الإثنين, مارس 2, 2026
رئيس مجلس الإدارة : د. أشرف عبد العزيز
المشرف العام : أ. عبير سلامة
المدير التنفيذي: شروق أشرف
spot_img
Homeطاقةالتلوث البلاستيكي … معركة بيئية أم صراع مصالح؟

التلوث البلاستيكي … معركة بيئية أم صراع مصالح؟

التلوث البلاستيكي… معركة بيئية أم صراع مصالح؟

إعداد: د. ياسر محمد بغدادي ـ خبير اول صناعات نفطية

الميثانول منخفض الكربون ودورة في التحول الطاقي

شهدت مدينة جنيف، خلال الفترة من 4 – 15 أغسطس 2025، انعقاد الجزء الثاني من الدورة الخامسة للجنة التفاوض الحكومية الدولية المكلفة بصياغة اتفاقية ملزمة لإنهاء التلوث البلاستيكي، وذلك بموجب قرار جمعية الأمم المتحدة للبيئة رقم (5/14). وقد اتسمت هذه الجولة بحدة غير مسبوقة، عكست رؤيتين متناقضتين لمستقبل البلاستيك في العالم.

الفريق الأول، وتقوده مجموعة من الدول الأوروبية واللاتينية، تبنى مقاربة ترى أن الحل لا يمكن أن يبدأ إلا من المنبع، عبر تقليص إنتاج البلاستيك البِكر منذ المراحل الأولى. وقد دعا هذا الفريق إلى فرض قيود صارمة على الإنتاج، وإقرار قوائم ملزمة بالمواد الكيميائية الخطرة، معتبرًا أن أي معالجة تقتصر على النفايات ليست سوى حلول مؤقتة عاجزة عن وقف تدفق الأزمة.

أما الفريق الثاني، المكوَّن من غالبية الدول المنتجة للبلاستيك مدعومة بقوى صناعية كبرى، فقد تمسك بمقاربة مغايرة ترى أن جوهر المشكلة يكمن في النفايات البلاستيكية وليس في الإنتاج. وانطلق هذا الفريق من قناعة بأن التنمية الاقتصادية والحق في التصنيع لا ينبغي أن يكونا رهينة قيود جديدة، مؤكدًا أن الاستثمار في إدارة المخلفات، وإعادة التدوير، والابتكار التكنولوجي هو الطريق الأنسب لتحقيق الأهداف المرجوة دون الإضرار بالاقتصادات الوطنية.

لكن الخلاف لم يقف عند حدود تباين المواقف، بل تعمّق مع غياب المرونة بين الجانبين. فالدول الداعية إلى ضبط المنبع رفعت سقف مطالبها نحو قيود أكثر صرامة على الإنتاج والمواد الكيميائية، معتبرة أن أي تأجيل في هذا المسار يفاقم المشكلة. في المقابل، شددت الدول المنتجة على ضرورة تحديد نطاق الاتفاقية بدقة، رافضة فرض قيود مباشرة على الإنتاج، ومؤكدة أن التركيز يجب أن ينصب على معالجة النفايات.

وبذلك تحولت المفاوضات إلى ما يشبه لعبة شد الحبل، حيث رفع كل طرف سقف مطالبه إلى الحد الأقصى بدلًا من البحث عن حلول وسط، وهو ما عمّق الفجوة بين المواقف، وزاد المشهد تعقيدًا، وأدى إلى تعثر محاولات التوصل إلى صياغة توافقية قد تشكل قاعدة لاتفاق دولي ملزم.

هذا الانقسام انعكس بوضوح في تفاصيل الملفات المطروحة: من الجدل حول نطاق الاتفاقية والتعاريف، إلى الخلاف بشأن قوائم المواد الكيميائية، وصولًا إلى التمويل. ففي حين طالبت الدول النامية بإنشاء صندوق خاص وآلية واضحة لتقاسم الأعباء، أصرت بعض الدول المتقدمة على مبدأ الالتزامات المتساوية والمباشرة. ومع انسداد النقاش، تدخلت رئاسة اللجنة بطرح مسودات نصوص تجميعية تضمنت مختلف المواقف، لكنها لم تتجاوز كونها أرضية أولية مؤجلة إلى جولات لاحقة.

ورغم الأجواء المتوترة، يبقى للعلم والتكنولوجيا والمبادرات الدولية دور محوري في تمهيد الطريق نحو حلول واقعية. فالاستثمار في تقنيات إعادة التدوير المتقدمة، والابتكار في بدائل صديقة للبيئة، وإطلاق مبادرات عالمية لمعالجة النفايات قد يشكل جسرًا للتقريب بين الفريقين. فنجاح إدارة ملف النفايات بكفاءة يمكن أن يفتح المجال أمام معالجة تدريجية لبقية القضايا، بما يمنح المفاوضات بعدًا عمليًا يعزز فرص التوافق.

لقد أثبتت جنيف أن معركة التلوث البلاستيكي ليست مجرد قضية بيئية، بل هي أيضًا صراع إرادات ومصالح. فغياب المرونة وتشدد كل طرف في خطوطه الحمراء عرقل محاولات التقريب، ومع ذلك يظل استمرار التفاوض السبيل الوحيد للتوصل إلى اتفاقية متوازنة، شرط أن تتحول الحلول العلمية والتقنية إلى لغة تفاوضية أكثر انفتاحًا ومرونة، قادرة على ردم الفجوة بين الشمال والجنوب، وبين دعاة ضبط المنبع وأنصار إدارة المصب.

.

 

 

 

RELATED ARTICLES

أضافة تعليقًا

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة