لا يعرفون عنك شيئًا… فيخترعون عنك كل شيء! (مقال الاسبوع)
ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للإتحاد ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية
***********************”
حين تُخفى الحقيقة، ويُنشَر الشر، وتصبح الشائعة أسرع من الحقيقة… كيف نحمي مجتمعنا من ظلم الألسنة؟
—————————————
نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار أسرع من أصحابها، والكلمات تنتقل في لحظات، وقد تتحول جملة عابرة إلى قصة، والقصة إلى شائعة، ثم تصبح الشائعة عند البعض «حقيقة» لمجرد أنها تكررت على ألسنة كثيرة!
والأغرب أن بعض الناس إذا سمعوا عن إنسان خيرًا أخفوه، وإذا سمعوا عنه شرًّا نشروه، وإذا لم يسمعوا عنه شيئًا… اخترعوا شيئًا!
وهنا لا تكون المشكلة في الكلام وحده، وإنما في ظاهرة اجتماعية خطيرة تجعل الإنسان أحيانًا محاصرًا بأحكام لم تصدر عن أفعاله، وإنما عن روايات الآخرين.
قد تُقال كلمة في مجلس، فتخرج من المجلس إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى مجموعة، ومن المجموعة إلى عشرات الأشخاص، وبعد ساعات يصبح للإنسان «سيرة» لم يعشها أصلًا!
حين تتحول الألسنة إلى محاكم
—————————————
أصبح بعض الناس يحاكمون الآخرين دون أن يسمعوا منهم، ويصدرون الأحكام دون دليل، ويبحثون عن الأخطاء أكثر مما يبحثون عن الحسنات.
وقد يكون السبب غيرة، أو منافسة، أو سوء ظن، أو رغبة في التقليل من نجاح الآخرين، وأحيانًا مجرد فراغ يجعل الإنسان منشغلًا بحياة غيره بدلًا من أن ينشغل بإصلاح حياته.
لكن الحقيقة البسيطة التي يجب ألا ننساها هي:قيمة الإنسان لا تزيد عندما يقلل من قيمة غيره.
ومن أراد أن يرتفع، فليصعد بأخلاقه وعمله، لا بمحاولة إسقاط الآخرين.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تجعل الناس يرون غيرك صغيرًا، وإنما أن تجعل نفسك جديرًا بالاحترام.
الإسلام أغلق باب الشائعة قبل أن يبدأ
—————————————
لم يترك الإسلام المجتمع فريسة للظنون والأقاويل، وإنما وضع قواعد عظيمة تحفظ للإنسان كرامته وتحمي المجتمع من الفتن.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾
الحجرات: 12.
تأمل جمال الترتيب القرآني: ظن… ثم تجسس… ثم غيبة.
قد تبدأ الحكاية بفكرة لم نتأكد منها، ثم نبحث عما يؤيدها، ثم نتحدث بها إلى الآخرين، فتتحول الفكرة إلى ظلم لإنسان ربما لا يعلم أصلًا أنه أصبح موضوعًا لحديث الناس.
ولذلك جاء التوجيه القرآني واضحًا:﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾الحجرات: 6.
أي: لا تجعل أذنك محطةً أخيرة لأي خبر، بل اجعل عقلك وضميرك حارسًا قبل أن تجعل لسانك وسيلةً لنقله.
ليس كل ما يُقال يستحق أن يُقال
—————————————
في زمن وسائل التواصل، أصبح بإمكان الإنسان أن يظلم شخصًا وهو جالس في بيته.
رسالة واحدة، صورة مبتورة، مقطع خارج سياقه، تعليق ساخر، أو قصة مجهولة المصدر… وقد تنتشر في دقائق.
ولهذا، قبل أن تضغط زر «إرسال»، توقف لحظة واسأل نفسك:هل هذا الكلام صحيح؟هل أعرف مصدره؟
هل يحتاج الناس إلى معرفته؟هل فيه أذى لإنسان؟وهل أرضى أن يُقال عني الكلام نفسه؟
إذا كانت الإجابة لا… فالصمت هنا ليس ضعفًا، بل أخلاق.
والنبي ﷺ يقول:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
ما أجملها من قاعدة لو أصبحت منهجًا في حياتنا!
إما كلمة طيبة… أو صمت جميل.
هناك فرق بين النصيحة والفضيحة
—————————————
قد يقول أحدهم: «أنا لا أغتاب، أنا فقط أحذر الناس منه!»
لكن السؤال المهم: هل تنصحه أم تفضحه؟
إذا رأيت من أخيك خطأً، وأردت إصلاحه، فاذهب إليه، وانصحه برفق، واحفظ كرامته.
أما أن تجمع أخطاءه، وتنقلها إلى الناس، وتضيف إليها ما ليس فيها، ثم تقول «أنا أنصحه»… فهذه ليست نصيحة، وإنما إيذاء.
وقد جاء في الحديث:«ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
فما أجمل أن نكون ممن يسترون العيوب بدلًا من أن يفتشوا عنها.
ربما سترت عيبًا لإنسان، فستر الله لك عيبًا لا يعلمه أحد.
لا تجعلوا أبناءكم نسخة من ألسنة الكبار…مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ من مواقع التواصل، وإنما تبدأ من البيت.
فالطفل الذي يسمع أباه يسخر من الناس، أو أمه تتحدث عن أسرار الآخرين، أو يرى الكبار يتناقلون عيوب الأقارب والجيران، سيتعلم أن الحديث عن الآخرين أمر عادي.
علّموا أبناءكم أن الإنسان لا يُقاس بشكله، ولا بماله، ولا بملابسه، ولا بظروفه.
علّموهم ألا يسخروا من أحد، وألا ينقلوا سرًا، وألا يجعلوا زميلًا مادة للضحك، وألا يفرحوا بإحراج إنسان.
وقولوا لهم:إذا لم تستطع أن تقول كلمة جميلة، فلا تجعل لسانك سببًا في حزن إنسان.
فالكلمة التي يراها البعض «مجرد مزحة» قد تكون جرحًا يعيش في قلب إنسان سنوات.
وماذا نفعل إذا سمعنا شائعة؟
—————————————
هنا يبدأ دور كل واحد منا.
إذا سمعت كلامًا سيئًا عن شخص، فلا تكن الحلقة الجديدة في سلسلة الشائعة.
قل ببساطة:«لا أعلم صحة هذا الكلام، ولا أحب أن أتحدث عن شخص غائب.»بهذه الجملة الصغيرة ربما توقف ظلمًا كبيرًا.
وإذا عرفت أن الكلام غير صحيح، فلا تكتفِ بعدم نشره، بل صحح الخطأ إن استطعت.
فمن الأخلاق أن تكون أمينًا في نقل الحقيقة، كما كنت سريعًا في سماع الشائعة.
ولا تجعل كثرة من يرددون الكلام دليلًا على صحته؛ فالكذبة لا تتحول إلى حقيقة مهما تكررت.
لا تفسر نيات الناس
—————————————
من أخطر عاداتنا الاجتماعية أننا لا نكتفي برؤية الفعل، بل نخترع النية أيضًا.إن ابتسم شخص قلنا: يتصنع.وإن سكت قلنا: متكبر.
وإن نجح قلنا: محظوظ.وإن أخفق قلنا: يستحق.وإن ابتعد قلنا: متغير.
وكأننا أصبحنا نملك مفاتيح قلوب الناس!والله وحده يعلم ما في الصدور.
لذلك، من الحكمة أن نحكم على الأفعال الظاهرة، وأن نترك النيات لخالقها.
ليس كل صمت تكبرًا، وليس كل ابتعاد كراهية، وليس كل نجاح سببه الحظ، وليس كل اختلاف عداوة.أحيانًا نحتاج فقط إلى قليل من حسن الظن.
لا ترد على كل إساءة..
—————————————
ومن الحكمة أيضًا ألا تجعل حياتك ساحةً للرد على كل كلمة.
ليس كل كلام يستحق الرد، وليس كل إشاعة تستحق أن تركض خلفها.
أحيانًا يكون الرد عليها سببًا في انتشارها أكثر.
اجعل عملك هو ردك، وأخلاقك هي شهادتك، ونجاحك هو جوابك.
فالإنسان لا يستطيع أن يغلق أفواه الناس، لكنه يستطيع أن يجعل سيرته أقوى من كلامهم
وإذا كان كل من أساء إليك يستطيع أن يسرق يومك وراحتك، فأنت بذلك تعطيه أكثر مما يستحق.
دع بعض الكلام يمر… فليس كل سهم يستحق أن ترفعه من الأرض لتعيده إلى صاحبه.
لنبدأ بأنفسنا
نحن نريد مجتمعًا بلا شائعات، لكن هل نشارك نحن في نشرها؟
نريد الناس أن يحسنوا الظن بنا، فهل نحسن الظن بهم؟
نغضب عندما يتحدث أحد عن عيوبنا، فهل نتحدث نحن عن عيوب الآخرين؟
نريد أن تُحفظ أسرارنا، فهل نحفظ أسرار الناس؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن سؤال: «لماذا تغير الناس؟» ونبدأ بسؤال: «ماذا أستطيع أنا أن أغير؟»
فلنبدأ من أنفسنا:لا تنقل خبرًا بلا دليل.
—————————————
لا تفسر نية لا تعرفها.لا تحكم على إنسان من موقف واحد.
لا تجعل خطأً واحدًا يلغي تاريخًا كاملًا من الخير.
لا تفرح بسقوط أحد…ولا تجعل لسانك بريدًا يحمل الأذى من إنسان إلى آخر.
وحين تُظلم… تذكر أن الله يعلم
قد يسيء الناس فهمك.
قد ينقل عنك أحدهم كلامًا لم تقله.
قد تُتهم بشيء لم تفعله
وقد تجد نفسك عاجزًا عن شرح الحقيقة لكل شخص.
في هذه اللحظة، تذكر أن هناك من يعلم الحقيقة كاملة:
وهو الله.يعلم من قال، ومن نقل، ومن ظلم، ومن افترى، ويعلم أيضًا حقيقة من ظُلم….قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾الحج: 38.
فلا تجعل كلام الناس يهدم سلامك الداخلي.
—————————————
إذا كنت صادقًا مع الله، مستقيمًا في عملك، حريصًا على ألا تؤذي أحدًا، فلا تستنزف نفسك في مطاردة كل كلمة قيلت عنك.
فالزمن كفيل بكشف الكثير، والأيام أصدق من الألسنة وستظهر الحقيقة ..
فلنُعد للستر مكانه
—————————————
نحن لا نستطيع أن نمنع كل شائعة، لكننا نستطيع ألا نكون جزءًا منها.
لا نستطيع أن نُجبر الجميع على حسن الظن بنا، لكننا نستطيع أن نحسن الظن بالناس.
لا نستطيع أن نمنع الآخرين من الحديث عنا، لكننا نستطيع أن نجعل أعمالنا وأخلاقنا أقوى من كلامهم.
فلنُعد إلى مجتمعنا قيمًا جميلة كادت تضيع:واهمها التثبت عند الخبر، والستر عند العيب، وحسن الظن عند الشك، والإنصاف عند الحكم، والصمت عند الجهل.
فرب كلمة رفعت إنسانًا، ورب كلمة كسرت قلبًا.ورب شائعة هدمت علاقة عمرها سنوات.ورب موقف صادق أوقف ظلمًا كبيرًا.
وفي النهاية…
—————————————
إذا سمعت عن أخيك خيرًا فانشره، وإذا سمعت عنه شرًّا فتثبت، وإذا كان في الكلام أذى فلا تكن أنت من يحمله إلى الآخرين.
وإذا لم تعرف عنه شيئًا…فلا تخترع له حكاية.لأن الناس أمانات، والسمعة أمانة، والكلمات أمانات.
وأجمل ما يمكن أن نتركه خلفنا ليس كثرة الكلام عن الآخرين، وإنما سيرة طيبة لا تحتاج إلى دفاع.
فمن عرف الله، لا يهمه أن يعرفه كل الناس… ومن عاش بالصدق، لا يخاف من حكايات الكاذبين.
اللهم اجعل ألسنتنا عامرةً بالخير، وقلوبنا نقيةً من الحسد والغيبة وسوء الظن، واحفظنا من أذى الكلام، وارزقنا حسن الظن والستر والإنصاف، واجعلنا ممن يقولون خيرًا أو يصمتون.
اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك، واجعل سيرتنا طيبةً وقلوبنا مطمئنة. اللهم آمين.
————————-
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/٨/٧


