بابُك إلى الله… فلا تنظر إلى باب غيرك..
ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق
******************
“ليس كلُّ رزقٍ يُرى بالعين… وليس كلُّ قربٍ إلى الله يكون من الطريق نفسه.”
————————————-
في زمنٍ ازدحمت فيه الحياة بالمقارنات، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تعرض للناس أجمل ما في حياة الآخرين، بدأ كثير من الناس يظنون أن السعادة تُقاس بحجم الرصيد، أو فخامة المنزل، أو عدد المتابعين، أو الشهرة، أو كثرة الممتلكات. ومن هنا تسللت إلى القلوب أمراض لم تكن بهذا الاتساع من قبل؛ الحسد، وعدم الرضا، والتسخط، والشعور بأن الآخرين نالوا أكثر مما نستحق.
والحقيقة أن المشكلة ليست في كثرة نعم الناس، وإنما في أننا أصبحنا ننظر إلى جزء من الصورة، ولا نرى حقيقتها كاملة. نرى النعمة، ولا نرى الابتلاء الذي يصاحبها، ونرى الواجهة، ولا نرى ما وراء الأبواب المغلقة.
لقد أراد الله سبحانه أن يطمئن قلوب عباده، فقال:
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
فالقسمة ليست عشوائية، ولا ظلمًا، ولا محاباة، وإنما هي بعلم الله وحكمته وعدله، فهو سبحانه أعلم بما يصلح كل عبد.
ولو تأمل الإنسان حياته، لأدرك أن الأرزاق ليست لونًا واحدًا، وأن العطاء لا يُقاس بالمال وحده.
فكم من غنيٍ حُرم راحة القلب.
وكم من صاحب منصب يعيش قلقًا لا يفارقه.
وكم من صحيح البدن يتمنى نعمة السكينة.
وفي المقابل، كم من إنسان بسيط، لا يملك إلا قوت يومه، لكنه ينام قرير العين، مطمئن النفس، راضيًا عن ربه، سعيدًا بأسرته، محبوبًا بين الناس.
إنه رزق لا يُشترى.
وقد علَّمنا رسول الله ﷺ الميزان الحقيقي للسعادة فقال:
«قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه.»
فالقناعة ليست قلة طموح، وإنما هي امتلاء القلب باليقين أن الله لا يختار لعبده إلا الخير.
ليست كل الأرواح سواء
————————————-
ومن أجمل المعاني التي تستقر في القلب أن الله سبحانه لم يخلق الأرواح نسخةً واحدة، وإنما جعل لكل روح طريقًا خاصًا تسير به إليه.
فليس كل الناس سواء في أبواب القرب، كما أنهم ليسوا سواء في الأرزاق.
فهناك روحٌ إذا فتحت المصحف، شعرت أن قلبها عاد إلى موطنه الأول، وأن كل آية تمس جرحًا فيها فتداويه، وتضيء ظلمةً في نفسها فتبددها.
وهناك روحٌ لا تهدأ إلا بذكر الله، تسبح، وتحمد، وتهلل، وتصلي على النبي ﷺ، وكأن الذكر هو الهواء الذي تتنفسه.
وهناك روحٌ يوقظها الليل، فإذا نام الناس قامت تناجي ربها، تجد في السجود لذة لا يعرفها إلا من ذاقها.
وهناك روحٌ جعل الله طريقها إليه في خدمة الناس، فتفرح إذا قضت حاجة مكروب، أو مسحت دمعة يتيم، أو أعانت محتاجًا، لأنها تعلم أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.
وهناك روحٌ فتح الله عليها باب الصدقة، فلا ترى سعادتها فيما تملك، وإنما فيما تعطي.
وهناك روحٌ تعيش مع التفكر؛ تنظر إلى السماء، وإلى النجوم، وإلى المطر، وإلى النبات، فتقرأ في كل مشهد آية من آيات الخالق، فيزداد قلبها يقينًا.
وهناك روحٌ أصلحها الله بالابتلاء، وأخرى بالصبر، وثالثة بالعلم، ورابعة بالانكسار بين يديه.
ولذلك قال النبي ﷺ:
«اعملوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِق له.»
فلا تحتقر بابًا فتحه الله لك، ولا تنظر بحسرة إلى باب غيرك.
فلعل دمعةً صادقة في جوف الليل ترفع صاحبها درجات لا يبلغها صاحب مال وفير.
ولعل كلمةً طيبة تدخل السرور على قلب إنسان، تكون عند الله أعظم من أعمال كثيرة.
ولعل معلمًا يخلص في تعليم علمه، أو طبيبًا يرحم مرضاه، أو فلاحًا يتقن عمله ويطعم الناس من خير الأرض، يكون كل واحد منهم في عبادة لا تقل شأنًا عن غيرها.
إن القضية ليست في تشابه الأعمال، وإنما في صدق القلوب.
موسى عليه السلام… درس لكل من يرى نفسه ناقصًا..
————————————-
ومن أروع الدروس التي تمنح الإنسان الثقة والرضا، قصة نبي الله موسى عليه السلام.
لقد كان يعاني من عقدة في لسانه، حتى دعا ربه:﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
ومع ذلك، كان هو النبي الذي خصَّه الله بشرفٍ لم ينله غيره، فكلمه تكليمًا.
يا لها من رسالة عظيمة!
قد يرى الإنسان في نفسه نقصًا، بينما يرى الله فيه صدقًا، وإخلاصًا، واستعدادًا لحمل الرسالة.
فلا تجعل ضعفًا فيك يحجب عنك الأمل.
وربما كان ما تراه عيبًا سببًا في تواضعك، فيرفعك الله به درجات.
ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.»
إن ميزان السماء غير ميزان الأرض.
أخطر أمراض العصر… المقارنة
لقد تحولت المقارنة اليوم إلى وباء اجتماعي.
أصبح الإنسان يقارن بيته ببيت غيره.وراتبه برواتب الآخرين.
وأولاده بأولاد الناس.وسيارته بسياراتهم.وسفره بسفرهم.
بل وصل الأمر إلى مقارنة العبادة نفسها.
وهذه المقارنات لا تنتج إلا التعاسة.
لأن الإنسان يقارن ما يعيشه بكل تفاصيله، بما يراه من لحظات منتقاة في حياة الآخرين.
ولو كشف الله للناس ما خفي من الابتلاءات، لتمنى كثير منهم أن يبقى على حاله.
ولهذا قال بعض السلف:”ما حسدت أحدًا على نعمة؛ لأنني لا أعلم ماذا وراءها من اختبار.”إن المؤمن لا يحسد.بل إذا رأى نعمة قال:
اللهم بارك له، وارزقني من فضلك.
فخزائن الله لا تنفد.والعطاء الإلهي لا ينقص إذا أعطى غيرك.
بل ربما كانت دعوتك لأخيك سببًا لأن يرزقك الله مثل ما رزقه أو خيرًا منه.
الرضا… مفتاح السعادة
————————————-
ليس الرضا أن يتوقف الإنسان عن السعي.بل الرضا أن يسعى بكل ما يستطيع، ثم يطمئن إلى اختيار الله.فالعمل عبادة.والأخذ بالأسباب عبادة.والاجتهاد عبادة.لكن النتائج ليست بأيدينا.
قال تعالى:﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
كم من باب أغلقه الله، فكان وراءه شرٌ لم نكن نعلمه.وكم من أمنية تأخرت، فكانت الحكمة في تأخيرها أعظم من تعجيلها.ولو كشف الله لعباده الغيب، لاختاروا لأنفسهم ما اختاره الله لهم.
ولهذا كان السلف يقولون:”ما ندمت على شيء كندمي على يومٍ لم أزدد فيه قربًا من الله.”
لأن القرب من الله هو الرزق الذي إذا حصل عليه الإنسان، هانت عليه الدنيا كلها.
رسالة إلى كل قلب
————————————-
إذا فتح الله لك باب القرآن… فاثبت عليه.وإذا فتح لك باب الذكر… فأكثر منه.وإذا فتح لك باب العلم… فانشره.وإذا فتح لك باب الصدقة… فلا تغلقه.وإذا فتح لك باب خدمة الناس… فاعلم أنها نعمة عظيمة.
وإذا ساقك إلى بابه بالابتلاء… فاصبر، فلعل الابتلاء هو الجسر الذي سيقودك إلى أعظم عطايا الله.
ولا تنظر إلى أبواب الآخرين.
فرب بابٍ صغير في أعين الناس، هو عند الله أعظم الأبواب.
ورب عملٍ خفي لا يلتفت إليه أحد، يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات.
إن الله لا يريد من عباده أن يتشابهوا، وإنما يريد أن يخلص كل واحد منهم فيما فتح له من الخير.
فمن عرف بابه، ولزم طريقه، وأخلص فيه، وصل بإذن الله.
الخاتمة
————————————-
إن أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان، أن يطمئن إلى أن الله لم ينسه، ولم يحرمه، وإنما قسم له من الرزق، ومن الابتلاء، ومن أبواب القرب، ما يناسبه ويصلحه.
فلا تنظر إلى ما في أيدي الناس، ولكن انظر إلى ما في قلبك.
ولا تحزن إذا سبقك غيرك في باب، فلعل الله ادخر لك بابًا آخر هو أقرب إليه.
واعلم أن الغاية ليست كثرة المال، ولا علو المنصب، ولا تصفيق الناس، وإنما أن تلقى الله بقلب سليم، ونفس راضية، وعمل مخلص.
فلا تحتقر بابك… فقد يكون هو الباب الذي أراد الله أن يدخلك منه إلى جناته.
اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على طاعتك، وارزقنا الرضا بقضائك، والقناعة بعطائك، وألهمنا شكر نعمك، وبارك لنا فيما قسمت، واجعل قلوبنا سليمة من الحسد والحقد، وافتح لنا أبواب رحمتك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وأنت راضٍ عنا. آمين.
—————————-
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د / ابراهيم حسينى درويش
٣١ يوليو ٢٠٢٦م


