الرئيسيةمقالاتسِـرُّ اسْمِ اللَّهِ *المُقْسِطِ

سِـرُّ اسْمِ اللَّهِ *المُقْسِطِ

كتبت د. إيناس عمر الصاوي — عضو الإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

مِيزَانُ العَدْلِ القُدْسِيِّ وَيَنْبُوعُ الطَّمَأْنِينَةِ فِي وِجْدَانِ المَظْلُومِينَ

نافذة البداية ومفتاح الخلاص

حين تضطرب الموازين في عيون البشر، وتطغى قوة الباطل حيناً على الحق، ويقف الإنسان عاجزاً أمام جور الأيام وقسوة الواقع، باحثاً عن إنصاف يرمم جراح روحه ويقتص له من خيبات الظلم؛ تشرق في أفق الروح الأنوار القدسية لاسم الله “المُقْسِطِ”. إنه الملك الحق الذي لا تأخذُه في الحق لومة لائم، والذي ينصب موازين القسطاس المستقيم بحكمة بالغة وعدل مطلق لا يظلم مثقال ذرة. إن العدل الإلهي هنا ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو قدر نافذ يأتيك بالحق ولو بعد حين، ليرد الحقوق إلى أصحابها، ويجبر الكسر، ويضع كل شيء في نصابه الصحيح، فلا يشعر المؤمن مع عدل ربه باليأس أبداً مهما استقوت ظلمات الظلم.

التأصيل اللغوي والبياني

يأتي اسم “المقسط” في لغة العرب من الجذر اللغوي (ق س ط)، ويطلق على معنيين متضادين يفصل بينهما السياق؛ فـ “القَاسِط” (بغير ألف) هو الجائر الظالم، أما “المُقْسِط” (بالألف وإثباتها) فهو العادل المنصف الذي يعطي كل ذي حق حقه. يقال: (أقسط الرجل) أي عدل وأنصف، وأقسط حق غيره إذا أداه كاملاً غير منقوص.

وفي التوجيه العقدي والبياني، فالله سبحانه وتعالى هو “المقسط” الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، والذي يقيم العدل التام في ملكوت السموات والأرض. وقد ورد الفعل الدال على هذا الاسم الجليل في كتاب الله تعالى في مواضع تعظم شأن العدل، كقوله تعالى في سورة الحجرات: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله سبحانه في سورة الممتحنة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله جل وعلا في سورة الجن: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا). واسم الله المقسط يتجلى في أتم صوره حين يعم الميزان الإلهي الكون كله، فلا تضيع لامرئٍ ذرة خير، ولا يفلت ظالم من سلطان العدل المطلق.

آفاق التدبر والمعاني القرآنية والدقة النصية

حين نتأمل كتاب الله عز وجل بقلب خاشع متدبر، نجد أن اسم “المقسط” يغرس في النفس سكينة مطلقة ويقظة ضمير، وتأمل معي دقة التعبير القرآني العظيم في سورة الأنبياء في بيان دقة الموازين الإلهية يوم القيامة: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)، حيث تتجلى عدالة “المقسط” في أبها صورها، فلا يضيع عناء صابر ولا تمر خطيئة ظالم دون حساب.

ومن أعظم آفاق التدبر أيضاً، ما ورد في سورة الأعراف في إرساء قاعدة العدل الرباني الشامل في القضاء بين الخلق: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، ليرتبط القسط والإقساط بالتوحيد الخالص واستقامة القلوب.

ومن أعمق لطائف هذا الاسم في القرآن الكريم؛ ما جاء في سورة آل عمران في إعلان شهادة الوحدانية والعدل المطلق من الله عز وجل وملائكته وأهل العلم: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فقيامه سبحانه بالقسط هو قوام ملكه وثبات أمان الأكوان من حولنا.

الدروس والإسقاطات الواقعية

الدرس الأول: الطمأنينة المطلقة بأن حقوق المغبونين والمظلومين محفوظة في سجلات عدل لا ينام، وأن “المقسط” سيعيد الحقوق لأصحابها في أتم وأعظم صورة.
الدرس الثاني: التخلق بخلق العدل والإنصاف في التعامل مع النفس ومع الآخرين، في البيت، وفي العمل، وفي القول والحكم، فلا تأخذنا العاطفة عن قول الحق.
الدرس الثالث: الحذر كل الحذر من ظلم العباد أو بخسهم أشياءهم، لعلم العبد أن بينه وبين عدل “المقسط” مواقيت لا محالة آتية.

التطبيق العملي في الحياة

حين يستقر في قعر قلبك ويقينك أن الله هو “المُقْسِطُ”، تتهدّم جدران القلق على الحقوق الضائعة، وتدرك أن ما أخذه الناس بالباطل سيرده المقسط بعدله؛ ففوض أمرك إليه، واجعل الإنصاف دليلك في كل خطواتك، واثقاً بأن ميزان الملكوت لا يخطئ أبداً.

يا من أعباتك جَوْر الأيام وظلم البشر، وطال انتظارك لإنصاف مكسور؛ افتح بصيرتك لاسم الله “المُقْسِطِ”. والله ما استنجد مظلوم بعدل ربه إلا أتاه الإنصاف من فوق سبع سماوات، فشفى صدره ورد غيبته.

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة