السبت, مايو 16, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالاتليس كل قريبٍ حبيب

ليس كل قريبٍ حبيب

ليس كل قريبٍ حبيب

:ليس كل قريبٍ حبيب

ا.د / ابراهيم حسينى درويش ‘ عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد

يلاحظ انه في رحلة العمر، لا يتألم الإنسان من الجراح بقدر ما يتألم من مصدرها. فالسكين التي تأتيك من غريب تُوجع، لكن الطعنة التي تأتي من قريب تُربك القلب، وتُربك المعنى، وتزرع في النفس سؤالًا موجعًا: كيف اجتمع القرب مع الأذى؟
وهنا تبدأ أولى لحظات النضج… حين ندرك أن ليس كل قريبٍ حبيب، وأن بعض المسافات التي نحزن عليها كانت – في حقيقتها – نجاة مؤجلة.

الحب والأذى… معادلة لا تستقيم
—————————————-
الحب الحقيقي لا يترك وراءه كسرًا، ولا يتغذّى على وجع من يدّعيه. فالحب في جوهره أمان، وفي ثمرته طمأنينة. قال الله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾
فالسكينة معيار، لا الزينة ولا الكلمات.وقال النبي ﷺ:«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
فإذا كان هذا هو حدّ السلامة بين عامة الناس، فكيف بعلاقة يُقال عنها حب أو صداقة أو عشرة؟
الأذى المتكرر لا يُسمّى صدفة، ولا يُبرَّر بسوء فهم دائم، ولا يُغفر باسم الطيبة إلى ما لا نهاية. فالحب لا يُوجع عمدًا، ولا يستخف بالمشاعر، ولا يبرّر القسوة.

لا تُشفَ في المكان الذي مرضت فيه
—————————————-
من أكبر الأوهام التي يقع فيها الإنسان أنه يستطيع أن يتعافى وهو ما زال داخل البيئة التي أنهكته.
يبقى لأنه يخاف الوحدة، أو لأنه اعتاد الألم، أو لأنه يخشى أن يُتَّهم بالأنانية أو القسوة.
لكن الحقيقة الراسخة – دينيًا ونفسيًا – أن الاستمرار في بيئة مؤذية ليس صبرًا، بل استنزاف.
قال الله تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾..فإذا تجاوز الأذى طاقة القلب، صار الخروج حفظًا للنفس لا ضعفًا فيها.والنبي ﷺ وضع قاعدة عظيمة تختصر الطريق:«لا ضرر ولا ضرار»..فليس مطلوبًا منك أن تبقى حيث تُهان روحك، ولا أن تبرّر لمن يوجعك بحجة النية أو الماضي أو الذكريات.

الصداقة… حين تختبرها المواقف لا الصور
—————————————-
نعيش في زمن كثرت فيه العلاقات، وقلّت فيه الروابط الحقيقية.أصدقاء الصور، وأصدقاء المناسبات، وأصدقاء الضحك، وأصدقاء المصالح… لكن القليل فقط هم أصدقاء المواقف.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:«لا تُعرف أخلاق الرجال في الرخاء، ولكن تُعرف في الشدائد»
فالصديق الحقيقي:لا يتغير حين تحتاجه. لا يختفي حين تضعف
لا ينافسك على نجاحك. ولا يفرح لسقوطك سرًا.
أما من لا يحبك، فقد يشاركك الضحك، لكنه لا يحتمل فرحك، ولا يطيق ثباتك، ولا يسرّه نهوضك.

كيف تكتشف من لا يحبك ولا يتمنى لك الخير؟
—————————————-
ليست كل القلوب سواء، ولا كل الابتسامات صادقة. وهناك علامات – إن اجتمعت – وجب التوقف عندها بوعي لا بسذاجة منها:
١- يفرح بتعثرك أكثر من فرحه بنجاحك…وقد لا يُظهر ذلك صراحة، لكنه:يقلل من إنجازك
ويبرر فشلك .ويذكّرك بزلاتك القديمةقال تعالى:﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

٢- يقلل منك باسم النصيحة

النصيحة الصادقة تُبنى على الرحمة، لا على الإهانة.أما من لا يحبك، فيكسو انتقاده ثوب الحرص، ويزرع فيك الشك في قدراتك، ويكسر ثقتك بنفسك.

٣- لا يحفظك في غيابك. فمن لا يحبك: ينقل كلامك الذى يدينك
ويشوّه صورتك كما يسمح للآخرين بالانتقاص منك ويفرح لذلك
قال ﷺ:«بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»

٤- يستنزفك ولا يضيف إليك
العلاقة الصحية توازن، أما العلاقة المؤذية فهي:أخذ بلا عطاء. وشكوى بلا تقدير. وطلب دائم دون مراعاة. ووحين تضع حدًا، يُتّهم قلبك بالقسوة.

٥- لا يحترم حدودك
من لا يحبك: يغضب حين تقول “لا”. ويستفزك ليختبر صبرك
ويراك متاحًا دائمًا..بينما الحب الحقيقي يحترم المساحة، ويقدّر الخصوصية.

٦- يُشعرك بالذنب كلما اخترت نفسك..إذا شعرت أنك دائمًا:مذنب
مقصّر. وأناني….لمجرد أنك تحمي وقتك أو صحتك أو مشاعرك،فاعلم أن العلاقة مختلّة.

اللطف لا يعني التفريط
—————————————-
الدين يدعونا إلى حسن الخلق، لا إلى إلغاء الذات.قال تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾لكن الله ذاته أمر بالعدل، والعدل يبدأ من العدل مع النفس…وأن تكون لطيفًا لا يعني أن تكون هشًا.وأن تكون متسامحًا لا يعني أن تكون مستباحًا.فالرسول ﷺ – وهو أرحم الناس – كان يقول:«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»..والقوة هنا قوة وعي وحدود، لا بطش ولا قسوة.

الرحيل… حين يكون حكمة لا قطيعة
—————————————-
الرحيل من علاقة مؤذية ليس خيانة، ولا جحودًا، ولا قلة أصل.
بل أحيانًا يكون أصدق قرار تتخذه حفاظًا على قلبك ودينك وسلامك.
فليس كل من خرج من حياتك خسارة،وليس كل من بقي نعمة،
وبعض الفراق:شفاءونضج. وبداية جديدة…قال تعالى:﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

بين الصبر والاستسلام
—————————————-
الصبر فضيلة، لكن له حدًّا.
والاستسلام رذيلة، ولو سُمّي صبرًا.
الصبر:أن تحتمل وأنت تسعى للإصلاح أو تحتمل وأنت تضع حدودًا..أو تحتمل وأنت تستعد للانسحاب بسلام
أما الاستسلام:..فهو أن تُهان وتبقى
وتُؤذى وتُبرّر..وتنكسر وتُقنع نفسك أن هذا قدر…والله لم يخلقك لتكون موضع كسر دائم.

السلام الداخلي عبادة
—————————————-
حين تختار نفسك دون ظلم أحد، فأنت:تحفظ أمانة الروح. وتُحسن الظن بالله. وتغلق بابًا من أبواب الأذى…قال تعالى:﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾والقتل ليس جسديًا فقط، بل معنويًا حين نُطفئ أنفسنا لإرضاء من لا يقدّر.

ختاما
—————————————-
تذكّر دائمًا: ليس كل من اقترب أحب،وليس كل من ابتسم صادق،
وليس كل من بقي كان خيرًا.
اختر علاقاتك كما تختار طريقك…
فالقلب بيت، وليس محطة عبور لكل عابر…وإن اضطررت للرحيل، فارحل بسلام،دون ضجيج،دون انتقام،ودون كراهية…فالسلام الداخلي أثمن من ألف علاقة مزيفة.
اللهم ارزقنا بصيرةً تميّز بين القرب النافع والقرب المؤذي،
واحفظ قلوبنا من خذلان من لا يخافك فينا،وأبدلنا بمن رحلوا سكينةً وصدقًا وأمانًا،ولا تجعلنا أذىً لأحد، ولا تجعل أحدًا أذىً لنا،
واكتب لنا سلامًا داخليًا لا يعكره بشر… يا رب.
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٥/١٥

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة