الأغذية نباتية البنية والإحتباس الحراري
محمود محمود هويدي
الأستاذ المتفرغ بجامعة الفيوم عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
توضح الأدبيات أن عدد سكان العالم قد يتجاوز9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، مما سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الغذاء بشكل عام، وعلى الأغذية والأعلاف الغنية بالبروتين بشكل خاص، بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة الطلب على البروتين عالميًا ستكون مدفوعة بتغيرات اجتماعية واقتصادية مثل ارتفاع الدخول أو زيادة التوسع الحضري، مع إدراك دور البروتين في النظام الغذائي الصحي. وينبغي الأخذ في الإعتبار وجود نقص في البروتين لدى بعض الفئات السكانية الأكثر فقرًا في البلدان النامية، واحتمالية ظهور حاجة إضافية تصل إلى 50% من البروتين الغذائي بحلول عام 2050 بدون تغييرات في أنماط النظام الغذائي القياسية الحالية، وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على البروتين الحيواني والحاجة إلى إنتاج المزيد من الأعلاف الحيوانية ويصاحب ذلك زيادة الإنبعاثات الكربونية أي غازات الإحتباس الحراري. وتُوفّر الثروة الحيوانية في الاتحاد الأوروبي، أكثر من 50% من إجمالي البروتين المستهلك في الغذاء. ويُسهم الحفاظ على أنماط الغذاء الحالية، مع تزايد عدد سكان العالم حتى عام 2050، إلى زيادة مستويات التجاوزات ومنها تجاوز حدود استخدام الأراضي الزراعية، وتجاوز كبير لاستهلاك الأغذية ومايترتب عليها من زيادة حجم المخلفات وبالتالي زيادة في الانبعاثات الكربونية .
ويمثل النشاط البشري تهديدا خطيرا للتغيرات المناخية والتي ينضوي عليها تهديدا وجوديا للبشر، ولم ينل التأثير السلبي للنظم الغذائية – وهي أحد مخرجات النشاطات الحيوية – على التغيرات المناخية قدره من الإهتمام على الرغم من أن ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية حتى الآن يُعزى إلى الزراعة الحيوانية. إلا أن التطورات الأخيرة في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28) أشارت إلى أن الأمور بدأت تتغير، وأن أنظمة الغذاء أصبحت جزءًا من المناقشات العالمية حول حلول تغير المناخ. وتتطلب الطبيعة الملحة لتغير المناخ الذي لا رجعة فيه إعادة النظر في أنظمة غذائنا، ومنها ضرورة التحول إلى نظام غذائي ذو بنية نباتية، والتخلص/التقليص التدريجي من الزراعة الحيوانية المكثفة، ويتطلب ذلك تكثيف حملات التثقيف وحملات التوعية العامة. وتوضح العديد من الأدبيات أن المسار الحالي غير قابل للاستمرار، ويجب البدء بتغيير المسار نحو أنظمة غذائية مستدامة تُسهم بشكل فاعل في خفض حجم الإنبعاثات الكربونية.
تمثل البروتينات بمصدريها النباتي والحيواني عنصرا غذائيا أساسيا للإنسان، وتقليديا فاللحوم هي المصدر المفضل للبروتين في النظام الغذائي البشري، حيث يستخدمها أكثر من 80% من سكان العالم لأسباب ثقافية وجنسية وجغرافية وتوافُر وتكلفة. ويُعد استهلاك البروتين للفرد (بغض النظر عن شكله – حيواني أو نباتي) الأعلى (حسب الترتيب) في أيسلندا، وهونغ كونغ، وليتوانيا، وألبانيا وتحتل الولايات المتحدة المرتبة التاسعة. وتُعدّ الولايات المتحدة والأرجنتين وأستراليا والبرازيل وإسبانيا ومنغوليا من أكثر الدول استهلاكًا للحوم ويتراوح استهلاك تلك الدول الست وحدها ما بين 30 و55% بروتينًا أكثر من الكمية اليومية الموصى بها اللازمة للتغذية السليمة.
وتوضح الأدبيات أن إنتاج الثروة الحيوانية يُخلّف تأثيرات بيئية ومناخية ملموسة، ويُنتج أكثر من 70% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالغذاء، ولإنتاج الثروة الحيوانية المكثف العديد من العواقب السلبية الأخرى، والتي تشمل فقدان التنوع البيولوجي في بعض المناطق، وتخثث المياه – بما يعني زيادة محتواها من العناصر الغذائية غير العضوية ويُسهم ذلك في زيادة إنتاج الطحالب وغيرها من النباتات المائية – نتيجة جريان السماد والبول، وارتفاع حموضة التربة. هذا فضلا عن أنها مصدرا لكل من غاز الميثان الناتج عن التخمر المعوي وانبعاثات أكسيد النيتروز والأمونيا ، والتلوث بالنيتروجين والفوسفور الناتج عن الأسمدة والسماد العضوي المستخدم في المراعي والأراضي الزراعية المُخصصة لإنتاج الأعلاف.
ويُعدّ تناول الأطعمة الحيوانية المصدر الرئيسي للملوثات العضوية والمعادن التي تصيب الإنسان (مثل الديوكسين، ومركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور، ومركبات ثنائي الفينيل متعدد البروم ، والزئبق). وبينت دراسة ممولة من وكالة حماية البيئة الأمريكية، بهدف دراسة السلوكيات التي تؤثر على تعرض الإنسان للمواد الكيميائية البيئية، أن “اتباع نظام غذائي غني بالأسماك والمنتجات الحيوانية يؤدي إلى تعرض أكبر للمركبات العضوية الثابتة والمعادن مقارنةً بنظام غذائي نباتي، لأن هذه المركبات تتراكم بيولوجيًا عبر السلسلة الغذائية”. ورغم أنه يمكن القضاء على مسببات الأمراض البيولوجية بدرجات الحرارة العالية الناتجة عن المعالجة السليمة، فقد تبقى الملوثات العضوية الثابتة والمعادن الثقيلة في المنتج النهائي. ويقلل استهلاك البروتين الحيواني من خطر الإصابة بأوبئة جديدة في المستقبل. ويُعزى ذلك إلى أن معظم الأمراض المعدية التي تصيب البشر تنتقل من الحيوانات، وقد أدى تزايد الطلب على المنتجات الحيوانية إلى زيادة المخاطر.
والبرويتينات نباتية المصدر هي منتجًا تغذويا جوهريا في النظام الغذائي على مر العصور ويُروّج لها حديثا باعتبارها مُغذية وآمنة بيئيًا، وعنصرًا أساسيًا للأمن الغذائي. وأكدت العديد من الدراسات التي استخدمت تقييمات دورة الحياة البيئية أن البروتينات النباتية كبدائل اللحوم الحيوانية أكثر ملاءمة للبيئة. غير أن كثيرا من الدراسات، أغفلت العديد من العوامل منها طرق استخلاص البروتين النباتي وتركيزه، على الرغم من أن يكون لكل منها تأثيرات بيئية. وفي ضوء ماتم مطالعته من دراسات وتقارير يمكن استنتاج أن معظم التأثير البيئي يحدث في زراعة المحاصيل وقبل تصنيع المنتجات الغنية بالبروتين. ومع ذلك، فإن استخلاص البروتين النباتي وتركيزه وتنقيته على المستوى الصناعي يتطلب كميات كبيرة من الموارد الطبيعية والطاقة والمواد الكيميائية ومعدات متخصصة للغاية، ونادرًا ما يتم تقييمها بدقة من منظور بيئي واجتماعي وغذائي. وما من شك أن الحاجة ملحة لمواصلة تطوير سلسلة إمداد بروتين مستدامة باستخدام التكنولوجيا لزيادة وتحسين طرق استخلاص وتركيز ابروتينات وإنتاجها
وتقليديًا، يُفضّل المستهلكون البروتين حيواني المصدر من اللحوم والبيض ومنتجات الألبان، ومع ذلك يشترون المزيد من الأطعمة ذات البنية النباتية أي المُدعّمة بالبروتين النباتي ، ويُروّج لذلك باعتباره إختيارا أفضل للبيئة من البروتينات الحيوانية، صحيا، وأخلاقيا لأنه يُقلّل من عدد الحيوانات التي تُذبح . وتشير التوقعات واسعة الإنتشار بين المستهلكين إلى أن الإعتماد على استهلاك المنتجات الغذائية نباتية البنية ستُخفّف من تأثيرات تغيّر المناخ ببصمة كربونية أقل مقارنةً بالبروتينات الحيوانية.
ويُعدّ النظام الغذائي النباتي، الذي يمكن أن يشمل كميات قليلة من اللحوم، أساسًا لأنظمة غذائية صحية ومستدامة، والتي ستعود بفوائد مشتركة على الصحة والمناخ والبيئة. وتشير بعض الدراسات إلى أن بعض العوائق التي تحول دون إحداث هذا التغيير الغذائي وتقليل استهلاك اللحوم تتمثل في الاعتقاد بأن الأنظمة الغذائية النباتية غير عملية، وتستغرق وقتًا طويلاً، ومهارات تحضير الوجبات، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة المكون. ويستجيب القطاع الغذائي لهذا التغير بالزيادة الهائلة في سوق الأطعمة النباتية عالية المعالجة، والتي تتميز بسهولة تحضيرها وانخفاض سعرها، ويُسهم هذا في التغلب على بعض العوائق، ولكن يبقى هناك قلق بشأن مدى صحتها واستدامتها البيئية.
وينبغي ذكر أن العديد من البروتينات النباتية تفتقر لوجود مستويات ملحوظة من الأحماض الأمينية وخاصة الليسين والفالين والأحماض الأمينية المتفرعة السلسلة والميثيونين والسيستين المحتوية على الكبريت. ويعتقد النقاد الغذائيون أن البروتينات ذات الأصل النباتي أقل اكتمالاً من الناحية الغذائية من البروتينات ذات الأصل الحيواني بسبب نقص هذه الأحماض الأمينية
ويتطلب التحول إلى أنظمة غذائية صحية بحلول عام 2050 تغييرات غذائية جوهرية، بما في ذلك خفض استهلاك الأطعمة غير الصحية عالميًا، مثل اللحوم الحمراء والسكر، بنسبة تزيد عن 50%، وزيادة استهلاك الأطعمة الصحية، مثل المكسرات والفواكه والخضراوات والبقوليات، بنسبة تزيد عن 100%.
ومن الجدير بالذكر أن النظم الغذائية ذات البنية النباتية تؤدي إلى احتمالية خفض الإصابة بالأوبئة حيث أوضحت إحدى الدراسات انخفاض الإصابة بحالات كوفيد-19 المتوسطة إلى الشديدة بنسبة 73% لدى الأشخاص الذين يتبعون نظامًا غذائيًا نباتيًا، بل وبينت دراسة علمية أن التحول إلى النظم الغذائية نباتتية البنية أدى لزيادة المبيعات حيث أن مضاعفة نسبة الوجبات النباتية في قائمة الطعام من 25% إلى 50% (مثلاً، من خيار واحد من كل 4 إلى خيارين من كل 4 خيارات) زادت من مبيعات الوجبات النباتية (وانخفضت مبيعات وجبات اللحوم
والحاجة ماسة – خاصة على المستوى القومي – لمزيد من الدراسات والبحوث في مجالات اتجاهات استهلاك أنواع البروتين، والخيارات الغذائية المُستدامة للصحة والبيئة مع تسليط الضوء على ضرورة تعديل عمليات التصنيع الرئيسية مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات البيئية، والتحديات التي تواجهها. وينبغي التوجه نحو وضع مؤشرات ملموسة لنتائج تقييمات الاستدامة البيئية، والتركيز على النقاط الساخنة الواجب مراعاتها عند تقديم صورة كاملة للأثر البيئي للنظم الغذائية ذات البنية النباتية مع الأخذ في الإعتبار الثلاثية المتمثلة في الإنسان والكوكب والربح. وينبغي في هذا السياق أن تكون الصناعة قادرة على تحقيق هدف مستقبلي يتمثل في أن تكون جميع المنتجات قابلة لإعادة التدوير بنسبة 100% وأن يكون الأثر البيئي للتصنيع معدوم، وعلى المستهلكين تعديل أنظمتهم الغذائية الحالية بشكل كبير من خلال استهلاك كميات معقولة من البروتين وزيادة تقبلهم لخيارات غذائية جديدة أو مستقبلية من خلال بدائل البروتين، بما في ذلك بروتين الحشرات، والبروتين الفطري، والطحالب الدقيقة، كبدائل للأطعمة ذات المصادر الحيوانية.


