حين سقط قناع التوازن: كيف انحازت واشنطن لإسرائيل في حرب أكتوبر؟
بقلم : د. منال إمام – عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

في الحروب، لا تكشف مواقف الدول من خلال التصريحات وحدها، وإنما من خلال ما تفعله عندما تتغير موازين القوة على الأرض. وحرب أكتوبر 1973 تقدم واحدة من أوضح الحالات التي يمكن من خلالها اختبار الخطاب الأمريكي عن «التوازن» في الشرق الأوسط.
فقد قدمت الولايات المتحدة نفسها آنذاك بوصفها قوة تسعى إلى وقف الحرب ومنع اتساعها، غير أن الوثائق الأمريكية الرسمية التي كُشف عنها لاحقًا ترسم صورة أكثر تعقيدًا: واشنطن لم تكن وسيطًا محايدًا يقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، بل كانت ترى في بقاء إسرائيل قوية وعدم السماح بهزيمتها مصلحة أمريكية أساسية.
عشب النيكل …… عندما دخل السلاح الأمريكي إلى قلب المعركة
بعد أن تعرضت إسرائيل لخسائر عسكرية كبيرة في الأيام الأولى للحرب، اتخذ الرئيس ريتشارد نيكسون قرارًا بإعادة تزويدها بالسلاح. وفي 14 أكتوبر بدأت الطائرات الأمريكية تصل إلى إسرائيل ضمن عملية «عشب النيكل» (Nickel Grass)، التي استمرت حتى منتصف نوفمبر.
لم يكن الأمر مجرد إمداد محدود أو مساعدة لوجستية عابرة. فقد نقل الجسر الجوي الأمريكي مئات الاطنان من الذخائر والعتاد، وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن قرار إعادة الإمداد جاء بعدما طلبت إسرائيل من واشنطن المساعدة، وأن نيكسون وافق لأنه لم يكن يريد رؤية إسرائيل تُهزم.
وعندما بدأت الكفة العسكرية تميل لصالح القوات العربية، لم تكتفِ واشنطن بالدعوة إلى وقف القتال، وإنما تدخلت مباشرة لإعادة بناء القدرة العسكرية الإسرائيلية. وبعد بدء الجسر الجوي الأمريكي، تغير مسار العمليات بصورة واضحة، وتمكنت القوات الإسرائيلية من عبور قناة السويس والانتقال إلى الهجوم المضاد.
كان ذلك أكثر من «مساعدة لحليف». لقد أصبح الدعم الأمريكي أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل ميزان القوة داخل الحرب نفسها.
ولم يكن الانحياز الأمريكي عسكريًا فقط. فقد كانت واشنطن تتحرك في الوقت نفسه داخل مجلس الأمن وفي الاتصالات السرية مع أطراف الصراع.
واللافت أن الوثائق الأمريكية نفسها كشفت أن هنري كيسنجر، بعد التوصل إلى قرار وقف إطلاق النار رقم 338، توجه إلى تل أبيب، وأن الرواية الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى أنه أبلغ الإسرائيليين بأن الولايات المتحدة لن تعترض على استمرار تقدم القوات الإسرائيلية أثناء عودته إلى واشنطن. وبعد ذلك واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها رغم قرارات وقف إطلاق النار، بينما كانت واشنطن تحاول إدارة الأزمة المتصاعدة.
والسؤال هنا: هل كانت الولايات المتحدة تؤيد وقف الحرب؟ و متى أرادت واشنطن وقف الحرب، وعلى أي خطوط، وبعد أن يكون أي طرف قد حقق أهدافه؟
فالوساطة لا تكون محايدة إذا كان أحد أطرافها يحصل في الميدان على الوقت والسلاح والمساحة اللازمة لتغيير نتائج المعركة قبل تثبيت وقف إطلاق النار.
وأن الخطاب الأمريكي عن «منع التصعيد».. نصف الحقيقة حيث قدمت واشنطن جانبًا مهمًا من سياستها باعتباره محاولة لمنع تحول الحرب العربية الإسرائيلية إلى مواجهة أمريكية سوفيتية، وهو هاجس كان حقيقيًا في سياق الحرب الباردة. وأن منع التصعيد لم يكن منفصلًا عن حماية إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
فعندما اقترح الاتحاد السوفيتي في 24 أكتوبر أن تعمل القوتان العظميان على تنفيذ وقف إطلاق النار، رفضت واشنطن الدخول في قوة مشتركة مع موسكو، خشية أن يؤدي ذلك إلى تكريس الوجود السوفيتي في المنطقة. ثم رفعت الولايات المتحدة مستوى الاستعداد النووي إلى حالة تأهب عالمي في 25 أكتوبر.
كانت واشنطن إذن تتحرك على مستويين متداخلين: منع مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفيتي، وفي الوقت نفسه منع انهيار الموقع العسكري والسياسي لإسرائيل.
وهنا تتضح طبيعة «التوازن» الأمريكي: لم يكن توازنًا بين طرفين متساويين، وإنما إدارة للصراع بما يحفظ المصالح الأمريكية ويصون التفوق الإسرائيلي.
تكشف حرب أكتوبر أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كانت طرفًا يمتلك أدوات متعددة للتأثير: السلاح، والضغط السياسي، والدبلوماسية، والنفوذ في مجلس الأمن، والقدرة على إدارة العلاقة مع الاتحاد السوفيتي.
ولذلك فإن وصف السياسة الأمريكية بأنها «محايدة» لا يصمد أمام الوقائع.
الأدق أن نقول إن واشنطن سعت إلى إدارة الصراع بما يمنع هزيمة إسرائيل، ويحافظ على موقعها الاستراتيجي، ويحول دون اتساع النفوذ السوفيتي، ثم يفتح الطريق أمام تسوية سياسية تكون الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في صياغتها.
وهذا يفسر لماذا انتهت حرب أكتوبر بانتصار عربي عسكري وسياسي مهم، لكنها انتهت أيضًا بترتيبات أعادت تشكيل ميزان القوى الإقليمي وفتحت الباب أمام الدور الأمريكي الأكثر اتساعًا في عملية السلام.
التاريخ لا يحاكم الشعارات.. بل يحاكم الأفعال
ربما يكون الدرس الأهم من حرب أكتوبر أن الدول الكبرى لا تُقرأ مواقفها من خلال الكلمات التي تستخدمها، وإنما من خلال أدوات القوة التي توظفها والنتائج التي تسعى إلى تحقيقها.
والولايات المتحدة في أكتوبر 1973 تحدثت عن وقف الحرب، ومنع التصعيد، وصناعة السلام، لكن طائراتها كانت في الوقت نفسه تنقل آلاف الأطنان من الأسلحة إلى إسرائيل، وكانت دبلوماسيتها تتحرك داخل الأزمة وفق حسابات ترتبط بمصالحها ومصالح حليفها الإسرائيلي.
لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كانت واشنطن قد تحدثت عن «التوازن» أم لا، وإنما أي توازن كانت تريد؟ ولمن كان هذا التوازن؟ ومتى أصبح وقف الحرب أولوية أمريكية؟
تكشف وقائع حرب أكتوبر أن واشنطن لم تكن تسعى إلى توازن عربي إسرائيلي بالمعنى المحايد، وإنما إلى توازن إقليمي مضبوط يحفظ التفوق الإسرائيلي ويصون المصالح الأمريكية ويمنع أي قوة أخرى من ملء الفراغ في الشرق الأوسط.
وهنا يسقط القناع: لم يكن هناك «التوازن» الأمريكي ، بل كان طريقة لإدارة الانحياز من داخل السياسة والدبلوماسية والقوة. ولم يكن هناك توازن، بل انحياز فجّ، تدفع المنطقة ثمنه حتى اليوم
المصدر كتاب الكواليس الدبلوماسية لحرب اكتوبر


