الإثنين, مارس 2, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeطاقةكيف تتحول 20 مليون طن سنويًا من النفايات البلاستيكية في العالم العربي...

كيف تتحول 20 مليون طن سنويًا من النفايات البلاستيكية في العالم العربي إلى فرصة ذهبية

كيف تتحول 20 مليون طن سنويًا من النفايات البلاستيكية في العالم العربي إلى فرصة ذهبية؟

إعداد: د. ياسر محمد بغدادي

خبير اول صناعات نفطية

التلوث البلاستيكي… معركة بيئية أم صراع مصالح
د. ياسر بغدادي 

أصبحت أزمة التلوث البلاستيكي واحدة من أخطر التحديات البيئية في العصر الحالي. فمع ارتفاع معدلات الإنتاج والاستهلاك، تتكدس النفايات بوتيرة غير مسبوقة. والرقم يبدو صادمًا: أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك يُنتَج سنويًا حول العالم، فيما ينتهي جزء كبير منه في مكبات النفايات أو في البيئة البحرية.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن تقليص إنتاج البلاستيك هو الحل الأسرع لمواجهة الأزمة، تكشف دراسة حديثة صادرة عن مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (KAPSARC) بالتعاون مع  Strategy& Middle East، الذراع الاستشاري لشركة PwC  العالمية، عن مسار مختلف، مسلطًا الضوء على الاستثمار في إعادة التدوير المتقدم كخيار أكثر واقعية وفعالية لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.

الدراسة تشرح أن إعادة التدوير المتقدم ليست مجرد تحسين لطرق التدوير التقليدية، بل نقلة نوعية. فهي تقنيات حرارية وكيميائية تعيد البلاستيك المستهلك إلى حالته الأولية ليُستخدم من جديد بجودة تضاهي البلاستيك البكر. هذه العملية تفتح الباب أمام معالجة أنواع البلاستيك التي تُعتبر عادةً “غير قابلة للتدوير” مثل العبوات متعددة الطبقات أو المواد الملوثة، ما يحول عبئًا بيئيًا إلى مادة أولية تدخل مرة أخرى في دورة الإنتاج.

وتشير النتائج إلى أن التوسع في هذه التقنيات قد يطلق استثمارات قد تصل إلى 25 مليار دولار بحلول عام 2045. والمثير للاهتمام أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على بناء مصانع كبرى، بل تشمل أيضًا تطوير منظومات لجمع وفرز النفايات، وإنشاء سلاسل إمداد مع الأسواق العالمية، وتحديث الموانئ والجمارك لتسهيل حركة المواد المعاد تدويرها.

اقتصاديًا، تتميز هذه المشاريع بجدواها حتى مع تغير أسعار المواد. فهي قادرة على تغطية تكاليفها وتحقيق أرباح عندما تكون كلفة معالجة الطن بين 240 -280 دولارًا، وتبقى مربحة حتى إذا ارتفعت الكلفة إلى نحو 500 دولار للطن، وذلك لأن البلاستيك المعاد تدويره يُباع عادةً بسعر أعلى من البلاستيك الخام الجديد.

الواقع أن العالم مقبل على فجوة خطيرة. فبحلول عام 2030، قد تصل الهوة بين العرض والطلب على البلاستيك المعاد تدويره إلى 35 مليون طن، نتيجة نمو الطلب بمعدل يقارب 8% سنويًا مقابل نمو لا يتجاوز 2% للبلاستيك الجديد. هذه الأرقام تضع الصناعة أمام تحدٍ حقيقي وتجعل التدوير المتقدم ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تقني.

إقليميًا، تولد دول الخليج لعربية نحو 10 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًا، لا يُعاد تدوير سوى 10% منها فقط. أما في العالم العربي ككل، فتشير تقديرات مستقلة إلى أن الحجم يتجاوز 20 مليون طن سنويًا. هذا الرقم الضخم يعني أن المنطقة تمثل سوقًا واعدة لبناء مشروعات تدوير متقدمة، سواء عبر مبادرات صغيرة ومتوسطة في جمع وفرز النفايات، أو مشاريع كبرى متكاملة تستهدف سلاسل القيمة البتروكيماوية. ومع انخفاض تكاليف الطاقة وتوفر البنية الصناعية، تبدو المنطقة مؤهلة لأن تتحول إلى مركز عالمي للتدوير المتقدم وتعظيم القيمة المضافة بدلًا من فقدانها في مكبات النفايات.

الأثر البيئي لا يقل أهمية. فكل طن بلاستيك يُعاد تدويره يوفر ما بين 1.5 – 3 أطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بإنتاج البلاستيك البكر. وإلى جانب تقليل الانبعاثات، يسهم التدوير المتقدم في الحد من التلوث البحري الذي يتجاوز عالميًا 11 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًا.

التكنولوجيا الحديثة تعزز هذا التحول. فالذكاء الاصطناعي يرفع من كفاءة عمليات الفرز والتصنيف، فيما توفر تقنية البلوك تشين (Blockchain) شفافية كاملة لتتبع مسار النفايات من جمعها وحتى إعادة تدويرها، ما يعزز ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.

ويأتي هذا الطرح في وقت حساس، إذ انقضت مفاوضات الأمم المتحدة في جنيف لصياغة اتفاق دولي ملزم لإنهاء التلوث البلاستيكي دون أن تحرز التقدم المطلوب، بسبب تباين المواقف بين الدول حول تقليص الإنتاج أو التركيز على إدارة النفايات. ومن هنا تبرز أهمية الدراسة، فهي تقدم مسارًا عمليًا يركز على إعادة التدوير المتقدم كحل واقعي قادر على تقريب وجهات النظر، وفتح الطريق أمام اتفاق مرن يوازن بين حماية البيئة ومتطلبات التنمية الاقتصادية.

 

 

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة