محمود حمدي الفلكي.. العالم الذي خلد اسمه في تاريخ العلم
بقلم د. منال إمام – عضو المجلس العربي للتراث والثقافة – أحد المجالس العربية المتخصصة بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

من منا لا يعرف شارع الفلكي في قلب القاهرة، ذلك الشارع العريق الذي يمر به آلاف الأشخاص يومياً دون أن يتوقف كثيرون عند صاحب الاسم الذي يتصدر لافتته؟ فخلف هذا الاسم يقف واحد من أعظم علماء مصر في القرن التاسع عشر، العالم الجليل محمود حمدي الملقب بالفلكي، الذي ارتبط اسمه بالعلم والمعرفة والإنجاز، حتى أصبح رمزاً من رموز النهضة العلمية المصرية الحديثة.
وُلد محمود حمدي عام 1815 بقرية الحصة بمحافظة الغربية، في مرحلة كانت مصر تخطو فيها خطواتها الأولى نحو التحديث العلمي والتقني. ومنذ سنواته الأولى أظهر شغفاً بالمعرفة وقدرة استثنائية على استيعاب العلوم الرياضية والهندسية، الأمر الذي أهله للالتحاق بالمدارس العسكرية والهندسية، قبل أن يُوفد إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في الفلك والرياضيات.
وفي فرنسا ، حتى أصبح من الأسماء التي حظيت بالاحترام والتقدير في الأوساط العلمية الأوروبية. وخلال تلك الفترة شارك في أعمال الرصد انفتحت أمامه آفاق واسعة من المعرفة والبحث العلمي، فالتحق بمرصد باريس عام 1842، وتلقى تدريباً متخصصاً على أيدي نخبة من كبار علماء الفلك في أوروبا. وقد أسهمت هذه التجربة في صقل شخصيته العلمية وتوسيع مداركهالفلكي والدراسات المتخصصة، كما ألّف عدداً من الأعمال العلمية التي أكدت مكانته بين علماء عصره.
ولم يكن اهتمامه مقتصراً على الفلك وحده، بل امتد إلى الرياضيات والهندسة والجغرافيا، فكان من أوائل العلماء الذين أسهموا في نقل المعارف العلمية الحديثة إلى اللغة العربية. كما نال تقديراً رسمياً لتميزه العلمي، وحصل على رتبة رفيعة آنذاك، ثم عاد إلى فرنسا في بعثة علمية جديدة واصل خلالها دراساته وأبحاثه المتخصصة، وزار العديد من الجامعات والعواصم الأوروبية، مقدماً بحوثاً علمية لاقت استحسان المؤسسات الأكاديمية التي اطلعت عليها.
وعندما عاد إلى مصر عام 1859، عاد محملاً بخبرات علمية واسعة ورؤية متقدمة لدور العلم في خدمة الوطن. فكرّس جهوده لتطوير البحث العلمي والمؤسسات العلمية المصرية، وأسهم في إعداد أول خريطة علمية دقيقة لمصر، وهو إنجاز شكّل نقلة نوعية في الدراسات الجغرافية والمساحية آنذاك. كما شارك في تطوير المرصد الفلكي المصري، وأجرى أبحاثاً فلكية وجيوفيزيائية حظيت بتقدير كبير داخل مصر وخارجها.
ومن بين إنجازاته اللافتة دراساته الرائدة حول مدينة الإسكندرية القديمة، حيث جمع بين المعرفة الفلكية والتحليل الأثري والجغرافي في محاولة علمية متقدمة لفهم تخطيط المدينة القديمة ومعالمها التاريخية. ولهذا السبب ارتبط اسمه بما يُعرف اليوم بالفلك الأثري، بوصفه أحد أوائل العلماء الذين وظفوا الحسابات الفلكية في دراسة المواقع الأثرية والتاريخية.
كما امتدت اهتماماته إلى القضايا التطبيقية المرتبطة بحياة المجتمع المصري، فشارك في تطوير أساليب قياس منسوب النيل، وأسهم في أعمال الأرصاد الجوية، وقدم دراسات علمية ساعدت على فهم الظواهر الطبيعية المرتبطة بالبيئة المصرية. ومن إنجازاته العلمية المهمة أيضاً رصد عبور كوكب الزهرة أمام قرص الشمس عام 1874، وهو حدث فلكي استثنائي استقطب اهتمام العلماء في مختلف أنحاء العالم.
وإلى جانب عطائه العلمي، اضطلع بعدد من المناصب المهمة في الدولة المصرية، فتولى إدارة المهندسخانة والرصدخانة، وشغل منصب ناظر الأشغال العمومية، ثم ناظر المعارف، كما ترأس الجمعية الجغرافية المصرية. كذلك مثّل الحكومة المصرية في عدد من المحافل والمؤتمرات العلمية الدولية، وكان صوتاً معبراً عن الحضور العلمي المصري في الخارج.
وفي التاسع عشر من يوليو عام 1885 رحل محمود حمدي الفلكي بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز، تاركاً وراءه إرثاً علمياً كبيراً ما زال محل تقدير حتى اليوم. ولم يبقَ اسمه محفوظاً في الكتب والدراسات العلمية فحسب، بل خلدته مصر أيضاً في أحد أشهر شوارعها، ليظل اسم “الفلكي” شاهداً على عالمٍ أفنى حياته في خدمة العلم والمعرفة، وأسهم بجهوده وإبداعه في ترسيخ مكانة مصر على خريطة العلم في القرن التاسع عشر.
ليس من المبالغة القول إن محمود حمدي الفلكي كان نموذجاً للعالم الموسوعي الذي جمع بين النظرية والتطبيق، وبين البحث العلمي وخدمة الدولة. فقد ترك بصماته في الفلك والجغرافيا والهندسة والتعليم والإدارة العامة، وأسهم في ترسيخ ثقافة العلم في مرحلة مفصلية من تاريخ مصر الحديث. ومن ثم فإن استحضار سيرته اليوم لا يمثل مجرد استذكار لشخصية تاريخية، بل هو استدعاء لقيمة العلم ودوره في نهضة الأمم وتقدمها..


