حين تتطهّر القلوب… يصلح المجتمع..
ا.د / ابراهيم حسينى درويش عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
يوم عرفة وخطبة الوداع: موسم صفاء وتجديد وبناء إنسان
ليست أيام الله في حياة البشر مجرد تواريخ تتكرر في التقويم، ولا مناسبات عابرة تمضي كما جاءت، بل هي محطات مراجعة، وفرص للعودة إلى الجذور، ولإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين، وبين الإنسان وربه. ويأتي يوم عرفة في قلب هذه الأيام المباركة، كذروة روحية وإنسانية، لا لأنه يوم صيام ودعاء فحسب، بل لأنه يوم تصفية داخلية، ومواجهة صادقة مع الذات، وتجديد حقيقي للنية والاتجاه.
في هذا اليوم العظيم، لا يُطلب من الإنسان أن يتحرك كثيرًا بقدميه، بقدر ما يُطلب منه أن يقف طويلًا بقلبه.
فالحج، في جوهره، ليس انتقالًا في المكان فقط، بل انتقال في الوعي والسلوك، وتحرر من أثقال النفس، وتخفف من شوائب القلوب. ولهذا كان الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم، لأن الوقوف الحقيقي هو وقوف الضمير أمام الحقيقة.
عرفة… حين يسكت الضجيج الداخلي
————————————–
في عرفة، تخفت الأصوات العالية داخل النفس. تتراجع ضوضاء المصالح، وتذوب الحسابات الضيقة، وتسقط الأقنعة التي اعتدنا ارتداءها في الحياة اليومية. يقف الإنسان هناك كما هو: ضعيفًا، محتاجًا، راجيًا، مدركًا أن ما أثقله في دنياه لم يكن فقرًا ولا تعبًا، بل تراكمات نفسية من حقد، وغل، وسوء ظن، وكِبر خفي.
وهنا يتعلم القلب درسًا بالغ الأهمية: أن أثقال القلوب أثقل من أثقال الأمتعة، وأن التخلص منها هو أول طريق القبول. فكيف نرجو رحمة الله، وقلوبنا محملة بخصومات قديمة؟ وكيف نطمع في صفاء الروح، وألسنتنا اعتادت الأذى، ونفوسنا تألف القسوة؟ إن عرفة تعلمنا أن الطريق إلى الله لا يُفتح بقلب مزدحم.
إصلاح ذات البين… عبادة منسية
————————————–
من أعظم ما تغرسه هذه الأيام المباركة في الوعي الإنساني أن إصلاح ذات البين عبادة، بل من أجلّ العبادات. فصفاء القلوب ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا قيمة مثالية يصعب تطبيقها، بل هو شرط أساسي لاستقامة الفرد والمجتمع. وما أكثر ما نُجيد المظاهر التعبدية، ونُهمل جوهرها الأخلاقي.
ما قيمة دعاء يُرفع، وقلب صاحبه ممتلئ بالضغينة؟.وما جدوى صيام وقيام، إن كنا نهدم بسلوكنا ما نبنيه بعباداتنا؟
لقد جاء الإسلام ليصنع إنسانًا سليم الصدر، لأن المجتمع لا يقوم على كثرة الشعارات، بل على سلامة القلوب. مجتمع يحمل أفراده أحقادًا صامتة، أو خصومات مؤجلة، هو مجتمع مهدد بالانفجار عند أول اختبار.
خطبة الوداع… حين تحوّلت القيم إلى ميثاق
————————————–
وفي هذا السياق، تبرز خطبة الوداع، لا كنص تاريخي يُتلى في المناسبات، بل كوثيقة إنسانية واجتماعية متجددة. كلمات قليلة، لكنها أرست قواعد بناء مجتمع متماسك: حرمة الإنسان، وكرامته، وأمنه، وحقه في أن يعيش دون خوف على نفسه أو ماله أو عرضه.
لقد أكدت الخطبة أن العبادة الحقة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن القرب من الله لا يكتمل بكثرة الشعائر وحدها، بل بحسن المعاملة. فالدين الذي لا يحمي الإنسان من الأذى، ولا يصون كرامته، ولا يُهذب السلوك، يفقد روحه وإن بقي شكله.
النية… العمل الصامت الذي يغيّر كل شيء
في هذه المواسم الإيمانية، تتأكد قيمة النية؛ تلك التي لا يراها الناس، لكنها تصنع الفارق الحقيقي عند الله. النية الصالحة قادرة على تحويل العادة إلى عبادة، والكلمة الطيبة إلى صدقة، والسعي في الإصلاح إلى قربة عظيمة.
وتجديد النية لا يكون بالشعارات الرنانة، بل بالمراجعة الصادقة للمقاصد:لماذا نعمل؟..ولماذا نغضب؟..ولماذا نخاصم؟ ولماذا نتصالح؟
حين تُصحح النية، يستقيم السلوك، ويهدأ القلب، وتصفو العلاقات. وحين تفسد النية، يصبح حتى العمل الصالح شكلًا بلا روح.
حرمة الإنسان… عبادة يومية
————————————–
ومن أعظم ما يحتاجه الناس في هذه الأيام المباركة: تعظيم حرمة الإنسان. فليس من روح عرفة، ولا من هدي خطبة الوداع، أن نؤذي بعضنا بالكلام، أو ننتهك الخصوصيات، أو نستهين بالمشاعر. الكلمة الجارحة، والاتهام الباطل، والسخرية، والتنمر، كلها خروق صريحة لميثاق الأخوة الإنسانية.
إن احترام الإنسان عبادة صامتة، لا تُرى في الصفوف الأولى، لكنها عند الله عظيمة الأجر. ومن لا يحفظ كرامة الناس في غيابهم، لن يحفظها في حضورهم، ومن يستخف بمشاعر الآخرين، يستخف بجوهر الدين دون أن يشعر.
الحج الحقيقي… انضباط ورحمة
————————————–
الحج الحقيقي يعلّمنا الانضباط والرحمة معًا:انضباطًا في السلوك،
ورحمة في التعامل.
من تعلّم أن يزاحم الملايين دون أذى، وأن يصبر دون غضب، وأن يلتزم النظام دون تذمر، قادر على أن يكون عنصر سلام في بيته، وفي عمله، وفي مجتمعه. فليس المقصود أن نعود من الحج بألقاب أو صور، بل أن نعود بقلوب ألين، ونفوس أصدق، وأخلاق أرقى.
الوقوف بعرفة… موقف يتكرر كل يوم…وإذا كانت الأجساد قد لا تبلغ عرفات، فإن القلوب تستطيع أن تقف كل يوم موقف عرفة:
توبة صادقة،وعفو كريم،وردّ للمظالم،ومدّ لجسور الصلح.
كم من خصومة لو طُويت في هذه الأيام، لكانت أقرب إلى الله من كثير من النوافل.
وكم من قلب لو صفا، لصلحت به أسرة، واستقام به مجتمع، وهدأت به نفوس كثيرة.
ختاما
————————————–
إن يوم عرفة ليس نهاية موسم، بل بداية مسار. بداية نعود فيها إلى أنفسنا أنقى، وإلى الناس أرحم، وإلى الله أصدق. فلنجعل من هذه الأيام فرصة حقيقية لإصلاح النية، وتطهير القلوب، وترميم ما انكسر بيننا، وإحياء القيم التي قامت عليها إنسانيتنا قبل أن تكون شعائرنا.
اللهم طهّر قلوبنا من الغل والحسد، وأصلح ذات بيننا، واجعلنا ممن يحفظون حرمة الإنسان قولًا وفعلًا.
اللهم كما جمعت القلوب في عرفة على الدعاء، فاجمعها على الحق، واجعلنا من عتقاء هذه الأيام، المقبولين فيها، العاملين بهدي نبيك، السائرين على طريق الخير ما حيينا.
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٥/٢٢


