الجمعة, مايو 29, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img

تسليم الخليل..بوصلة السكينة واليقين.

تسليم الخليل..بوصلة السكينة واليقين.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد 
مقدمة: لماذا نفتقد السكينة؟
———————————
في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات، وتتشابك الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، باتت السكينة عملةً نادرة في قلوب كثير من الناس. نخطط ونجتهد، ثم نفزع إذا لم تسر الأمور وفق ما نريد، فنقع أسرى القلق والغضب والحيرة. والحق أن المشكلة ليست في كثرة الابتلاءات بقدر ما هي في كيفية التعامل معها.
هنا يبرز التسليم لله بوصفه مفتاحًا أصيلًا للطمأنينة، لا يُعطِّل السعي ولا يُلغِي العقل، بل يحررهما من التوتر. وأعظم مدرسةٍ تعلّمنا هذا المعنى مدرسة الخليل؛ حيث تجلّى التسليم في أقسى صور الابتلاء، فكان الجزاء أمنًا نفسيًا، وتكريمًا ربانيًا، وفداءً خالدًا.

مدرسة الخليل: التسليم حين يبلغ الامتحان منتهاه
—————————————-
قصة إبراهيم مع أسرته ليست سردًا تاريخيًا، بل منهج حياةٍ متكامل. فيها أبٌ نبيّ، وأمٌّ مؤمنة، وابنٌ بارّ، جمعهم الإيمان، ووحّدهم التسليم، فصاروا نموذجًا يُحتذى في مواجهة الشدائد.

أولًا: ترك الأسرة عند البيت الحرام… ابتلاء يفوق الوصف
—————————————-
من أشد ما تمرّ به النفس البشرية أن يُطلب منها ترك أعزّ ما تملك بلا ضماناتٍ ظاهرة. أُمر إبراهيم أن يترك زوجته السيدة هاجر ورضيعها إسماعيل عليهما السلام في وادٍ غير ذي زرع، عند بيت الله الحرام، لا ماء ولا زرع ولا أنيس.
ليس المشهد مجرد فراقٍ عاطفي، بل تهديد مباشر لبقاء الحياة. هنا تتفجر الأسئلة في عقل الإنسان العادي: كيف يعيشون؟ من يحميهم؟ أين الأسباب؟ لكن نبى الله إبراهيم لم يجادل، ولم يطلب تفسيرًا؛ سلّم لأن الآمر هو الله.
تسليم الأم… سكينة وسط الفراغ
العظمة هنا لا تقف عند تسليم الأب، بل تتجلّى بوضوح في تسليم الأم. سألت هاجر سؤال اليقين لا الاعتراض: آلله أمرك بهذا؟ فلما قيل لها نعم، أطلقت عبارتها الخالدة التي تختصر فلسفة الإيمان: «إذن لا يضيّعنا».
إنه تسليمٌ واعٍ، لا استسلامًا يائسًا. قلبٌ أدرك أن رعاية الله أوسع من كل حسابات البشر.
ويخلّد القرآن هذا المشهد بدعاء إبراهيم:﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ فكان الجزاء على هذا التسليم معجزة زمزم، وتحول الوادي القفر إلى قبلة أفئدة الناس، ومركز عمرانٍ ورسالة. هكذا يصنع التسليم: من انعدام الأسباب يولد الفيض، ومن أقصى العجز تنبثق الحياة.
الدلالة الاجتماعية والنفسية:
كم من أسرٍ اليوم تُترك في “أودية غير ذي زرع” بمعنى الفقر أو المرض أو الغربة! درس هاجر يقول لنا: قد لا يتغير الواقع فورًا، لكن السكينة تبدأ حين نثق أن الله لا يضيع من توكّل عليه، فتقوى الإرادة ويثبت السعي.

ثانيًا: «فلما بلغ معه السعي»…
—————————————-
الذبح ابتلاء القلوب لا الأجساد
إذا كان ترك الأسرة امتحان الثقة، فإن الذبح هو امتحان القلوب في ذروة تعلقها. رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه الذي طال انتظاره، والذي بلغ معه السعي؛ أي صار عونًا ورفيقًا.
هنا تتكسر المقاييس البشرية: ولدٌ بعد طول حرمان، ثم يُطلب تقديمه قربانًا! لكن العظمة أن إبراهيم لم يُخفِ الأمر عن ابنه، بل حاوره، ليكون التسليم مشتركًا وواعيًا.
يقول تعالى:﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾
فيأتي الرد الذي يهزّ القلوب:﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

طلاقة التسليم… حين يتحرر القلب
—————————————-
هذا ليس تسليم المقهور، بل تسليم الواثق. أبٌ قدّم الامتثال على عاطفة الأبوة، وابنٌ قدّم طاعة الله على حب الحياة. وحين بلغ التسليم منتهاه:﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾
جاء الفرج الإلهي:﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. والرسالة العميقة:لم يُرد الله دم إسماعيل، بل أراد تحرير القلب من التعلّق بغيره. فلما صدق التسليم، جاء الفداء، وصار الابتلاء عيدًا، والامتثال تكريمًا، وبقي الدرس خالدًا للأمة.

عيد الأضحى: أكثر من شعيرة… رسالة حياة
—————————————-
نحتفل بعيد الأضحى فنذبح الأضاحي، لكن المقصد الأسمى هو إحياء معنى التسليم. فالعيد يذكّرنا بأن الطاعة حين تُقدَّم بصدق، تُثمر سكينةً في القلب، وبركةً في الحياة. ليست العبرة بالسكين، بل بما يُذبح في الداخل: الخوف، والهلع، ووهم السيطرة المطلقة.

ثمار التسليم في حياتنا اليومية
—————————————-
1) السكينة النفسية والهدوء الداخلي
—————————————-
القلق وليد محاولة التحكم في كل شيء. أما التسليم فيعلّمنا معادلة الاتزان: سعيٌ جاد، وقلبٌ مطمئن. قال النبي ﷺ: «اعقلها وتوكل»؛ فلا عمل بلا توكل، ولا توكل بلا عمل.

2) قوة مواجهة الألم والتحديات
—————————————-
الخسائر والصدمات جزء من الحياة. التسليم لا يُلغِي الألم، لكنه يمنع اليأس. قال ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن… إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». الصبر هنا طاقة نفسية تُعين على النهوض من جديد.

3) تحقيق الأهداف ببركة
—————————————-
من سلّم لله لم يتوقف عن السعي، لكنه تحرر من التوتر المُنهِك. فيرى الفرص حين تُغلق الأبواب، ويستثمر الدروس بدل الغرق في الحسرة، فتأتي الأهداف في وقتها وبصورتها الأنسب.

العكس بالعكس: مخاطر غياب التسليم
—————————————-
1) الاحتراق النفسي..
—————————————-
الاعتراض الدائم على الأقدار يُدخل الإنسان في صراعٍ مع الواقع، فتتراكم مشاعر الغضب والإنهاك، ويضيع السلام الداخلي.

2) تشتت الجهد وضياع المعنى
—————————————-
الانشغال بالتحسر على ما فات يستهلك الطاقة التي كان ينبغي أن تُستثمر في البناء والتجاوز، فتتبدد الأهداف وتغيب البركة.

كيف نُحوّل التسليم إلى منهج عملي؟
—————————————-
اليقين بحكمة الله: ما نراه شرًا قد يحمل خيرًا مؤجلًا.
الرضا مع السعي: نعمل بجد، ونرضى بالنتائج.
الدعاء والذكر: يربطان القلب بالقوة العظمى ويهذّبان الانفعال.
التخفف من وهم السيطرة: لسنا نملك كل الخيوط؛ والطمأنينة تولد حين نُرخي قبضة التحكم.
تشبيه قريب للفهم:
كالغريق الذي ينجو حين يتوقف عن التخبط ويثق بقانون الطفو؛ كذلك القلب ينجو حين يتوقف عن الصراع ويسلّم لله بعد بذل الوسع.

ختاما: حين نرتكن إلى الركن الشديد
—————————————-
قصة الخليل وأسرته تقول لنا: السكينة لا تُستورد من الخارج، بل تُبنى في الداخل حين نُسلّم لله. التسليم ليس ضعفًا، بل قوة إيمانية تُحرر الإنسان من الخوف، وتمنحه طاقة الصبر والعمل. وكما جاء الفداء بعد الامتثال، يأتي الفرج بعد الصدق.
اللهم ارزقنا قلوبًا راضية، وأعمالًا ساعية، وتسليمًا صادقًا يسكّن نفوسنا ويقوّي عزائمنا. اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا قُدِّر لهم رضوا. وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
جمعتكم طيبة مباركة
٢٠٢٦/٥/٢٩م.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة