الرئيسيةمقالاتحين يصعد الصغار… ويسقط المنصب.

حين يصعد الصغار… ويسقط المنصب.

حين يصعد الصغار… ويسقط المنصب.

.ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية

***************************
مقدمة : الكرسي الذي لا يجامل أحدًا
——————————-
المنصب ليس زينة تُضاف إلى السيرة الذاتية، ولا لقبًا يُعلّق على الصدر، بل هو كاشف أخلاقي صارم؛ يفضح النفوس الضعيفة كما يُنصف أصحاب القيم الراسخة.
ولأن الكرسي لا يصنع إنسانًا، بل يضعه في دائرة الضوء، فإن السؤال الجوهري يظل حاضرًا:
هل المنصب نعمة تُستثمر في خدمة الناس، أم نقمة تُحوَّل إلى أداة للغرور والتسلط وتصفية الحسابات؟

المنصب في الميزان الديني والاجتماعي :أمانة لا امتياز..
——————————-
في الوعي الديني الرشيد، لا يُنظر إلى المنصب بوصفه تشريفًا، بل باعتباره تكليفًا ثقيلًا وأمانة عظيمة.
فالسلطة في جوهرها ابتلاء، والقرار اختبار، والنفوذ مسؤولية مضاعفة، لا ينجح فيها إلا من أدرك حجمه الحقيقي قبل أن يعرف حجم منصبه.
وقد وضع القرآن الكريم هذا المفهوم في إطار بالغ العمق حين قال الله تعالى:﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾.
فالكرسي أمانة، لا غنيمة.
والمشكلة الحقيقية لا تبدأ حين يُمنح المنصب، بل حين يظن صاحبه أن المنصب يمنحه قيمة، بينما الحقيقة أن القيمة الأخلاقية تسبق الكرسي، ولا يصنعها.

حين تفضح المناصب معادن البشر
——————————-
لطالما عرف الناس هذه الحقيقة بالتجربة:أن بعض الوجوه التي تبدو متواضعة، ودودة، كثيرة المجاملة قبل تولي المسؤولية، إنما كانت كذلك بدافع الحاجة لا القناعة.فإذا تغيّر الموقع، تبدّل الخطاب، وانقلب السلوك، وظهر وجه آخر لم يكن مرئيًا.
يتحول القريب إلى متعالٍ،والبسيط إلى متكبر،والودود إلى باردٍ متجهم،وكأن المنصب أزاح ستارًا كان يخفي صِغَر النفس وضعفها.
وهنا تتجلى الحكمة العميقة التي تقول:“إذا أردت أن تعرف أخلاق إنسان، فانظر كيف يتعامل مع من لا يملك له نفعًا ولا ضرًا.”

فالمنصب لا يغيّر الناس… بل يكشفهم.
——————————-
نسيان الجميل : أول انكسار أخلاقي

من أخطر أعراض “المنصب الزائف” نسيان المعروف، وإنكار الجميل، والتعامل مع الماضي وكأنه عبء يجب التخلص منه.
فبمجرد أن يجلس بعضهم على الكرسي، يبدأ في إعادة ترتيب الذاكرة:من دعم؟..ومن زكّى؟
من فتح الباب؟.ثم يبدأ الإقصاء الصامت، والتهميش المتعمد، ومحاربة كل من يذكّر صاحب المنصب بحقيقته قبل الأضواء.

وقد حذّر النبي ﷺ من هذا السقوط الأخلاقي المبكر بقوله:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
لكن بعض المسؤولين يتعاملون مع الوفاء باعتباره ضعفًا، ومع الاعتراف بالفضل باعتباره تهديدًا، فيتحول الجحود إلى سياسة، والنكران إلى نهج إداري.

المنصب كأداة للانتقام لا للبناء
——————————-
عندما تُدار المسؤولية بالأهواء لا بالقيم، تتحول الوظيفة العامة إلى ساحة تصفية حسابات.
فتُعرقل الإنجازات لا لخلل فيها، بل لأن أصحابها “ليسوا من الدائرة القريبة ”.وتُحارب الكفاءات لا لقصور، بل خوفًا من التفوق على من يجلس على الكرسى .. .
ويُكافأ المقرّبون لا المجتهدون.
وهنا يغيب جوهر العدالة، رغم وضوح التحذير الإلهي:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فالعدل ليس خيارًا إداريًا، بل فريضة أخلاقية.
ومن لم يتصالح مع نفسه، لن يعدل مع غيره.

الكِبر… المرض الصامت لأصحاب الكراسي
——————————-
لا يبدأ الكِبر بالصراخ ولا بالتعالي الصريح، بل يتسلل في صور ناعمة:
تجاهل متعمد..استعلاء في نبرة الحديث.واحتقار آراء الآخرين.
وشعور داخلي بالعصمة من الخطأ.
وقد وضع النبي ﷺ معيارًا حاسمًا حين قال:«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر».

فالمنصب لا يخلق الكبر، لكنه يمنح المتكبر مساحة أوسع لإظهاره.
وأول من هلك بهذا الداء لم يكن بشرًا، بل إبليس، حين قال: أنا خير منه.

حين تتحول الوظيفة إلى تجارة خفية
——————————-
في بعض الحالات، لا يتوقف الانحراف عند حدود الغرور، بل يتجاوزها إلى استغلال المنصب في تحقيق مكاسب غير مشروعة:
منافع شخصية، وتمرير مصالح،
ةوفتح أبواب خلفية لا يراها القانون، لكنها مكشوفة أمام الله.
قال تعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.والخطورة هنا أن صاحب المنصب قد يظن أن الكرسي حصانة، بينما الحقيقة أن الحساب لا يحتاج لجنة تحقيق، بل موقفًا فرديًا بين يدي الله.

الأثر المدمر على العلاقات وبيئة العمل
——————————-
لا يقف ضرر المنصب الزائف عند صاحبه، بل يمتد ليصيب المجتمع بأكمله.فهو يهدم علاقات إنسانية بُنيت على الثقة،..ويحوّل الزملاء إلى خصوم،..ويزرع الإحباط بدل الأمل،..ويخلق بيئة عمل مسمومة تقوم على الخوف لا التعاون.
كم من مؤسسة تعطلت لأن قائدها كان صغيرًا بعقله، كبيرًا بكرسيه؟
وكم من فريق انهار لأن المسؤول نسي أنه خادم للمنظومة لا مالك لها؟

المناصب زائلة… والذكر وحده الباقي
——————————-
الحقيقة التي يتجاهلها المغرورون أن المناصب لا تدوم.وأنت جلست اليوم،وقبلك جلس غيرك،وبعدك سيجلس غيرك.وقد لخّص علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه السنة بقوله:“ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.”ويبقى السؤال الأهم:
كيف سيُذكر الاسم بعد زوال الكرسي؟بخير أم بحسرة؟

كيف نواجه الظاهرة؟ وكيف نحمي أنفسنا؟
——————————-
لا تنافق أصحاب الكراسي، فالمنافق شريك في الفساد.
والتزم الحق ولو خذلك الناس.
واحفظ كرامتك، فالمناصب لا تساويها. واعمل بصمت، فالإنجاز الصادق يفضح الزيف.ثم دع الحكم للزمن، فهو كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها.

رسالة مفتوحة لمن غرتهم المناصب
توقف قليلًا…وتذكر: من كنت؟
وكيف وصلت؟ومن ساعدك؟..واعلم أن: الكرسي لا يرفعك إن كنت صغيرًا،ولا يحميك إن ظلمت،
ولا يشفع لك إذا انفضّ الناس من حولك.فإن أصلحت، بقي أثرك.
وإن أفسدت، زال ذكرك بزوال منصبك.

ختاما : الأثر لا الكرسي
——————————-
في النهاية، لا يُقاس المسؤول بعدد الصلاحيات، بل بعمق الأثر.
ولا يُخلّد الإنسان بما جلس عليه، بل بما تركه خلفه.فكن – إن وليت أمرًا – وسيلة بناء لا أداة هدم،باب أمل لا سيف انتقام،قدوة في الخلق قبل الإدارة.
فالكرسي يزول،والأثر يبقى،والحساب آتٍ لا محالة.
اللهم من وليته أمرًا من أمور الناس فعدل فوفقه وسدده،ومن استُرعي فأفسد فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعلنا ممن عرفوا قدر أنفسهم،ولم تغرّهم المناصب،وحفظوا الود، وأدّوا الأمانة،إنك على كل شيء قدير.
——————————-

ا.د / ابراهيم حسينى درويش
2026/7/3

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة