الرئيسيةمقالاتحين يسقط القناع... لماذا يختفي المصفقون عند أول عاصفة

حين يسقط القناع… لماذا يختفي المصفقون عند أول عاصفة

حين يسقط القناع… لماذا يختفي المصفقون عند أول عاصفة
***************************
بقلم: أ.د. إبراهيم حسيني درويش
مقدمة
من أكثر المشاهد إيلامًا في الحياة أن تكتشف متأخرًا أن كثيرًا ممن كانوا يبتسمون لك لم يكونوا يحبونك، وإنما كانوا يحبون الاقتراب منك. وأن من أكثروا التصفيق لك، كانوا أول من صمت عندما احتجت إلى كلمة حق، بل وربما تحول بعضهم إلى شهود زور على سقوطك.
إنها لحظة قاسية… ليست لأن الناس تغيروا، ولكن لأن الأقنعة سقطت.
كم من إنسان عاش سنوات يظن أن حوله جيشًا من المحبين، حتى جاءت أول أزمة، فإذا به يقف وحيدًا، يتلفت فلا يجد إلا القليل، وربما لا يجد أحدًا. عندها يدرك أن كثرة المصفقين ليست دليلًا على المحبة، وأن الزحام حول الناجحين قد يكون زحام مصالح لا زحام وفاء.
وهنا تبدأ النفس رحلة مؤلمة من الأسئلة: لماذا حدث هذا؟ هل كنت مخدوعًا؟ وهل الخطأ في الناس أم في طريقة قراءتي لهم؟ وكيف أستعيد اتزاني فلا أفرح بمدح المادحين، ولا أنكسر بذم القادحين؟

النفس البشرية… عاشقة للثناء
—————————————-
خلق الله الإنسان محبًا للتقدير، يفرح بالكلمة الطيبة، ويأنس بالثناء، ويضيق بالنقد والذم. وهذه فطرة لا تُلام في أصلها، لكنها تتحول إلى آفة حين يصبح رضا الناس هو مصدر سعادتنا الوحيد.
عندها يتحول المدح إلى إدمان، ويصبح الإنسان أسيرًا لنظرات الآخرين، يقيس قيمته بعدد المادحين، ويظن أن كثرة التصفيق تعني صحة الطريق.
ولذلك كان أخطر ما يصيب الإنسان أن يربط مكانته بما يقوله الناس عنه، لأن الناس متقلبون، وقلوبهم تتغير، وأهواءهم تتبدل، أما الحق فلا يتبدل.

المتملقون… أخطر من الأعداء
—————————————-
ليس العدو هو أخطر من يقف في طريقك، فالعدو تعرفه فتحتاط منه.
أما المتملق فهو الخطر الحقيقي، لأنه يدخل إلى قلبك من باب المديح.
إنه يزين لك كل شيء، ويخبرك أنك دائمًا على صواب، وأنك لا تخطئ، وأن الجميع يحبك، حتى إذا تبدلت الظروف، أو انتهت المصلحة، انقلب عليك كأنك لم تكن يومًا تعرفه.
ولذلك كان السلف يخشون كثرة المديح، لأنهم يعلمون أن بعض الثناء قد يكون سمًا مغلفًا بالعسل.
قال أحد الحكماء:”احذر من يمدحك بما ليس فيك، فإنه سيذمك بما ليس فيك.”

لماذا ينقلب الناس عند الأزمات؟
—————————————-
الأزمات لا تغيّر الناس، وإنما تكشف حقيقتهم.
فكما تكشف النار معدن الذهب، تكشف الشدائد معادن البشر.
هناك من يبقى معك لأنه يحبك.
وهناك من يبتعد لأنه لا يحتمل الضغط.
وهناك من ينتظر سقوطك ليشعر أنه انتصر.
وهناك من يشارك في هدمك لأنه كان يخفي غيرةً أو حقدًا أو حسدًا لم يجد فرصة للظهور إلا عندما ضعفت.
ولذلك قيل:”إذا أردت أن تعرف مقامك عند الناس، فلا تنظر إلى من يضحك معك، ولكن انظر إلى من يقف معك حين يبكي الجميع عليك.”

حين يصبح الصمت خيانة
—————————————-
من أشد صور الألم أن ترى من يعرف الحقيقة يختار الصمت.
ليس لأنه يجهل الحق، ولكن لأنه يخشى خسارة الآخرين.
وهنا يتضاعف الوجع، لأنك لا تتألم من كلام الحاقدين بقدر ما تتألم من صمت المنصفين.
وقد قال رسول الله ﷺ:”انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.”أي أن تمنعه من الظلم، وتقف معه إذا ظُلِم.
فالساكت عن الحق شريك في ضياعه، وإن لم ينطق بكلمة.

الحقد… نار تحرق صاحبها قبل غيره
—————————————-
فالحاقد لا تؤلمه أخطاؤك بقدر ما يؤلمه نجاحك. ويرى في كل إنجاز لك هزيمة له.
ويفسر حسناتك على أنها رياء، وصمتك ضعفًا، وكلامك تكبرًا.
ولذلك قال الله تعالى:﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.إن الحسد لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن أي رواية تهدم صورة الناجح.ولهذا تنتشر الشائعات غالبًا حول أصحاب التأثير، لأن الأشجار المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة.

المدح والذم… امتحانان لا امتحان واحد
—————————————-
كثيرون يظنون أن الابتلاء يكون بالذم فقط.والحقيقة أن المدح قد يكون أخطر.فالذم يكشف صبرك.
أما المدح فيكشف إخلاصك.
قال تعالى:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لمن مدحه:”اللهم إنهم لا يعلمون مني ما تعلم، فاغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون.”ما أروع هذا الميزان…
لا يغتر بالثناء…ولا ينهار أمام الهجوم…بل يبقى قلبه معلقًا برضا الله وحده.

من جعل الناس غايته… تعب
—————————————-
إذا كان همك أن يرضى عنك الجميع، فأنت تطارد المستحيل.
فالناس مختلفون في عقولهم، وأمزجتهم، ومصالحهم.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“رضا الناس غاية لا تُدرك.”
فلماذا نستنزف أعمارنا في محاولة إرضاء من لن يرضى؟
ولماذا نترك ميزان السماء، ونركض خلف موازين البشر المتقلبة؟

كيف تنجو من هذا الألم؟
—————————————-
النجاة تبدأ من تصحيح البوصلة.
أولًا: اجعل نيتك لله وحده.
فمن عمل لله، كفاه الله الناس.
قال تعالى:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
ثانيًا: لا تفسر كل انسحاب بأنه خيانة.
فبعض الناس ضعفاء، وليسوا أشرارًا.
ثالثًا: لا تجعل الأزمة سببًا لكره الجميع.فالناس ليسوا نسخة واحدة.
رابعًا: حافظ على أخلاقك حتى مع من ظلمك.
فالانتقام قد يريح الغضب، لكنه لا يبني النفس.
خامسًا: اعلم أن الزمن يكشف الحقائق.
كم من مظلوم أصبح رمزًا.
وكم من ظالم سقط تحت ثقل ظلمه.

الله يتولى الدفاع عن المخلصين
—————————————-
أجمل ما يطمئن القلب أن الله لا يضيع عباده الصادقين.
قد يسكت الناس…وقد يصدقون الشائعة…وقد يتخلّى القريب…
لكن الله لا يتخلى عن عبد أخلص له.
قال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.تأمل كلمة “يدافع”…
لم يقل يعينهم فقط…
بل يتولى الدفاع عنهم بنفسه.
فأي طمأنينة أعظم من ذلك؟
قد يتأخر ظهور الحقيقة، لكنه لا يضيع.وقد يطول الليل، لكنه لا يمنع طلوع الفجر.

اصنع قيمتك عند الله لا عند الناس
—————————————-
لا تجعل حياتك مشروعًا لجمع التصفيق.ولا تجعل نجاحك رهينة بعدد من يمدحك.فمن عاش ينتظر الثناء مات كلما توقف المديح.
ومن عاش لله بقي ثابتًا، سواء صفق الناس أم انصرفوا.
تذكر دائمًا أن كثيرًا من العظماء لم يعرف الناس قيمتهم إلا بعد رحيلهم.وأن كثيرًا ممن ملأت أسماؤهم الدنيا ضجيجًا، لم يبق منهم إلا الذكر السيئ.
العبرة ليست بما يقوله الناس اليوم، وإنما بما يسجله الله لك في صحيفتك.

ختاما
—————————————-
إذا مررت يومًا بتجربة انفض فيها الناس من حولك، فلا تحزن كثيرًا.
ربما كانت تلك المحنة منحة إلهية، غربلت القلوب، وأسقطت الأقنعة، وكشفت لك من يستحق أن يبقى في حياتك.
واعلم أن الذين يجتمعون حول المصلحة يرحلون برحيلها، أما الذين يجتمعون حول المودة الصادقة فيبقون وإن ضاقت الدنيا.
فلا تغتر بمدح المادحين، ولا تنكسر لقدح القادحين، ولا تجعل قلبك أسيرًا لكلمات البشر، فإنها تتغير بتغير الأهواء.
اجعل ميزانك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، واجعل شعارك قول النبي ﷺ: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».
واعلم يقينًا أن الإنسان قد يخسر جمهورًا من المصفقين، لكنه إذا ربح رضا الله فقد ربح كل شيء، وأن من صدق مع الله، هيأ الله له من يدافع عنه، وأخرجه من ظلمات الحقد، إلى نور المحبة، ومن ضيق الظلم، إلى سعة الإنصاف، ومن قسوة القلوب، إلى كرامة القبول.
فاجعل قلبك مع الله… ودع الناس يقولون ما شاءوا؛ فإن كلامهم يزول، أما ما عند الله فهو الباقي.
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى دروش
٢٠٢٦/٧/١٧

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة