مقال الاسبوع: حين يصبح النجاح جريمة
**********************
ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
ليس كلُّ طريقٍ إلى النجاح مفروشًا بالورود، ولا كلُّ تميّزٍ يُقابَل بالتصفيق. فكثيرًا ما يكون النجاح، بدايةَ معركةٍ خفيّة، لا تُرى فيها السيوف، ولكن تُشهر فيها الألسنة، وتُحاك فيها المكائد، وتُغرس فيها سهام الغيرة والحسد في صمت.
فالإنسان بطبعه يسعى للنجاح، ويجتهد، ويبذل من وقته وجهده وعرقه، حتى إذا وصل إلى شيءٍ من التميّز، ذاق طعمًا خاصًا للإنجاز، وشعر بقيمة السعي، غير أن هذا الطعم لا يكون دائمًا خالصًا؛ إذ سرعان ما يكتشف أن للنجاح ضريبة، وأن هذه الضريبة – في كثير من الأحيان – هي غيرة الآخرين وحسدهم.
وليس كل من خاصمك لأنك أسأت، ولا كل من آذاك لأنك ظلمت، فكثيرون يؤذون لأنك نجحت، ويخاصمون لأنك تقدّمت، ويعادون لأنك تميّزت. وكما قيل قديمًا:
«ما رُمِيَ أحدٌ بسهم الحسد إلا وكان هدفه الارتفاع».
الغيرة… حين تنقلب من فطرة إلى مرض
—————————————-
الغيرة في أصلها شعورٌ إنسانيٌّ فطريّ، لا يخلو منه أحد، وهي قد تكون دافعًا إيجابيًّا إذا انضبطت، حين يرى الإنسان نعمةً عند غيره فيتمنى مثلها، دون أن يتمنى زوالها عنه. وهذا المعنى هو ما سمّاه العلماء الغبطة، وهي مشروعة، بل مطلوبة، لأنها تحرّك الهمم، وتبعث على العمل والاجتهاد.
أما حين تنحرف الغيرة عن مسارها، وتتحوّل إلى تمنّي زوال النعمة عن الغير، فإنها تنتقل إلى منطقةٍ مظلمة تُسمّى الحسد. والحسد ليس مجرد شعورٍ عابر، بل موقفٌ نفسيٌّ خطير، يحمل في جوهره اعتراضًا خفيًّا على قسمة الله، وسخطًا على ما اختاره لعباده.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح حين قال تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
كما جعل الاستعاذة من شر الحاسد أمرًا إلهيًّا صريحًا:﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾فالشر هنا لا يكمن في الإحساس وحده، وإنما في ما يتولّد عنه من أفعالٍ وسلوكياتٍ تُفسد الفرد والمجتمع.
من أين يولد الحسد؟
———————————-
الحسد لا ينشأ فجأة، ولا يسقط على القلب من السماء، بل له جذورٌ عميقة، بعضها نفسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها تربوي.
أولى هذه الجذور ضعف الرضا والقناعة. فالإنسان الذي لا يرضى بما قسمه الله له، ويعيش أسير المقارنات، ينظر دائمًا إلى ما في أيدي الناس، لا إلى ما في يده، فيتحوّل قلبه إلى ساحة صراع، لا تهدأ.
وثانيها الشعور بالنقص والدونية. فكثير من الحاسدين في حقيقتهم أناسٌ لم يتصالحوا مع ذواتهم، فيرون نجاح الآخرين مرآةً تعكس فشلهم، فيكرهون المرآة بدل أن يُصلحوا صورتهم.
وثالثها سوء التربية واختلال القيم. فحين يُربّى الإنسان على أن القيمة في المال، أو المنصب، أو اللقب، أو الشهرة، يصبح من الطبيعي أن يحسد كل من سبقه إلى ذلك.
ورابعها ثقافة الاستحقاق الوهمي، حيث يرى البعض أنه الأجدر دائمًا، والأحق دائمًا، فإذا نال غيره نعمةً استكثرها عليه، وكأن الله سبحانه كان يجب أن يستشيره قبل أن يعطي…وقد قيل في هذا المعنى قولٌ بليغ:«الحاسد لا يضرّ إلا نفسه، لكنه يظن أن ضرره يقع على غيره».
الحسد في أقدم صوره: دروس من التاريخ الإنساني
—————————————-
لو تصفّحنا صفحات التاريخ، وخصوصًا القصص القرآني، لوجدنا أن الحسد كان حاضرًا في أخطر المنعطفات الإنسانية.
أول معصية في السماء كانت بسبب الحسد. إبليس لم ينكر وجود الله، ولم يجحد أمره، لكنه اعترض على حكمته، وقال في كبرياء:﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾..فكان الحسد ممزوجًا بالاستعلاء، وكانت النتيجة الطرد من الرحمة.
وأول جريمة قتل في الأرض كانت بدافع الحسد. قابيل حسد أخاه هابيل، رغم أنه لم يُبدِ له إساءة، ولم يعتدِ عليه، بل قال له في صفاء نفس:﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ومع ذلك، غلب الحسد، فكان القتل.
ثم تتكرر المأساة في قصة يوسف عليه السلام، حين حسده إخوته لا لذنبٍ اقترفه، بل لمحبة أبيهم له:
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾فكان التآمر، وكان الإلقاء في الجب، وكان الفراق الطويل، وكان الرقّ والابتلاء، وكل ذلك بسبب حسدٍ أعمى القلوب.
وهنا تتجلّى حكمةٌ عميقة:.أن الحسد قد يدفع صاحبه إلى إيذاء أقرب الناس إليه، دون أن يشعر بذنب، لأنه يرى نفسه صاحب حق.
آثار الحسد على الفرد: خرابٌ من الداخل
—————————————-
الحسد لا يمرّ على القلب مرور الكرام، بل يترك فيه آثارًا مدمّرة منها:
١- قلقٌ دائم: فالحاسد لا يهنأ، لأن سعادته مشروطة بزوال نعمة غيره.
فساد النية: تختلط المقاصد، فلا يعود يعمل لله أو للخير، بل بدافع المقارنة والانتقام.
٢- انفلات اللسان: تشويه سمعة، تقليل من شأن، تلميح، سخرية، وكلها أعراض قلبٍ مريض.
٣- ضياع الأجر: وقد قال النبي ﷺ:
«إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
وقال أحد الحكماء:«الحسد نارٌ تأكل صاحبها قبل أن تحرق غيره».
آثار الحسد على المجتمع: حين يُحارب النجاح..
—————————————-
إذا انتشر الحسد في مجتمعٍ ما، تحوّل إلى معول هدم:..تُحارَب الكفاءات بدل أن تُدعَم.ويُشوَّه الناجح بدل أن يُحتذى به.وتنتشر الشللية والمؤامرات داخل المؤسسات. ويختفي الإبداع خوفًا من الاستهداف.
ولهذا قالوا:«المجتمعات التي لا تحتمل الناجحين، محكومٌ عليها أن تبقى في الصفوف الخلفية».
كيف نُعالج هذا الداء؟
—————————————-
العلاج يبدأ من الداخل، من مراجعة النفس قبل محاسبة الآخرين:
١- تعميق الرضا بقضاء الله
وبأن نوقن أن الله أعلم حيث يجعل فضله، وأن عطاياه ليست عشوائية.
٢- مجاهدة النفس عند أول شعور بالحسد
٣- الاستعاذة بالله، والدعاء بالبركة لصاحب النعمة، فإن الدعاء يقتل الحسد في مهده.
٤- تحويل المقارنة إلى إلهام
بدل أن يحسد، يسأل: ماذا فعل لأصل؟ لا: لماذا وصل قبلي؟
٥- نشر ثقافة الفرح بالنجاح
فالناجح إضافة، لا خصم، ونجاحه لا ينتقص من غيره.
٦- التربية على القيم لا المظاهر
فالقيم إذا استقرت، صغرت المقارنات، وخمد الحسد.
٧- الوقاية خير من العلاج
من خلال ذكر الله الدائم، فهو يلين القلوب.
٨- كثرة الدعاء: بأن تقول مثلا ..اللهم قنّعني بما رزقتني.
٩- صحبة أصحاب القلوب السليمة.
١٠- تذكّر أن الدنيا زائلة، وأن النعم امتحان.وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:«ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفسٌ دائم، وحزنٌ لازم».
ختاما :
———————-
حين يصبح النجاح جريمة، فالمشكلة ليست في النجاح، بل في القلوب التي لم تتّسع له. والحسد ليس دليل قوة، بل علامة ضعف، وضعف الإيمان قبل ضعف النفس.
إننا أحوج ما نكون اليوم إلى قلوبٍ نظيفة، تُبارك ولا تُكابر، تفرح ولا تحترق، تُنافس بشرف، وتحب الخير للناس كما تحبه لنفسها.
فبالقلوب السليمة تُبنى الأوطان، وتنهض المؤسسات، ويستقيم ميزان الحياة.
اللهم طهّر قلوبنا من الغلّ والحسد، واملأها رضا ونورًا، وبارك لنا فيما أعطيتنا، واجعلنا من الذين يحبّون الخير للناس كما يحبّونه لأنفسهم، ولا تجعل في صدورنا غِلًّا للذين آمنوا.اللهم آمين.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٤/١٧
جمعة طيبة مباركة


