الجمعة, مارس 13, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeمقالاتالعشر الأواخر… حين تلتقي عبادة السماء برحمة الأرض...

العشر الأواخر… حين تلتقي عبادة السماء برحمة الأرض…

العشر الأواخر… حين تلتقي عبادة السماء برحمة الأرض...

:العشر الأواخر… حين تلتقي عبادة السماء برحمة الأرض…

ا.د / ابراهيم حسينى درويش


٦*******************
العشر الاواخر من رمضان نفحات لا تُعوَّض..
———————————
ما إن تهلّ العشر الأواخر من شهر رمضان، حتى يشعر المؤمن بأن الزمن قد تغيّر، وأن الأيام لم تعد كسابقاتها، وكأن أبواب السماء قد فُتحت على مصراعيها، تنتظر القلوب الصادقة، والنفوس المنكسرة، والأيدي الممتدة بالعطاء.
إنها أيامٌ ليست كغيرها، وليالٍ اصطفاها الله من بين سائر الليالي، فجعلها أيام العتق من النار، وضمّنها ليلة القدر، تلك الليلة التي قال الله تعالى عنها:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.أي فضلٍ أعظم من أن يُكتب للعبد في ليلة واحدة أجر عبادة تمتد لأكثر من ثلاث وثمانين سنة؟ وأي كرمٍ إلهيٍّ هذا الذي يجعل لحظاتٍ من الصدق والإخلاص قادرة على أن تغيّر مصير الإنسان، وتفتح له أبواب الرجاء والقبول؟

تشريف الليالي بنزول القرآن
——————————–
لم يكن اختيار ليلة القدر اختيارًا عشوائيًا، بل كان اختيارًا إلهيًا مرتبطًا بأعظم رسالة وأقدس كتاب؛ فقد شرفها الله بنزول القرآن الكريم، فقال سبحانه:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.فالقرآن لم ينزل في زمن رخاءٍ أو استقرار، بل نزل في واقعٍ مليء بالتحديات والصراعات، ليعلّم البشرية أن طريق الخروج من الأزمات لا يكون إلا بالعودة إلى منهج الله، وأن إصلاح الواقع يبدأ من إصلاح القلوب والعقول، ثم ينعكس سلوكًا وعدلًا ورحمة.
ومن هنا، فإن العشر الأواخر ليست مجرد موسم تعبُّدٍ عابر، بل محطة مراجعة شاملة، وتجديد عهد مع الله، وتصحيح مسار فردي ومجتمعي.

هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر
———————————
كان رسول الله ﷺ أصدق الناس فهمًا لقيمة هذه الأيام، وأعلمهم بفضلها، ولذلك كان حاله فيها مختلفًا عن سائر الشهر.
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:«كان رسول الله ﷺ إذا دخلت العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر».
إحياء الليل لم يكن مجرد إطالة في الصلاة، بل حضورًا للقلب، وصدقًا في المناجاة، وكثرة في الدعاء، واستشعارًا لعظمة الوقوف بين يدي الله.
وإيقاظ الأهل تأكيد على أن العبادة ليست شأنًا فرديًا منعزلًا، بل مسؤولية أسرية ومجتمعية.
أما شدّ المئزر، فهو كناية عن الجد والاجتهاد، وترك التراخي، واستحضار أن هذه الأيام لا تُعوَّض.

تنوع أبواب العبادة… رحمة من الله
———————————
من رحمة الله بعباده أنه لم يجعل طريق القرب واحدًا، بل فتح أبوابًا متعددة، ليتنافس الناس بحسب طاقتهم وظروفهم.
فهناك من يجد نفسه في قراءة القرآن، وهناك من يأنس بالذكر، او بالصلاة والسلام على النبى المختار ، وهناك من يخشع في قيام الليل، وهناك من يختار الاعتكاف، وهناك من تكون عبادته الأبرز في خدمة الناس وقضاء حوائجهم.
قال تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.فليس المطلوب أن نفعل كل شيء، ولكن المطلوب أن نُخلص في ما نفعل، وأن نُدرك أن العبادة الحقيقية هي التي تُغيّر القلب وتُصلح السلوك.

العبادة في زمن الأزمات..
———————————
غير أن هذه الأيام المباركة تأتينا هذا العام، والعالم يئنّ تحت وطأة أزماتٍ متلاحقة؛ حروب في الشرق الأوسط، واضطرابات اقتصادية عالمية، وارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة، وضغوط معيشية باتت تمسّ كل بيت تقريبًا.
وأصبح الحديث اليومي للناس يدور حول الغلاء، وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية، وتأمين متطلبات الحياة الكريمة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف نعبد الله في زمن الأزمات؟
الإجابة واضحة وبسيطة في جوهرها: بأن نُكمل العبادة بالرحمة، ونترجم القرب من الله إلى قربٍ من الناس.

الإنفاق… عبادة لا تقل عن قيام الليل
———————————
في ظل هذه الظروف، يصبح التقرّب إلى الله بالصدقة والجود ضرورة شرعية وأخلاقية، لا مجرد فضيلة زائدة.
قال الله تعالى:﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.
وكان رسول الله ﷺ نموذجًا حيًا للجود، فقد كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كالريح المرسلة؛ لا تُمسك خيرًا، ولا تتردد في العطاء، ولا تسأل عن المقابل.
فالصدقة في رمضان، وفي العشر الأواخر على وجه الخصوص، تأتي في وقت حاجة، ولذلك كان أجرها أعظم وأثرها أعمق.

لا معنى للتدين مع غياب الرحمة
———————————
قد يكثر الإنسان من الصلاة والصيام، لكن إن غابت الرحمة عن قلبه، ولم يشعر بآلام الناس، فقد فاته جوهر الدين.قال رسول الله ﷺ:«ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع».فكيف ندّعي الإيمان، وهناك من لا يجد قوت يومه؟
وكيف نطلب العتق من النار، ونحن نترك الناس تحترق بنار الحاجة والعوز؟
إن المجتمع المسلم لا يستقيم، ولا يرضى الله عنه، إذا بات فيه طفل جائع، أو أم مكسورة الخاطر، أو أب عاجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة لأبنائه.

الزكاة والصدقة… تطهير وبرهان
———————————
سُمّيت الزكاة زكاة لأنها تزكّي النفس وتطهر المال، وسُمّيت الصدقة صدقة لأنها تُصدّق الإيمان بالفعل.وقال النبي ﷺ:«الصدقة برهان».برهان على صدق الإيمان، وعلى سلامة القلب، وعلى الفهم الصحيح للدين، الذي لا يفصل بين العبادة والسلوك، ولا بين الإيمان والرحمة.
فالمال أمانة، وليس ملكية مطلقة، وفيه حق معلوم للسائل والمحروم.

زكاة الفطر… جودٌ واجب ورسالة رحمة
———————————
ومن أبهى صور الجود التي شرعها الإسلام في ختام شهر الصيام زكاة الفطر – أو صدقة الفطر – تلك الفريضة التي لم تُشرع عبثًا، ولم تُفرض مجرد رقمٍ يُؤدَّى، بل جاءت محمّلةً بمعانٍ إنسانية واجتماعية عميقة.
فقد شُرعت تطهيرًا للصائم مما قد يكون شاب صيامه من لغوٍ أو تقصير، وفي الوقت نفسه طُعمةً للفقراء والمساكين، كما ورد في الأثر:«فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين».
وهنا تتجلّى عظمة التشريع الإسلامي؛ إذ لم يكتفِ بتنقية العلاقة بين العبد وربه، بل ربطها مباشرة بحق الفقير، فجعل من زكاة الفطر وسيلة لإغنائه عن ذل السؤال، خاصة في يوم العيد، حتى لا يُكسر خاطر محتاج، ولا يُحرم فقير من فرحةٍ أرادها الله للجميع.
زكاة الفطر رسالة واضحة بأن المجتمع المسلم وحدة واحدة، لا تكتمل فيه العبادة إلا بالتكافل، ولا يكتمل فيه الفرح إلا إذا عمّ الجميع، وهي دليل عملي على جمال هذا الدين، وعمق اهتمامه بالمحبة والرحمة، وصيانة كرامة الإنسان.

الأزمات لا تبرر الاحتكار
———————————
من أخطر ما تفرزه الأزمات، أن يستغلها البعض لاحتكار السلع، أو رفع الأسعار، أو تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب معاناة الناس.
وهذا السلوك يتناقض تمامًا مع أخلاق الإسلام.قال رسول الله ﷺ:
«من احتكر فهو خاطئ».
فالاحتكار في زمن الشدة جريمة أخلاقية قبل أن يكون مخالفة قانونية، لأنه يُضاعف الألم، ويزرع الغضب، ويقوّض قيم الثقة والتكافل داخل المجتمع.

رسائل الطمأنينة مسؤولية الجميع
———————————
في هذه المرحلة الحساسة، نحن بحاجة إلى خطاب يزرع الأمل لا الخوف، ويبعث الطمأنينة لا القلق، ويُشعر الناس أن الخير ما زال موجودًا، وأن التكافل قادر – بإذن الله – على تخفيف الأعباء.
قال تعالى:﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والسؤال عن الجار، والدعم المعنوي… كلها صدقات لا تُستهان بها.

جبر الخواطر… عبادة خفية عظيمة
———————————
جبر الخواطر لا يحتاج مالًا كثيرًا، لكنه يحتاج قلبًا حيًا.قد يكون في كيس طعام، أو مساعدة في دواء، أو ستر محتاج، أو كلمة تُعيد الأمل لمن كاد يفقده.
وجبر الخواطر من أعظم القربات، لأن الله قريب من المنكسرين، ويجزي على هذه العبادة الخفية أجرًا لا يعلمه إلا هو.

العشر الأواخر… رسالة متكاملة
——————————–
العشر الأواخر ليست دموعًا في الليل فقط، بل أيدٍ ممتدة بالعطاء في النهار.ليست دعاءً بالكشف فقط، بل سعيًا حقيقيًا في رفع البلاء عن الآخرين.من أراد ليلة القدر، فليبحث عنها في سجوده، وفي عطائه، وفي رحمته، وفي صدقه مع الله والناس.

ختاما: هكذا نكون من العتقاء
———————————
إذا أردنا أن نكون من عتقاء هذا الشهر الكريم، فعلينا أن نجمع بين قيام الليل وجُود النهار، وبين العبادة الفردية والمسؤولية المجتمعية، وأن نُشعر الناس أن الدنيا لا تزال بخير، وأن هذا الدين ما زال حيًا في القلوب والسلوك.
اللهم بلغنا ليلة القدر،واكتبنا فيها من المقبولين،واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر،واكشف الكرب عن المكروبين،وأغنِ الفقراء، واشفِ المرضى،واجعلنا سببًا في جبر الخواطر،وتقبّل منا يا رب.
———————————
جمعة طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٣/١٣

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة