الخميس, يونيو 4, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالات«شفاك اعتقادك»… نظام الطيبات بين الوهم الغذائي وتوظيف الدين لمصادرة العقل

«شفاك اعتقادك»… نظام الطيبات بين الوهم الغذائي وتوظيف الدين لمصادرة العقل

مقدمة: كلمة نبوية تختصر أزمة عصر
————————————–
يُروى أن امرأة مريضة جاءت إلى السيد المسيح عليه السلام، وقد أنهكها المرض وأعياها طول المعاناة، فلما لمست ثوبه الكريم شعرت بالشفاء والعافية، فهتفت بفرحٍ تلقائي: “المسيح شفاني”.
فجاءها الجواب الذي يلخّص جانبًا عظيمًا من طبيعة النفس الإنسانية وعلاقتها بالإيمان واليقين: «شفاكِ اعتقادك».
لم يكن هذا الرد نفيًا لقدرة الله، ولا إنكارًا للمعجزة، بل كان توجيهًا عميقًا إلى أن الإيمان الصادق، والثقة الراسخة، واليقين الذي يملأ القلب، عوامل مؤثرة في حياة الإنسان وسلوكه وصحته النفسية والجسدية.
هذه العبارة الموجزة تصلح اليوم مفتاحًا لفهم كثير من الظواهر الفكرية والاجتماعية والصحية التي تنتشر حولنا، خاصة تلك التي تُقدَّم للناس في ثوب ديني، بينما هي في حقيقتها آراء بشرية وتجارب فردية جرى تضخيمها حتى تحولت إلى ما يشبه العقائد المغلقة.

ومن أبرز هذه الظواهر ما يُعرف اليوم ببعض “النظم الغذائية العقائدية” مثل مايطلق عليه نظام الطيبات والذى دار حوله جدلا واسعا بين طوائف المجتمع فى الآونة الأخيرة. وخطورة هذه النظم الغذائية أنها لا تكتفي بتقديم نصائح غذائية أو تجارب شخصية، بل تحاول أن تمنح نفسها صفة القداسة، وأن تجعل من اختيار غذائي معيّن معيارًا للصحة، بل أحيانًا معيارًا للفهم الصحيح للدين نفسه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

أولًا: من الاعتقاد الفردي إلى الوهم الجمعي..
————————————–
لا أحد ينكر أن بعض الناس قد يتبع نظامًا غذائيًا معينًا فيشعر بتحسن حقيقي في صحته ونشاطه وحالته النفسية.
وقد يترك شخصٌ نوعًا من الطعام فيتحسن هضمه، أو يمتنع عن عادة غذائية سيئة فتخفّ معاناته، أو ينتظم في مواعيد الطعام فيشعر بالنشاط والحيوية….كل هذا أمر مفهوم علميًا.
بل إن الطب الحديث يتحدث عن أثر الحالة النفسية والإيمان بالعلاج فيما يُعرف بتأثير التوقع الإيجابي أو التأثير النفسي المصاحب للعلاج، حيث يستجيب الجسد أحيانًا بصورة أفضل عندما يقتنع الإنسان بأنه يسير في الطريق الصحيح.
لكن الأزمة لا تبدأ عند التحسن الفردي…إنما تبدأ عندما يتحول هذا التحسن إلى قانون كوني.
وتبدأ عندما يصبح الاستثناء قاعدة….وتتفاقم عندما يتحول الاجتهاد الشخصي إلى فتوى عامة.
ثم تبلغ ذروتها عندما يُستخدم الدين لتخويف الناس من طعام أحله الله لهم.
فما كان تجربة شخصية نافعة لشخص معين قد لا يصلح لغيره، وما كان مناسبًا لجسد قد يكون غير مناسب لجسد آخر.
ولهذا فإن تحويل التجارب الفردية إلى تشريعات عامة هو أول أبواب الوهم.

ثانيًا: أخطر الانزلاقات… توظيف الدين في تسويق الوهم
————————————–
الخطر الحقيقي ليس في أي نظام غذائي بعينه.فالناس أحرار في اختياراتهم الغذائية ما دامت لا تضرهم….لكن الخطر يكمن حين يُستدعى النص الديني ليُستخدم أداة تسويق وإقناع، فيُقتطع من سياقه، ويُحمّل ما لا يحتمل، ويُوظَّف لخدمة فكرة مسبقة.
فنجد من يبحث عن رأي غذائي معين، ثم يبدأ رحلة التفتيش في القرآن والسنة لانتزاع ما يؤيده، متجاهلًا عشرات النصوص الأخرى التي تنقض فكرته.وهكذا تتحول النصوص من مصدر للهداية إلى أدوات للدعاية…ويصبح الهدف إثبات الفكرة لا البحث عن الحقيقة.
بينما المنهج الصحيح يبدأ من النص ثم يبني الفكرة، لا أن يبدأ بالفكرة ثم يفتش لها عن دليل.

ثالثًا: قراءة مغلوطة لآية «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير»
————————————–
من أكثر الآيات التي يُساء استخدامها في هذا الباب لترك بعض الاطعمة التى أحلها الله قول الله تعالى:﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾
فيستشهد بها بعضهم لإدانة كثير من الأغذية النباتية أو الحبوب أو ما يخرج من الأرض، وكأن القرآن يقرر تفاضلًا غذائيًا مطلقًا بين أنواع الطعام…والحقيقة أن الآية وردت في سياق مختلف تمامًا.
فالحديث عن بني إسرائيل حين أنعم الله عليهم بالمن والسلوى، وهو طعام جاءهم كرامة من السماء، ثم طلبوا بدلًا منه أصنافًا أخرى مما تنبت الأرض.
فكان الأدنى هنا أدنى في مقام التكريم الإلهي الخاص، لا في القيمة الغذائية أو الحكم الشرعي.
ولو كان كل ما يخرج من الأرض أدنى أو مذمومًا لما امتن الله به على عباده في عشرات المواضع من القرآن الكريم.

رابعًا: القرآن يقرر القاعدة الكبرى… الأصل في الطعام الإباحة..
————————————–
من أعظم القواعد التي يقررها القرآن الكريم أن الأصل في الأطعمة الإباحة.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾والخطاب هنا موجه للناس كافة.فالقاعدة هي الإذن.أما التحريم فهو استثناء محدود بنصوص واضحة.
ولهذا جاء البيان الإلهي الحاسم:
﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ إنه حصر تشريعي واضح.
ولذلك فإن كل محاولة لإضافة محرمات جديدة باسم التجارب الغذائية أو الرؤى الشخصية أو الفلسفات الصحية هي في حقيقتها تجاوز لحدود ما شرعه الله.

خامسًا: سورة عبس… البيان الإلهي الشامل لطعام الإنسان..
————————————–
حين يقول الله تعالى:﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾فإن القرآن يدعو الإنسان إلى التأمل في منظومة الغذاء كلها.
ثم تأتي الآيات مباشرة:﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا • ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا • فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا • وَعِنَبًا وَقَضْبًا • وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا • وَحَدَائِقَ غُلْبًا • وَفَاكِهَةً وَأَبًّا • مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾
إنها لوحة متكاملة.الحبوب.والعنب.
والخضروات.والزيتون.والنخيل.
والفاكهة.والمراعي.كلها نعم إلهية ومتاع للإنسان.فكيف يتحول ما سماه الله متاعًا إلى شيء يُخوَّف الناس منه أو يُحكم عليه بالتحريم المعنوي؟

سادسًا: الطيور في القرآن والجنة…
————————————–
هل يُحرَّم ما جعله الله من نعيم الآخرة؟..ومن المواضع التي يغفل عنها كثير من أصحاب التصنيفات الغذائية المتشددة أن الله سبحانه أحل لعباده الطيور، بل جعلها من صور النعيم في الجنة.يقول تعالى:﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾
ويقول سبحانه:﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ومن اللافت أن القرآن حين وصف نعيم الجنة ذكر الفاكهة وذكر اللحم، وخصّ الطير بالذكر في موضع آخر، إظهارًا لكرامة هذا النوع من الطعام ومكانته في نفوس الناس.فإذا كان الله يجعل لحم الطير من نعيم أهل الجنة، فكيف يأتي إنسان فيحكم عليه بالضرر المطلق أو يجعله من الأغذية التي ينبغي اجتنابها دينيًا؟

وكيف يجوز أن تتحول النعم أو المباح الذى بمجرد اباحته من قبل الحق سبحانه وتعالى فهى شهادة صحية له إلى شبه محرم او ضار صحيا لمجرد اجتهاد شخصي؟
إن الفرق كبير بين أن يقول طبيب لمريض: “تجنب هذا النوع من الطعام لظرف صحي خاص”، وبين أن يقول شخص للناس كافة: “هذا الطعام مخالف للفطرة أو للهدي الرباني”.الأول نصيحة طبية خاصة.
أما الثاني فتشريع عام لا يملكه أحد.
بل إن القرآن الكريم حين تحدث عن رزق البحر قال:﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾وحين تحدث عن الأنعام ذكرها نعمة ورزقًا ومتاعًا.
فمنهج القرآن ليس الإقصاء، بل التنوع.وليس التضييق، بل التوسعة.

سابعًا: السنة النبوية… بساطة بلا تعقيد ولا تصنيف
————————————–
لو كان هناك نظام غذائي وحيد أراده الله للناس جميعًا لبيّنه رسول الله ﷺ أوضح بيان.لكن المتأمل في السنة النبوية يجد منهجًا مختلفًا تمامًا.فقد أكل النبي ﷺ مما تيسر من الطعام.أكل اللحم.وأكل الخبز.وأكل التمر.وشرب اللبن.وأكل العسل.وأكل من طعام البر والشعير.
وكان يحب بعض الأطعمة أكثر من غيرها، لكنه لم يحوّل ذلك إلى تشريع عام.
ولم يجعل نوعًا من الطعام عنوان النجاة الصحية المطلقة.بل كان الهدي النبوي قائمًا على التيسير والاعتدال.ويكفي أن الله تعالى جعل اللبن نفسه آية من آيات قدرته فقال:﴿نُسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾فكيف يصبح ما امتن الله به على عباده موضع تجريم أو ذم مطلق؟

ثامنًا: المشكلة ليست في الطعام… بل في الإسراف
————————————–
الإسلام لا يبني فلسفته الصحية على الحرمان.ولا يقوم منهجه على منع المباحات.وإنما يقوم على الاعتدال.قال رسول الله ﷺ:
«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه»وقال تعالى:﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾وهذه الآية وحدها تختصر فلسفة الغذاء في الإسلام.
كلوا.واشربوا.لكن لا تسرفوا.
فالمشكلة غالبًا ليست في نوع الطعام بقدر ما هي في:الإفراط في الكمية. سوء التوازن الغذائي.. وقلة الحركة. واضطراب النوم والعادات الحياتية الخاطئة.
ولو التزم الناس بهذه القاعدة القرآنية لزالت مشكلات صحية كثيرة دون حاجة إلى معارك غذائية لا تنتهي.

تاسعًا: الصيام… مدرسة الانضباط لا حرب الطعام
————————————–
الصيام من أعظم النظم التي شرعها الإسلام لصناعة التوازن.
فهو عبادة روحية عظيمة.
وفي الوقت نفسه تدريب عملي على ضبط الشهوة وتنظيم العلاقة مع الطعام.لكن الصيام لم يكن يومًا دعوة لاحتقار الطعام أو محاربته.
ولم يكن مشروعًا لتجريم النعم التي أباحها الله.بل هو تدريب على التحكم في الرغبات لا إلغائها.
ولهذا فإن فهم الصيام على أنه حرب ضد الغذاء فهم بعيد عن مقاصد الشريعة.

عاشرًا: اختلاف الأجساد… حقيقة شرعية وعلمية
————————————–
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها دعاة التعميم تجاهل الفروق الفردية بين الناس.فالناس ليسوا نسخة واحدة.
فهناك من يناسبه غذاء معين.
وهناك من يعاني حساسية تجاه الغذاء نفسه.وهناك من يحتاج إلى نسبة أعلى من البروتين.وآخر يحتاج إلى نظام مختلف تمامًا.
وهذا أمر تؤكده علوم التغذية والطب الحديث يوميًا.
لذلك فإن امتناع شخص عن غذاء معين بسبب تجربة خاصة لا يمنحه حق إصدار حكم عام على بقية الناس.فالاستثناء الشخصي لا يتحول إلى تشريع جماعي.

الحادي عشر: المشكلة الحقيقية في عصرنا… طريقة الإنتاج لا أصل الطعام
————————————–
حين ننظر بإنصاف إلى واقع الغذاء المعاصر نجد أن كثيرًا من الإشكالات لا تعود إلى أصل الطعام نفسه، بل إلى الطريقة التي يُنتج بها.فالمبيدات المفرطة.والتسميد غير الرشيد.والملوثات البيئية. وسوء التخزين.والتصنيع المبالغ فيه.كلها عوامل قد تؤثر في جودة الغذاء وسلامته.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد الحبوب أو الفاكهة أو اللحوم أو الألبان.بل ضد الممارسات الخاطئة التي تفسد هذه النعم.
فالخلل في الإدارة البشرية، لا في خلق الله.

الثاني عشر: بين الدين والعلم… شراكة لا خصومة
————————————–
من المؤسف أن بعض الخطابات المعاصرة تحاول أن تضع الناس أمام اختيار زائف:إما الدين.وإما العلم.وكأن أحدهما نقيض الآخر.بينما الحقيقة أن الإسلام دعا إلى النظر والتفكر والتدبر.ودعا إلى طلب العلم.
وجعل الحكمة ضالة المؤمن.
فالعلم يكشف كيف تعمل الأشياء.
أما الدين فيبين لماذا خُلقت الأشياء وكيف نحسن استخدامها.
ولهذا لا يصح أن نلغي العلم باسم التدين.كما لا يصح أن نهمل الوحي باسم الحداثة.

ختاما : لا دين بلا عقل… ولا صحة بلا علم
————————————–
في زمن تتزاحم فيه الشاشات، وتتعدد فيه المنصات، وتنتشر فيه الوصفات السريعة والنظريات الجاهزة، يصبح الإنسان أحوج ما يكون إلى ميزان يزن به ما يسمع.
ذلك الميزان هو العقل المستنير بالعلم، والضمير المسترشد بالوحي.
نعم…قد يشفى الإنسان باعتقاده.
وقد يستفيد من تجربة غذائية معينة.وقد يجد في نظام ما راحة وصحة ونشاطًا.
لكن ما ينفعه شخصيًا لا يصبح بالضرورة قانونًا كونيًا.وما يناسب جسده لا يتحول إلى شريعة للناس جميعًا.والخطر يبدأ عندما يتحول الاعتقاد إلى تشريع…والتجربة الفردية إلى عقيدة…والوهم إلى دين.والرأي الشخصي إلى حكم على الخلق.
لقد أحل الله لعباده الطيبات من النبات والحبوب والثمار، وأحل لهم الأنعام، وأحل لهم صيد البحر، وأحل لهم الطيور، بل جعل لحم الطير من نعيم الجنة الذي يتلذذ به أهلها.فمن ذا الذي يملك بعد ذلك أن يضيّق ما وسّعه الله؟ومن ذا الذي يجرؤ على تحريم ما أحله الله باسم الصحة أو الفطرة أو التجربة الشخصية؟يقول الله تعالى:﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾إن الدين جاء ليحرر الإنسان من الأوهام، لا ليحبسه فيها.وجاء ليهديه إلى الاعتدال، لا إلى الغلو. وجاء ليحفظ العقل، لا ليعطله.
ويبقى العقل أمانة، والعلم فريضة، والإنصاف خُلقًا، والدين أسمى من أن يُستخدم منصةً لتسويق الأفكار أو المتاجرة بالأوهام.
ويبقى الميزان الذي لا يختل: كل ما أحله الله فهو من الطيبات، وما حرمه الله فهو من الخبائث، وما سكت عنه فهو من دائرة السعة والرحمة، فلا نضيّق ما وسّعه الله، ولا نحرّم ما أحلّه لعباده، ولا نجعل من آرائنا الخاصة دينًا يُدان الله به.
جمعة طيبة
٢٠٢٦/٦/٥
ا.د إبراهيم حسيني درويش
عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
وكيل كلية الزراعة السابق بجامعة المنوفية

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة