ا.د / ابراهيم حسينى درويش
عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى نحو المادة، وتعلو فيه الأصوات في الأسواق والبيوت والمكاتب ووسائل المواصلات حتى فى العلاقات الدولية ، تتراجع قيمة كبرى كانت يومًا ما روح المجتمع وميزان التعامل بين الناس: الرحمة. لم تعد القسوة مجرد سلوك طارئ، بل أصبحت في كثير من الأحيان أسلوب حياة، يُمارَس في البيع والشراء، وفى فرض الرأى بالقوة وفي العلاقات الأسرية، وفي التعليم، وفي الإدارة، حتى كاد الإنسان ينسى أن جوهر إنسانيته قائم على الرفق والرحمة. وقيمته كإنسان ..
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف انقلب ميزان المعاملة من الرحمة إلى القسوة؟ وكيف غاب عن كثيرين قول الله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]وقوله سبحانه:﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]؟
أولًا: القسوة حين تتحول إلى ثقافة يومية
————————————-
القسوة في المعاملة لم تعد فعلًا فرديًا عابرًا، بل أصبحت نمطًا متكررًا في تفاصيل الحياة. في الأسواق، يُقابَل المحتاج بغلظة، ويُستغل الجاهل بالسعر، ويُبرَّر الغلاء بعبارات لا تعرف الرحمة. وفي المواصلات، يتزاحم الناس بلا اعتبار لضعيف أو كبير او لفتاه او سيدة اصبحت المواصلات ساحة للتحرش وانفلات الاخلاق .
وفي المؤسسات، يُدار الموظف أحيانًا بمنطق “الضغط لا التقدير”، واستغلال حاجاته وضعفه ، وكأن الإنسان آلة لا شعور لها.لكن الإسلام جاء ليهدم هذا المنطق من جذوره، حين قرر النبي ﷺ قاعدة عظيمة شاملة:”ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” (رواه الترمذي).وهنا يصبح معيار التعامل ليس القوة ولا المصلحة، بل الرحمة التي تعكس الإيمان الحقيقي.ويقول ﷺ أيضًا:”ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا” (رواه الترمذي).فالقسوة إذن ليست مجرد خطأ اجتماعي، بل خلل في ميزان القيم الإيمانية.
ثانيًا: البيع والشراء.. اختبار الأخلاق الحقيقي
————————————-
في الأسواق تتجلى أخلاق الناس بوضوح. فهناك من جعل البيع ميدانا للرحمة، وهناك من حوله إلى ساحة استغلال وامتصاص دماء الناس . وقد حذّر الإسلام من الغش والتطفيف، فقال تعالى:﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].وفي الحديث الشريف يقول النبي ﷺ:”رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى،وإذا اقتضى”(رواه البخاري).هذه ليست دعوة مثالية، بل قاعدة اقتصادية وأخلاقية في آن واحد. فالسوق الذي يسوده الغش والقسوة يفقد الثقة، أما السوق الذي تسوده الرحمة فيبارك الله فيه، وتستقر فيه العلاقات، ويزدهر.ولذلك قال بعض السلف: “من لم يرحم في بيعه وشرائه، نزعت البركة من ماله وإن كثر”.
ثالثًا: القسوة داخل الأسرة.. الجرح الأخطر
————————————-
البيت هو أول مدرسة للرحمة أو القسوة. فإذا غابت الرحمة داخله، خرج منه جيل مضطرب. إن الأب الذي يقسو بلا توازن، والأم التي تجرح بالكلمة، والزوج الذي يظن القوامة قهرًا، والزوجة التي ترد القسوة بجفاء، جميعهم يساهمون في صناعة بيئة مشوهة نفسيًا وابناء مرضى .يقول الله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].فالأصل في العلاقة الزوجية ليس الصراع، بل المودة والرحمة. ويقول النبي ﷺ:”خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي).وهنا تتجلى القاعدة النبوية: معيار الخيرية يبدأ من البيت، لا من الخارج. فمن كان قاسيًا في بيته، لا يمكن أن يكون صالحًا في مجتمعه.
رابعًا: المعلم والطالب.. بناء العقول لا كسرها
————————————-
التعليم رسالة رحمة قبل أن يكون نقل معلومات. رسالة المعلم تربية لا تحرش ، امانة لا سيطرة واستغلال وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].هذه الآية تؤسس لقاعدة تربوية عظيمة: الغلظة تُنفر، والرحمة تجذب.وقد كان النبي ﷺ معلمًا رحيمًا، حتى قال عنه الصحابة: “ما رأيت أحدًا أرفق من رسول الله ﷺ”.فالمعلم الذي يهين طلابه، أو يكسر نفوسهم، او يبتزهم قد ينجح في إيصال معلومة، لكنه يفشل في بناء إنسان.
خامسًا: القسوة في المؤسسات والإدارة
————————————-
في بيئة العمل، تتحول القسوة أحيانًا إلى سياسة إدارية، لكن النتائج دائمًا عكسية. فالموظف المقهور لا يُبدع، بل يُنفذ. ولا يُحب عمله، بل يخشاه.وقد قرر الإسلام مبدأ العدالة والرفق في المسؤولية، فقال ﷺ:”اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه” (رواه مسلم).وقال أيضًا:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” (متفق عليه).وهذا الحديث يؤسس لفلسفة كاملة في الإدارة: القيادة ليست تسلطًا، بل رعاية ورحمة ومسؤولية.
سادسًا: القسوة في الشارع والمجتمع
————————————-
في الطرقات ووسائل النقل، تتجلى صور القسوة في أبسط المواقف: تجاهل كبير السن، دفع المحتاج، رفع الصوت، التعدي اللفظي. وكأن الناس نسوا قول النبي ﷺ:
“من لا يَرحم لا يُرحم” (رواه البخاري ومسلم).بل حتى في أبسط التفاصيل، كان الإسلام يربّي على الرحمة، فقد قال ﷺ:
“في كل كبد رطبة أجر” (رواه البخاري)،أي أن الرحمة تمتد حتى إلى الحيوان، فكيف بالإنسان؟
سابعا :في العلاقات الدولية
———————————-
تتجلى صورة صارخة من القسوة السياسية التي تمارسها بعض الدول الكبرى تجاه الدول الضعيفة، حيث تختل موازين القوة لصالح من يملك النفوذ العسكري والاقتصادي والإعلامي. ورغم صدور قرارات أممية التى تؤكد حقوق الشعوب المشروعة، مثل حق الشعب الفلسطينى في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، إلا أن التنفيذ غالبًا ما يصطدم بمصالح القوى الكبرى وحسابات السياسة الدولية، مما يجعل القانون الدولي في كثير من الأحيان أقرب إلى “الانتقائية” منه إلى العدالة المطلقة. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]،
سابعًا: خطورة القسوة على المجتمع
————————————-
القسوة ليست مجرد سلوك فردي، بل وباء اجتماعي. فهي تؤدي إلى:تفكك العلاقات الأسرية..وانتشار العنف اللفظي والجسدي..وضعف الثقة بين الناس
انتشار الاكتئاب والانعزال وغياب روح التعاون ..وقد أشار الحكماء إلى ذلك بقولهم:”إذا قست القلوب، ماتت المجتمعات قبل أن تموت الأجساد.”
كما أن القسوة والعلاقات غير المتوازنة لا يهدد فقط استقرار الشعوب الضعيفة، بل يزرع بذور عدم الثقة في النظام الدولي بأكمله، ويؤكد الحاجة الملحة إلى عدالة إنسانية حقيقية تعلو فوق منطق القوة وتعيد الاعتبار لقيم الحق والإنصاف.
ثامنًا: كيف نستعيد خلق الرحمة؟
————————————-
استعادة الرحمة ليست شعارًا، بل مشروعًا تربويًا متكاملًا يبدأ من الداخل:مجاهدة النفس وكسر الكبر والأنانية.التربية الأسرية على الرفق في الكلام والسلوك. وتعليم الأبناء التعاطف مع الآخرين وإحياء السنة النبوية في التعامل اليومي
مراجعة الذات قبل الحكم على الآخرين وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تعلمون منه.”
ختاما
————————————-
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من القوانين بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الرحمة. فالقانون ينظم السلوك، لكن الرحمة تُصلح القلوب. وإذا فقد المجتمع الرحمة، تحوّل إلى جسد بلا روح، مهما بلغ من تقدم مادي.
لقد جاء الإسلام ليؤسس مجتمعًا عنوانه:﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
وليس مجرد أفراد متجاورين بلا إحساس.فلنعد إلى هذا الأصل العظيم، قبل أن نصحو يومًا على عالمٍ يعرف كل شيء… إلا الإنسان.
اللهم ارزقنا رحمةً في قلوبنا، ولينًا في أقوالنا، وبركةً في أعمالنا، واجعلنا من عبادك الذين قال فيهم نبيك ﷺ: “الراحمون يرحمهم الرحمن”.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
جمعتكم طيبة مباركة
٢٠٢٦/٦/٨


