مؤتمر بون للمناخ… إنذار مبكر وتحليل في ضوء تقرير معهد أكسفورد للطاقة (يوليو 2025)

إعداد: د. ياسر بغدادي – خبير أول صناعات نفطية
شهدت مدينة بون الألمانية في يونيو 2025 واحدة من أكثر الجولات التحضيرية حساسية وتعقيدًا في مسار المفاوضات المناخية الدولية. فالمؤتمر، الذي جاء تمهيدًا لانعقاد مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في مدينة بيلم – البرازيل عام 2026، تحول إلى اختبار واقعي لقدرة العالم على تجاوز الخلافات القديمة وبناء توافق جديد حول قضايا التمويل والتحول الطاقي والعدالة المناخية. ووفقًا لتحليل حديث أصدره معهد أكسفورد لدراسات الطاقة (OIES) في يوليو 2025 بعنوان “The Bonn Climate Conference: a Sobering Preview of COP30”، فإن اجتماعات بون عكست حالة من الإحباط والجمود، وكشفت عن تحديات بنيوية قد تجعل قمة بيلم من أكثر مؤتمرات المناخ تعقيدًا منذ اتفاق باريس عام 2015.
منذ اليوم الأول، سيطر ملف التمويل على المشهد وألقى بظلاله على مجمل النقاشات. فقد تأخرت الجلسة الافتتاحية يومين كاملين بسبب خلاف حول “وسائل التنفيذ” المتعلقة بتمويل المناخ، ما عكس حجم الفجوة المتزايدة بين الدول النامية والمتقدمة. فبينما تطالب الدول النامية بالوفاء بالالتزامات السابقة التي أقرتها مؤتمرات المناخ الماضية، وعلى رأسها تعهد الدول الصناعية في غلاسكو عام 2021 بمضاعفة تمويل التكيف ليصل إلى 40 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2025، وهو التمويل المخصص لمساعدة الدول الأكثر هشاشة على مواجهة آثار التغير المناخي مثل الجفاف والفيضانات وارتفاع منسوب البحر، ما تزال هذه الوعود حبرًا على ورق. أما الدول المتقدمة، فواصلت التردد في تقديم التزامات جديدة، مكتفية بطرح هدف عام لجمع 300 مليار دولار سنويًا دون تحديد واضح لمصادر التمويل أو نسب المساهمة. وفي المقابل، ترى الدول النامية أن هذا الرقم لا يتناسب مع حجم التحديات الحقيقية، خاصة في ظل بطء تنفيذ صندوق الخسائر والأضرار الذي تم الإعلان عنه في مؤتمر دبي، والذي لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي بعد، ما فاقم من حالة الإحباط وانعدام الثقة في جدوى العملية التفاوضية برمتها.
ولم يتوقف الأمر عند التمويل، بل امتد إلى نقاش غير مسبوق حول آلية عمل مؤتمرات الأطراف نفسها. فبحسب تقرير معهد أكسفورد، أصبحت كفاءة منظومة COP موضوعًا رسميًا للنقاش، في ظل رغبة الرئاسة لدولة البرازيل المقبلة في تبسيط جدول الأعمال وتقليص البنود وتحديد أولويات واضحة تركز على القضايا الجوهرية. ويُعد هذا التطور اعترافًا ضمنيًا بأن تعدد الملفات وتضخم الوفود أضعفا من فعالية المفاوضات، وجعلا القرارات الختامية أقرب إلى بيانات سياسية منها إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس.
أما الخلاف حول “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري” فقد مثّل نقطة اشتباك جديدة بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. فالدول الصناعية تفسر العبارة على أنها التزام بخفض إنتاج النفط والغاز تدريجيًا، بينما تصر الدول المنتجة، وعلى رأسها البرازيل وعدد من الدول العربية، على أن المقصود هو خفض كثافة الانبعاثات عبر تحسين الكفاءة واستخدام تقنيات احتجاز الكربون والهيدروجين منخفض الانبعاثات. هذه الفجوة في الفهم تعبّر عن تعارض بين مقاربتين مختلفتين للتحول الطاقي: الأولى مثالية تسعى إلى سرعة الخروج من الوقود الأحفوري، والثانية واقعية تركز على خفض البصمة الكربونية دون الإضرار بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إلى جانب ذلك، عبّرت وفود الدول النامية عن استيائها مما اعتبرته ازدواجية في مواقف الدول المتقدمة، التي تتحدث عن العدالة المناخية في المحافل الدولية بينما تفرض قيودًا تجارية جديدة مثل آلية الاتحاد الأوروبي لتسعير الكربون عند الحدود (CBAM) . هذه الإجراءات – برأي كثير من المشاركين – تمثل صورة جديدة لعدم المساواة، إذ تضع أعباء إضافية على الصناعات في الدول النامية التي لا تملك الموارد المالية أو التكنولوجية الكافية للتأقلم معها. كما أثيرت مخاوف من أن ارتفاع تكاليف استضافة مؤتمر بيلم سيحد من مشاركة العديد من الوفود والمنظمات، ما يفاقم شعور التهميش ويهدد بمزيد من الاستقطاب داخل منظومة المناخ.
ورغم هذه الصورة القاتمة، أشار تقرير معهد أكسفورد إلى بعض التطورات الإيجابية، أبرزها إطلاق خارطة طريق مشتركة بين أذربيجان والبرازيل تحت عنوان “من باكو إلى بيلم”، تهدف إلى وضع آلية عملية لحشد 1.3 تريليون دولار سنويًا لتمويل المناخ، إضافة إلى فتح نقاش جاد حول إصلاح بنية مؤتمرات الأطراف لتصبح أكثر تركيزًا وفعالية. وتعد هذه المبادرات فرصة لإعادة بناء الثقة، بشرط أن تُترجم إلى التزامات ملموسة قبل انعقاد قمة بيلم.
تحمل نتائج مؤتمر بون دلالات مهمة للدول العربية المنتجة للطاقة، ولا سيما الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك). فالمشهد الدولي يتطلب صياغة موقف عربي موحد يوازن بين الالتزام بالمسؤوليات المناخية والحفاظ على حق التنمية واستخدام الموارد الوطنية. ومن الضروري أن تتبنى الدول العربية مفهوم “الانتقال العادل للطاقة”، الذي لا يقوم على وقف الإنتاج، بل على خفض الانبعاثات عبر الابتكار والتقنية. ويمكن لقطاعي التكرير والبتروكيماويات أن يلعبا دورًا محوريًا في هذا المسار، من خلال تحسين الكفاءة الطاقية وتطوير منتجات منخفضة الكربون واستقطاب التمويل المناخي نحو المشاريع الصناعية التحويلية. كما أن إبراز الجهود العربية في هذا المجال إعلاميًا ودبلوماسيًا سيعزز صورة المنطقة كشريك فاعل ومسؤول في التحول العالمي للطاقة.
وفي قراءة ختامية يمكن القول إن مؤتمر بون لم يكن مجرد محطة تحضيرية عادية، بل لحظة كشفت حجم التوتر بين الطموحات البيئية من جهة، والحقائق الاقتصادية من جهة أخرى. فقد أظهر أن التحول نحو طاقة أنظف لا يمكن أن يتحقق بالشعارات أو البيانات السياسية فقط، بل يحتاج إلى تعاون حقيقي وسياسات عملية تقوم على نقل التكنولوجيا وتقاسم المنافع بين الدول. وبالنسبة للدول العربية، تمثل هذه المرحلة فرصة لتأكيد دورها في قلب التحول العالمي للطاقة، ليس فقط كمصدّر للنفط والغاز، بل كشريك في إيجاد الحلول والمبادرات الواقعية التي توازن بين التنمية وحماية البيئة. فالمناخ لا ينتظر، لكن بناء المستقبل يتطلب خطوات مدروسة تقوم على الحكمة والمسؤولية والتعاون لا على التسرع وردّ الفعل.


