبوي: صيام، شكر، عبادة…بينما نظر الشيعة إليه من زاوية الحدث السياسي-التاريخي المرتبط بالمظلومية.وهنا ينبغي التأكيد بوضوح: بأن الخلاف ليس في أصول العقيدة، بل في طريقة قراءة التاريخ وتوظيف الذاكرة.

٣- خطورة تحويل الذكرى إلى انقسام دائم
——————————————
حين تتحول الذكرى إلى طقوس حزن صاخبة، أو إلى مناسبة لإعادة إنتاج الصراع، فإنها تفقد بعدها الإصلاحي، وتتحول إلى عبء على الحاضر، بدل أن تكون درسًا له.
والأخطر من ذلك:أن يُستخدم عاشوراء لتغذية الكراهية..أو لتقسيم المجتمع. .أو لإحياء صراعات تجاوزها الزمن
وهنا تتحول الذكرى من طاقة وعي إلى وقود فتنة.

٥- نحو تجاوز الاختلاف: من الذاكرة إلى العبرة
——————————————
تجاوز الخلاف لا يعني إنكار التاريخ، ولا طمس المشاعر، بل يعني:إعادة ترتيب الأولويات
والفصل بين الحدث التاريخي والتوظيف السياسي. وتقديم المشترك الديني على الخلاف المذهبي
سيدنا الحسين رضي الله عنه لم يُقتل ليكون سبب فرقة، بل خرج طلبًا للإصلاح، ورفضًا للظلم، وهي قيم يتفق عليها المسلمون جميعًا.

٦- عاشوراء فرصة للوحدة لا للانقسام
——————————————
إذا أُحسن تقديم عاشوراء، يمكن أن يكون: يومًا للتذكير بأن الظلم مآله الهزيمة..وأن الدماء لا تُستثمر سياسيًا..وأن وحدة الأمة مقدمة على جراح الماضي
وهذا هو الفهم الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم، خاصة في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية.

ختاما: عاشوراء… ذاكرة شكر وبوصلة أمل
——————————————
في ختام هذه القراءة، يتجلّى يوم عاشوراء بوصفه أكثر من مناسبة عابرة؛ إنه يوم يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الحاضر وتاريخه.
هو يوم يعلّمنا أن النصر لا يُقاس بالعدد، وأن الطغيان – مهما بدا قويًا – هشّ أمام سنن الله، وأن الشكر ليس كلمة، بل سلوك، وصوم، وعطاء.
فلنحتفِ بعاشوراء كما أراده الله: يوم صيامٍ لا رياء فيه،ويوم شكرٍ لا غفلة فيه،ويوم تضامنٍ لا استعلاء فيه،ويوم وعيٍ لا انقسام فيه.
وبذلك، يصبح عاشوراء رسالة سنوية متجددة:أن مع العسر يسرًا، وأن بعد البحر طريقًا، وأن مع الله دائمًا هداية ونجاة.
——————————————
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٦/٢٥ م

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة