الرئيسيةمقالاتحين يحترق البيت من الداخل

حين يحترق البيت من الداخل

حين يحترق البيت من الداخل

حين يحترق البيت من الداخل

ا.د/ ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق 

تفكك الأسرة المصرية… الأسباب، المخاطر، وطريق الإنقاذ
*************************
مقدمة: وجعٌ صامت في قلب المجتمع
————————————–
عندما ننظر بصدق إلى واقع المجتمع المصري اليوم، نجد أن الجرح الأكبر لم يعد اقتصاديًا فقط، ولا سياسيًا، بل اجتماعيًا وأخلاقيًا في المقام الأول. وفي قلب هذا الجرح تقف الأسرة المصرية؛ التي كانت يومًا الملاذ، والسكن، ومصنع القيم، وحصن الأمان.
اليوم، تحزن النفس حين ترى ارتفاع معدلات الطلاق، وتكدس قضايا الأسرة في المحاكم، وتحول البيوت إلى ساحات صراع، لا يسمع فيها صوت الحكمة، بل يعلو فيها صوت العناد والندية والمطالب المادية الجافة.
لم يعد الخلاف الأسري استثناءً، بل أصبح ظاهرة. ولم يعد الطلاق آخر الحلول، بل أول رد فعل. والأسوأ أن الضحية الأولى في هذا المشهد ليست الزوج أو الزوجة فقط، بل الأبناء، ثم المجتمع بأكمله.
هذا المقال محاولة جادة، بلغة تخاطب العقل والوجدان معًا، لفهم ما يجري، وتأصيله دينيًا واجتماعيًا، والتحذير من مخاطره، وطرح مسارات علاج حقيقية، وعلى رأسها قانون الأسرة الجديد: هل يكون أداة إصلاح أم معول هدم؟

أولًا: الأسرة في الميزان الإلهي… سكن لا ساحة صراع
————————————–
حين أسس الإسلام مفهوم الأسرة، لم يؤسس علاقة مصلحة، ولا عقد شركة، بل أقام ميثاقًا غليظًا، قوامه السكن والمودة والرحمة. يقول الله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
تأمل كلمة لتسكنوا… السكن ليس جدرانًا، بل طمأنينة، وليس صمتًا، بل أمانًا نفسيًا.
وتأمل أن الله لم يقل: مصلحة أو عقد، بل قال مودة ورحمة، وهما قيمتان لا تُقاسان بالقانون وحده، بل بالضمير والتقوى.
وكان هدي النبي ﷺ عمليًا واضحًا:
«خيركم خيركم لأهله»
فالخير الحقيقي لا يُقاس بالخطابة في الخارج، بل بالسلوك داخل البيت.
حين تختفي هذه المعاني، يتحول الزواج من عبادة إلى معركة، ومن سكن إلى خصومة، ومن شراكة إلى صراع نفوذ.

ثانيًا: أرقام لا تكذب… التفكك حقيقة لا مبالغة
————————————–
تشير الإحصاءات الرسمية الحديثة في مصر إلى حقائق مقلقة، من بينها:
١- ارتفاع معدلات الطلاق خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بعقود سابقة.
مئات الآلاف من قضايا الأسرة سنويًا بين طلاق، نفقة، رؤية، حضانة، وخلافات ممتدة.

٢-تزايد حالات غياب أحد الوالدين عن حياة الأبناء نفسيًا أو فعليًا، حتى مع وجود زواج رسمي أو بعد الطلاق.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمات زوجية، بل عن خلل بنيوي في منظومة القيم والتعامل داخل المجتمع.

ثالثًا: لماذا تفككت الأسرة؟ قراءة هادئة بلا تزييف
————————————–
1. تحول العلاقة الزوجية من تكامل إلى صراع
كثير من البيوت لم تعد تُدار بمنطق: نحن معًا في مركب واحد، بل بمنطق: من الأقوى؟ من ينتصر؟
الندية المَرَضية حلت محل التراحم، وأصبح التنازل هزيمة، واللين ضعفًا، والحكمة خنوعًا.

2. سوء فهم القوامة
القوامة في أصلها مسؤولية وتكليف، لا تسلط ولا قهر. لكنها عند البعض تحولت إلى سطوة، وعند البعض الآخر إلى ذريعة للتمرد الكامل.
فضاع المعنى، واحتدم الصراع، وانهار التوازن.

3. التدخل المفرط من الأهل والمحيطين
كم من بيت انهار لا بسبب مشكلة حقيقية، بل بسبب تضخيمها من أطراف خارجية:
أهل يؤججون، أصدقاء ينحازون، محامون يحولون الخلاف إلى معركة كسر عظام.

4. الضغوط الاقتصادية دون إدارة حكيمة
الغلاء وضيق الحال واقع لا يُنكر، لكن المشكلة ليست في الفقر وحده، بل في غياب الصبر والتفاهم في مواجهته.
تحول المال من وسيلة إلى معيار للكرامة، ومن أداة إلى سلاح.

5. وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الوهم
مقارنات مدمرة، وصور زائفة لحياة مثالية، ونصائح سطحية تُسكب على بيوت تعاني أصلًا من هشاشة.
فزاد السخط، وقل الرضا، وتآكلت القناعة.
6. ضعف الوازع الديني والأخلاقي
ليس ضعف التدين الشكلي، بل ضعف الفهم العميق للدين كمنهج حياة، يضبط الغضب، ويهذب الخلاف، ويقدّم مصلحة الأبناء على نزوات الكبار.

رابعًا: الأبناء… الجرح الأعمق والأخطر
————————————–
الطفل لا يفهم القوانين، ولا يقرأ الأحكام القضائية، لكنه يشعر بالخصومة، ويتألم من الصراخ، ويضيع بين أبوين يتصارعان.
نتائج التفكك الأسري على الأبناء تشمل:
اضطرابات نفسية وسلوكية
فقدان الأمان والانتماء
كراهية أحد الوالدين أو كليهما
صعوبة بناء علاقات مستقرة مستقبلًا
إننا لا نصنع فقط أبناء متألمين، بل نصنع مجتمعًا هشًا في المستقبل.

خامسًا: مفارقة موجعة… تعليم أكثر وحكمة أقل
————————————–
آباؤنا وأمهاتنا كانوا أقل تعليمًا، لكنهم: كانوا أكثر صبرًاوأعمق فهمًا لمعنى الأسرة…أحرص على الأبناء
وأصدق في تحمّل المسؤولية
لم يكونوا مثاليين، لكنهم كانوا يدركون أن خراب البيت ليس نصرًا لأحد.
فالمشكلة ليست في تعليم المرأة أو الرجل، بل في تعليم بلا قيم،وثقافة بلا أخلاق، ووعي بلا حكمة.

سادسًا: هل نحن أمام استهداف للأسرة؟
————————————–
لا يمكن إنكار أن هناك خطابات وافدة ترفع شعارات براقة، ظاهرها الرحمة، وباطنها تفكيك العلاقات، وتحويل الرجل والمرأة إلى خصمين لا شريكين.

الخطورة ليست في المطالبة بالحقوق، بل في تأجيج الصراع، وتحريض طرف على طرف، وتغذية الكراهية بين مكونات الأسرة الواحدة.
الإسلام قال بوضوح:﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾كما لا يغني الليل عن النهار، لا يغني الرجل عن المرأة، ولا المرأة عن الرجل. التكامل هو سنة الكون.

سابعًا: العلاج… من الشكوى إلى الفعل
————————————–
1. إعادة بناء الوعي الأسري
نحتاج إلى خطاب ديني واجتماعي يعلّم الناس:أن الخلاف طبيعي
وأن الطلاق حل أخير لا أول
وأن الأبناء أمانة لا ورقة ضغط

2. إحياء قيمة التنازل الواعي
ليس كل تنازل ضعفًا، بل كثير منه حكمة تحفظ البيت.

3. ضبط دور الأهل والمحيطين
النصيحة تكون للإصلاح لا للتحريض، وللجمع لا للتفريق.

4. ترسيخ التربية الدينية العملية
دين يُمارَس في الصبر، والعدل، والرحمة، لا في الشعارات.

ثامنًا: قانون الأسرة الجديد… فرصة إنقاذ لا أداة تفكيك
————————————–
وهنا نصل إلى نقطة محورية بالغة الأهمية:قانون الأسرة الجديد يجب أن يكون مشروع إنقاذ اجتماعي، لا ساحة صراع قانوني.
نريده قانونًا:يجمع ولا يفرّق…
يحمي الأسرة لا يهدمها….يراعي مصلحة الأبناء أولًا…..ولا يمنح السيطرة لطرف على حساب طرف
يعالج الاختلالات بدل أن يفاقمها
القانون العادل لا ينتصر لجنس ضد جنس، بل ينتصر للأسرة ككيان، وللاستقرار كقيمة عليا، وللأبناء كمستقبل وطن.
إذا تحوّل القانون إلى أداة انتقام، فسيدمر ما تبقى من البيوت.
وإذا صيغ بحكمة، فسيكون جسرًا لإعادة التوازن الاجتماعي.

خاتمة: إنقاذ البيت… إنقاذ الوطن
————————————–
تفكك الأسرة ليس شأنًا خاصًا، بل خطر قومي ناعم، يبدأ من البيت وينتهي في الشارع والمدرسة والعمل.إما أن ننتبه الآن، أو ندفع الثمن أضعافًا لاحقًا. والأسرة ليست شركة، ولا معركة، ولا ساحة إثبات قوة. بل هي سكن، ورحمة، ومسؤولية مشتركة.
فلنُطفئ النار قبل أن تأكل الجميع…
ولنجعل من القانون، والدين، والعقل، أدوات بناء لا معاول هدم.
————————————–
جمعة طيبة مباركة
ا.د/ ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٦/١٢

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة