الأشجار ليست عائقًا للتنمية.. بل رئة المدن وسلاحها في مواجهة تغير المناخ
************
بقلم: أ.د/ إبراهيم حسينى إبراهيم درويش
تأتى دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ، إلى تبني مشروع **«تخضير القاهرة»**، وتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، بالتوازي مع جهود إحياء القاهرة التاريخية وتطوير المناطق المحيطة بها.فالقاهرة تحتاج إلى «تخضير» لا مجرد تجميل
هذه الدعوة يجب أن تتحول إلى رؤية متكاملة لإعادة توزيع اللون الأخضر داخل العاصمة والمدن المصرية.
فالقاهرة ليست في حاجة إلى أشجار في أماكن محدودة فقط، وإنما إلى شبكة متصلة من المساحات الخضراء: أشجار على جانبي الطرق، حدائق صغيرة داخل الأحياء، أسطح خضراء حيثما أمكن، أحزمة خضراء حول المدن، تشجير المناطق المفتوحة، وزيادة الأشجار في المدارس والجامعات والمستشفيات والمصالح الحكومية.
فالمدينة التي تزداد فيها الخرسانة والأسفلت وتقل فيها الأشجار تصبح أكثر تعرضًا لارتفاع درجات الحرارة والغبار وتلوث الهواء، بينما يساعد الغطاء النباتي على جعل البيئة الحضرية أكثر قدرة على مواجهة موجات الحرارة والتغيرات المناخية.
كما تأتى هذه الدعوة بعد أن أثارت مشاهد قطع وإزالة الأشجار في عدد من شوارع القاهرة والجيزة خلال الأسابيع الأخيرة غضبًا وتساؤلات واسعة بين المواطنين، ليس اعتراضًا على التطوير أو تحسين الطرق، وإنما دفاعًا عن قيمة لا يمكن تعويضها بسهولة: الشجرة الكبيرة التي استغرقت سنوات طويلة حتى أصبحت جزءًا من المكان وذاكرة الناس وبيئتهم.
ولعل ما حدث في شارع جامعة الدول العربية كان الأكثر إثارة للجدل، بعدما رُصدت إزالة عدد من الأشجار القديمة في إطار أعمال تطوير الشارع. وقد دفعت هذه الواقعة وزارة التنمية المحلية والبيئة إلى التوجيه بحصر الأشجار التي تم قطعها، والوقوف على أسباب اللجوء إلى إزالتها بدلًا من نقلها، مع تعويض الأشجار التي أزيلت بأعداد مضاعفة واختيار أنواع تتناسب مع طبيعة المكان.
كما شهدت الفترة نفسها جدلًا حول التعامل مع الأشجار في مناطق أخرى، ومنها شارع مصدق، حيث أوضحت محافظة الجيزة أن الأعمال هناك كانت تستهدف تهذيب وتقليم الأشجار التي تمثل خطورة على المواطنين، بعد حادث سقوط شجرة أدى إلى وفاة شاب.
وهنا يجب أن نكون منصفين: ليس كل تقليم قطعًا، وليس كل إزالة جريمة بيئية. فهناك أشجار مريضة أو ميتة أو مهددة بالسقوط، وهناك مشروعات ضرورية قد تفرض إزالة عدد محدود من الأشجار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إزالة الأشجار من استثناء تفرضه الضرورة إلى خيار سهل عند التخطيط للمشروعات.
الشجرة الكبيرة ليست شتلة
———————————
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الشجرة القديمة وكأنها مجرد «عنصر أخضر» يمكن استبداله بشجرة صغيرة.
الشجرة الكبيرة ليست مجرد جذع وأفرع وأوراق؛ إنها منظومة بيئية متكاملة. فهي تمتص جزءًا من ملوثات الهواء، وتوفر الظل، وتخفض الإحساس بدرجات الحرارة، وتساهم في تحسين البيئة الحضرية، وتوفر موائل للكائنات الحية، وتحد من الغبار، وتضيف قيمة جمالية ونفسية للمكان.
وعندما تُقطع شجرة عمرها عشرات السنين ثم نقول: «سنزرع مكانها عشر شتلات»، فإن العدد وحده لا يعوض الخسارة في السنوات الأولى؛ لأن الشتلات تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصل إلى حجم الشجرة التي أزيلت، كما تحتاج إلى الري والرعاية والحماية.
وفي بلد يعاني ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية، يجب أن نسأل أيضًا: كم من المياه والتكاليف العامة ستحتاجها الأشجار الجديدة حتى تصل إلى الحجم والكفاءة البيئية التي كانت تحققها الأشجار القديمة؟
لذلك فإن أفضل سياسة ليست «نقطع ثم نزرع»، وإنما نحافظ أولًا، وننقل عندما يكون النقل ممكنًا، ونقطع فقط عند الضرورة الفنية المثبتة.
لا تعارض بين التطوير والتشجير
———————————
من المهم ألا يتحول النقاش إلى مواجهة بين التنمية والبيئة.
نحن نحتاج إلى طرق ومحاور وكباري ومشروعات نقل وتطوير عمراني، لكن التخطيط الحديث لا يفترض أن الشجرة هي أول عنصر يجب التضحية به عندما يتعارض التصميم مع الطبيعة القائمة.
المطلوب أن يصبح السؤال عند إعداد أي مشروع: كيف نحافظ على الأشجار الموجودة؟
يمكن تعديل مسار رصيف، أو تصميم جزيرة وسطى، أو تغيير توزيع بعض العناصر الهندسية، أو نقل شجرة معمرة إذا كانت حالتها تسمح بذلك، بدلًا من اللجوء المباشر إلى القطع.
والأهم أن تكون هناك لجنة فنية متخصصة قبل اتخاذ قرار الإزالة، تضم خبراء في الأشجار والتنسيق الحضري والبيئة والهندسة، وأن يكون قرار القطع موثقًا ومعلنًا، حتى يعرف المواطن لماذا قُطعت الشجرة ومن أصدر القرار.
ما حدث يجب أن يتحول إلى فرصة للتصحيح
———————————
المهم الآن ألا يتوقف الأمر عند الجدل الإعلامي.
فقد وجهت وزارة التنمية المحلية والبيئة بالفعل بحصر الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية، ومعرفة أسباب إزالتها بدلًا من نقلها، وزراعة أعداد مضاعفة من الأشجار البديلة. كما أكدت الوزارة عدم التهاون مع قطع الأشجار أو التقليم الجائر، ومراعاة الأبعاد البيئية خلال أعمال التطوير.
وهذه خطوة إيجابية، لكن الأهم هو تنفيذها ومتابعتها وقياس نتائجها.
فإذا كانت شجرة قديمة قد أزيلت، فلا يكفي أن نزرع شتلات بجوارها ونعتبر الأمر انتهى. يجب أن نحدد عدد الأشجار التي أزيلت، وعدد الأشجار التي ستزرع، وأماكنها، وأنواعها، ونظام ريها، والجهة المسؤولة عن رعايتها، ومعدل بقائها بعد عام وثلاثة أعوام وخمسة أعوام.
فالتشجير ليس «حفل غرس شتلات» تلتقط فيه الصور، وإنما منظومة تبدأ من اختيار النوع المناسب وتنتهي بمتابعة نمو الشجرة وحمايتها.
التشجير قضية مياه أيضًا
———————————
قد يبدو الحديث عن زيادة الأشجار في وقت نعاني فيه من محدودية الموارد المائية متناقضًا، لكنه في الحقيقة يفرض علينا اختيارًا علميًا أفضل لا التخلي عن التشجير.
نحتاج إلى أنواع أشجار ملائمة للبيئة المصرية، تتحمل الحرارة والجفاف نسبيًا، وتحتاج إلى كميات مياه أقل، مع استخدام مياه معالجة وآمنة للري حيثما أمكن، وتطبيق نظم ري حديثة تقلل الفاقد.
كما يجب ألا نزرع الأشجار بطريقة عشوائية ثم نكتشف بعد سنوات أنها غير مناسبة للمكان أو تتسبب جذورها في إتلاف المرافق.
الشجرة المناسبة في المكان المناسب وبالمياه المناسبة هي القاعدة التي يجب أن تحكم سياسة التشجير.
توصيات عملية
———————————
أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مجموعة من الإجراءات الواضحة:
أولًا: إعداد قاعدة بيانات أو «سجل أخضر» لكل مدينة، يتضمن حصر الأشجار الكبيرة والمعمرة ومواقعها وحالتها الصحية، باستخدام نظم المعلومات الجغرافية.
ثانيًا: اعتبار الشجرة القائمة أصلًا بيئيًا يجب الحفاظ عليه عند تصميم أي مشروع جديد، وليس عائقًا أمام المشروع.
ثالثًا: منع القطع إلا بناءً على تقرير فني موثق يثبت الضرورة، مع إعلان سبب الإزالة والجهة التي وافقت عليها.
رابعًا: إعطاء الأولوية لنقل الأشجار القابلة للنقل بدلًا من قطعها، والاستعانة بالمتخصصين في ذلك.
خامسًا: تطبيق مبدأ التعويض البيئي الحقيقي؛ فإذا تعذر الحفاظ على شجرة معمرة، فلا يكون التعويض مجرد رقم، وإنما عدد أكبر من الأشجار، وبأحجام وأنواع مناسبة، مع ضمان استمرارها.
سادسًا: إنشاء مشاتل في الأحياء والمحافظات لإنتاج الأشجار المناسبة للبيئة المحلية، وقد صدر بالفعل توجيه في القاهرة بإنشاء مشتل بكل حي وإتاحة الأشجار للمواطنين بأسعار رمزية لتشجيع التشجير.
سابعًا: استخدام المياه المعالجة في ري المساحات الخضراء حيث تتوافر المعالجة الآمنة، وتطبيق نظم الري بالتنقيط والري الذكي لتقليل استهلاك المياه.
ثامنًا: تحويل التشجير إلى مسؤولية مجتمعية؛ فكل مدرسة وجامعة ومؤسسة ومجمع سكني يمكن أن يكون له نصيب واضح من التشجير والرعاية.
تاسعًا: عدم الاكتفاء بزراعة الأشجار، وإنما قياس معدل بقائها؛ فالشجرة التي تُزرع ثم تموت بعد أشهر ليست إنجازًا بيئيًا.
عاشرًا: إنشاء آلية واضحة لتلقي بلاغات المواطنين بشأن القطع الجائر أو الإضرار بالأشجار، مع سرعة الفحص والمساءلة عند ثبوت المخالفة.
نحن لا ندافع عن الشجر ضد الإنسان.. بل ندافع عن الإنسان بالشجر
القضية في النهاية ليست قضية أشجار في مواجهة مشروعات الدولة، وإنما قضية كيف ننفذ التنمية بصورة أكثر استدامة.
المواطن الذي يحتج على قطع شجرة معمرة لا يعارض التطوير بالضرورة؛ ربما هو ببساطة يرى أن هذه الشجرة التي ظلت عقودًا تمنحه ظلًا وهواءً ومنظرًا جميلًا لا ينبغي أن تختفي في دقائق دون سبب واضح.
وفي زمن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، لم تعد المساحات الخضراء رفاهية أو عنصرًا تجميليًا يمكن الاستغناء عنه، بل أصبحت جزءًا من قدرة المدن على حماية سكانها وتحسين جودة حياتهم.
إن الأشجار هي رئة المدن، ومظلة الفقراء قبل الأغنياء، وخط دفاع طبيعي أمام الحرارة والغبار والتلوث.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن نخرج بها من الجدل الأخير بسيطة:
طوّروا المدن، نعم.. شيدوا الطرق، نعم.. ولكن لا تجعلوا الشجرة أول ضحية للتطوير.
وإذا كانت هناك ضرورة حقيقية لإزالة شجرة، فليكن ذلك بعد استنفاد كل البدائل، وبقرار فني معلن، وتعويض بيئي حقيقي، ومتابعة تضمن بقاء الأشجار الجديدة.
أما دعوة الرئيس إلى «تخضير القاهرة»، فيجب أن ننظر إليها باعتبارها فرصة لبناء نموذج جديد للمدينة المصرية؛ مدينة أكثر خضرة، وأقل حرارة، وأكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ، وأكثر احترامًا للبيئة وحق المواطن في هواء أفضل وحياة أكثر جودة.فالشجرة التي نزرعها اليوم ليست لنا وحدنا.. إنها أمانة لمن سيأتي بعدنا.


