الرئيسيةمقالاتوثيقة من أكتوبر 1973: ماذا كانت إسرائيل تعرف قبل اندلاع الحرب؟

وثيقة من أكتوبر 1973: ماذا كانت إسرائيل تعرف قبل اندلاع الحرب؟

وثيقة من أكتوبر 1973: ماذا كانت إسرائيل تعرف قبل اندلاع الحرب؟

وثيقة من أكتوبر 1973: ماذا كانت إسرائيل تعرف قبل اندلاع الحرب؟
بقلم د. منال إمام – عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 وليدة لحظة مفاجئة، كما قد توحي بعض الروايات التي ترسخت لاحقًا، وإنما سبقتها خلال أسابيع وأيام سلسلة من المؤشرات والتحذيرات والاتصالات التي جعلت احتمال اندلاع الحرب حاضرًا في حسابات عدد من أجهزة الاستخبارات وصانعي القرار.
وتكشف إحدى الوثائق الإسرائيلية المهمة، المؤرخة في 6 أكتوبر 1973، جانبًا من أجواء الساعات التي سبقت اندلاع الحرب. وهي برقية أرسلتها السفارة الإسرائيلية في واشنطن إلى وزارة الخارجية الأمريكية، بعنوان: الخشية من احتمال هجوم سوري مصري اليوم، وفي الوقت نفسه، حرصت البرقية على التأكيد أن إسرائيل لم تقم بهجوم وقائي، ونفت ما كانت تنقله المصادر المصرية بشأن تعرض القوات المصرية على قناة السويس لهجوم إسرائيلي قبل بدء العمليات العربية.
وهنا تكمن أهمية الوثيقة، فبينما كان الخطاب الإسرائيلي الموجه إلى واشنطن يركز على نفي المسؤولية عن بدء الحرب، كان عنوان البرقية نفسه يعكس إدراكًا إسرائيليًا واضحًا بأن هجومًا مصريًا سوريًا أصبح احتمالًا قائمًا في ذلك اليوم تحديدًا.
تحذيرات سبقت السادس من أكتوبر: لم يكن هذا القلق الإسرائيلي وليد الساعات الأولى من يوم الحرب. فقد كانت إسرائيل قد تلقت خلال سبتمبر 1973 عدة إشارات وتحذيرات بشأن احتمال قيام مصر وسوريا بعمل عسكري منسق.
وفي الأيام الأولى من أكتوبر ازدادت علامات القلق. فقد رصدت إسرائيل، وفق الوثائق، مؤشرات من بينها إجلاء عائلات الدبلوماسيين السوفييت من مصر وسوريا، وتحذيرات من مصادر استخباراتية بشأن احتمال تنفيذ هجوم منسق، إلى جانب ملاحظات الاستطلاع الجوي حول تنامي الانتشار العسكري المصري على امتداد قناة السويس.
لكن المفارقة أن تراكم هذه المؤشرات لم يؤدِّ إلى تقدير إسرائيلي حاسم بأن حربًا شاملة أصبحت وشيكة. فقد ظل تقدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أسير افتراض أن مصر وسوريا لن تقدما على حرب كبرى في ذلك التوقيت.
وهنا يظهر أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في قصة حرب أكتوبر: المشكلة لم تكن غياب المعلومات، بقدر ما كانت في كيفية تفسيرها.
وتكشف الوثائق الأمريكية اللاحقة أن واشنطن نفسها كانت تتابع تصاعد التوتر في المنطقة. ويقدم هنري كيسنجر في مذكراته وصفًا لافتًا للساعات الأولى من يوم السادس من أكتوبر، عندما تلقى المسؤولون الأمريكيون تحذيرات متلاحقة بشأن احتمال اندلاع الحرب.
فقد أشار كيسنجر إلى أنه استيقظ في ذلك اليوم على اتصال من مساعده لشؤون الشرق الأوسط، الذي أبلغه بأن إسرائيل ومصر وسوريا تقف على أعتاب الحرب، بعد أن نقل السفير الأمريكي في إسرائيل كينيث كيتنج ما أبلغته به جولدا مائير. وهكذا، لم تكن واشنطن أمام فراغ معلوماتي. كانت هناك اتصالات وتحذيرات وتقديرات استخباراتية تتقاطع جميعها حول احتمال انفجار الموقف.
ومع ذلك، فإن ما يلفت النظر في الوثائق هو الفارق بين وجود المعلومات وبين القدرة على بناء تقدير صحيح منها. فقد كانت بعض المؤشرات واضحة، لكن تفسيرها ظل محكومًا بتقديرات سابقة حول نوايا مصر وسوريا وقدرتهما على شن حرب واسعة.
وهذا الفارق بين «المعلومة» و«الإدراك» كان أحد أهم دروس حرب أكتوبر.
إن قراءة برقية السفارة الإسرائيلية في واشنطن بمعزل عن السياق السابق قد تقود إلى نتيجة محدودة: إسرائيل تنفي أنها بدأت الحرب بهجوم وقائي. لكن وضع البرقية في سياق الوثائق الأخرى يجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
فإسرائيل كانت تعلم أن هناك احتمالًا لهجوم مصري وسوري في السادس من أكتوبر، وكانت قد تلقت قبل ذلك تحذيرات متعددة، وكانت تراقب التحركات العسكرية المصرية والسورية، كما كانت على علم بإجراءات سوفيتية أثارت القلق. ومع ذلك، فإنها لم تبنِ على هذه المؤشرات التقدير الذي كان يمكن أن يقود إلى توقع مؤكد للحرب.
ومن هنا تأتي أهمية الوثيقة، فهي لا تقدم فقط رواية إسرائيلية عن بداية الحرب، وإنما تكشف أيضًا المناخ الاستخباراتي والسياسي الذي سبقها.
لقد كان القرار المصري والسوري بالتحرك العسكري في السادس من أكتوبر يمثل تحديًا لتقديرات إسرائيلية وأمريكية ظلت لفترة تعتقد أن اندلاع حرب واسعة ليس السيناريو الأكثر ترجيحًا.
وقد أثبتت الساعات الأولى من الحرب أن الاعتماد على التقديرات السابقة يمكن أن يصبح نقطة ضعف عندما تتغير البيئة الاستراتيجية بسرعة.
فالمعلومات كانت موجودة، والتحركات العسكرية كانت مرصودة، والتحذيرات كانت تصل، لكن الإدراك الاستراتيجي لم يواكب سرعة الأحداث.
وهذه ربما تكون إحدى أهم القواعد التي تركتها حرب أكتوبر في التاريخ العسكري والاستخباراتي: ليس المهم فقط أن تمتلك الدولة المعلومات، وإنما أن تستطيع قراءتها في سياقها الصحيح، وربط إشاراتها المتفرقة، والاستعداد للتصرف قبل أن تتحول المؤشرات إلى واقع.
لهذا فإن برقية 6 أكتوبر ليست مجرد وثيقة دبلوماسية تروي موقفًا إسرائيليًا من الساعات الأولى للحرب. إنها نافذة على واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.
فبينما كانت إسرائيل تسارع إلى التأكيد لواشنطن أنها لم تبدأ «هجومًا وقائيًا»، كانت المنطقة كلها تتحرك نحو حرب بدأت بالفعل في ذلك اليوم.
وبعد أكثر من نصف قرن، تظل الوثيقة تطرح سؤالًا يتجاوز الجدل حول الروايات السياسية: إذا كانت التحذيرات قد وصلت، والمؤشرات قد ظهرت، والتحركات العسكرية قد رُصدت، فلماذا أخفقت منظومة التقدير في الوصول إلى النتيجة الصحيحة؟
ربما تكمن الإجابة في أن أخطر الثغرات الأمنية ليست دائمًا في نقص المعلومات، وإنما في الطريقة التي نفكر بها في المعلومات التي نملكها.
وهنا تظل حرب أكتوبر درسًا خالدًا في الأمن القومي: قد ترى الدولة الخطر، لكنها لا تدركه؛ وقد تمتلك التحذير، لكنها لا تصدقه، وقد تجمع المعلومات، لكنها لا تنجح في تحويلها إلى قرار. وهذه هي المسافة الفاصلة بين المعلومة والإدراك، وبين الإدراك والقرار، وبين القرار والانتصار.
المصدر: كتاب حرب أكتوبر: دراسة تحليلية لوثائق أمريكية،

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة