استمطار السحب
حل لأزمة المياه أم عبث بتوازن الطبيعة والمناخ؟
تُعدّ ندرة المياه من أخطر التحديات التي تواجه العالم اليوم، خصوصًا في المناطق الجافة وشبه الجافة كمنطقتنا العربية. ومع تزايد الضغوط السكانية والمناخية، اتجهت بعض الدول إلى تجربة استمطار السحب أو ما يُعرف بـ“تعديل الطقس الصناعي”، بوصفه وسيلة لتعزيز كميات الأمطار. وتقوم هذه التقنية على نثر مواد كيميائية دقيقة داخل السحب لتحفيز تكاثف بخار الماء وتكوين قطرات مطرية.
أن هذا “المطر الصناعي” الذي يبدو ظاهريًا واعدًا، يخفي وراءه مخاطر بيئية واقتصادية واجتماعية تجعل منه سلاحًا ذا حدّين، وربما يتعارض في كثير من الجوانب مع مبادئ التنمية المستدامة.
فمن الناحية البيئية، تشير الدراسات إلى أن المواد المستخدمة في الاستمطار مثل يوديد الفضة أو ثاني أكسيد الكربون الصلب (الثلج الجاف) قد تترك مخلفات كيميائية تتراكم في التربة والمياه الجوفية. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تلوث بيئي يضر بالكائنات الدقيقة والحياة النباتية والحيوانية.
كما أن التلاعب بالأنماط المطرية في منطقة معينة قد يتسبب في حرمان مناطق أخرى من الأمطار الطبيعية، مما يخلق اختلالات مناخية جديدة، ويؤثر على التوازن الهيدرولوجي العام. هذا بالإضافة إلى أن زيادة الأمطار في غير مواسمها قد تسبب فيضانات محلية أو تلفًا في المحاصيل الزراعية، بما يعزز هشاشة النظم البيئية بدلاً من استقرارها.
ومن الجانب الاقتصادي، فإن عمليات الاستمطار تتطلب استثمارات ضخمة في الطائرات، والمعدات، والمواد الكيميائية، والكوادر الفنية. ومع ذلك، تبقى النتائج غير مضمونة، إذ لا يمكن التنبؤ بشكل دقيق باستجابة السحب لعمليات البذر الاصطناعي. وتشير تقارير دولية إلى أن نسبة النجاح لا تتجاوز 10 إلى 20% في أفضل الظروف الجوية، ما يجعل الجدوى الاقتصادية محدودة. ومن منظور التنمية المستدامة، فإن تخصيص هذه الموارد المالية الكبيرة لمشاريع ذات عائد غير مؤكد، يحرم القطاعات الحيوية الأخرى مثل تحلية المياه بالطاقة المتجددة أو تطوير نظم الري الحديثة من التمويل الذي يمكن أن يحقق فوائد أطول أمدًا وأكثر أمانًا.
أما الآثار الاجتماعية والسياسية، فهي لا تقل خطورة. فقيام دولة ما باستحداث المطر داخل مجالها الجوي قد يُفسَّر في دولة مجاورة على أنه تلاعب بالمناخ أو استحواذ على الموارد المطرية المشتركة، مما قد يثير نزاعات دبلوماسية في المناطق ذات السحب العابرة للحدود. كما أن غياب الشفافية في تنفيذ هذه العمليات وضعف الدراسات المستقلة لتقييم آثارها البيئية يجعل المجتمعات المحلية تشعر بالقلق وعدم الثقة تجاه هذه المشاريع. وهناك أيضًا مخاوف من التأثيرات الصحية المحتملة للمواد الكيميائية المستخدمة على المدى الطويل، خصوصًا مع ضعف المراقبة البيئية في بعض الدول.
إن التنمية المستدامة لا تقوم على التدخل القسري في الطبيعة، بل على التكيف الواعي مع نظمها واستثمار الموارد بأسلوب يحفظ حقوق الأجيال المقبلة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستمطار الصناعي، رغم كونه خيارًا علميًا مثيرًا، لا يمكن اعتباره حلًا مستدامًا لأزمة المياه ما لم يُدمج ضمن استراتيجية شاملة لإدارة الموارد المائية، تشمل تحسين كفاءة الاستخدام، وتنمية مصادر المياه غير التقليدية، وتعزيز الزراعة المقاومة للجفاف، وتوسيع برامج حصاد مياه الأمطار الطبيعية.
ختامًا، قد يمنح استمطار السحب أمطارًا مؤقتة، لكنه لا يمنح أمانًا مائيًا مستدامًا. فالمستقبل لا يُبنى على استثارة السحب، بل على استثارة الوعي والمسؤولية في التعامل مع الموارد البيئية. والمطر الحقيقي هو ذاك الذي يسقط من وعي الإنسان قبل أن يسقط من السماء.
د /محمد الصوفي زين العابدين عزالدين
مدير إدارة بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي
خبير دولي معتمد في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة
مدرب دولي معتمد


