محراب الأرض: كيف أفسد الإنسان ميزان الخالق؟
بقلم ا.د / ابراهيم حسينى درويش .. -، عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق
********************
في هذا الكون الفسيح، حيث تتعانق السماء والأرض، وتجري الأنهار، وتتنفس الغابات، وتنبت الحبة من قلب التراب، تبدو الأرض وكأنها محراب كوني واسع، أودع الله فيه من أسرار الجمال والإتقان ما يعجز الإنسان عن الإحاطة به.
لم تكن الأرض مجرد مكان نعيش فوقه، وإنما هي بيتنا المشترك، وحاضنتنا الأولى، ومصدر الماء والغذاء والهواء، وميدان استخلاف الإنسان وعمارة الحياة.
وقد خلقها الله في ميزان دقيق، تتكامل فيه عناصرها، ويتبادل الماء والهواء والتربة والكائنات الحية أدوارها في منظومة بالغة التعقيد والدقة.
لكن الإنسان، الذي أُوكل إليه أن يعمر الأرض ويحفظ أمانتها، بدأ في أوقات كثيرة يتعامل معها باعتبارها مخزونًا مفتوحًا للاستهلاك، لا أمانةً تستوجب الرعاية.
فامتلأت السماء بالدخان، وتلوثت الأنهار والبحار، واستنزفت التربة، وتراجعت الغابات، وتراكمت النفايات، وازدادت حرارة الكوكب.
ومن هنا لم يعد الحديث عن البيئة ترفًا فكريًا أو موضوعًا علميًا بعيدًا عن حياة الناس، بل أصبح قضية إنسانية وأخلاقية ودينية تمس حاضرنا ومستقبل أبنائنا.
أولاً: مفهوم البيئة ومكوناتها.. النسيج الحيوي المحيط بنا
———————————
البيئة في أصلها اللغوي هي المكان الذي يبوئ الإنسان ويستقر فيه، أما في المفهوم العلمي المعاصر فهي مجموع العناصر والمؤثرات المحيطة بالكائن الحي، والتي تؤثر في حياته ونموه وسلوكه.
والبيئة ليست عنصرًا واحدًا، وإنما منظومة متكاملة تقوم على أربعة أغلفة رئيسية هى :
الغلاف المائي:
ويشمل المحيطات والبحار والأنهار والمياه الجوفية، ويغطي الماء نحو 71% من مساحة سطح الأرض. والماء ليس مصدرًا للشرب والزراعة فقط، بل هو أساس استمرار الحياة كلها، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
الغلاف الجوي:
وهو الغلاف الغازي الذي يحيط بالأرض، ويضم النيتروجين والأكسجين وغيرهما من الغازات، ويوفر شروط الحياة ويحمي الكوكب من جانب مهم من الإشعاعات الضارة. ولذلك فإن تلوث الهواء ليس مشكلة عابرة، بل اعتداء على أحد أهم مقومات الحياة.
الغلاف الصخري:
ويشمل القشرة الأرضية والجبال والتربة ومصادر المعادن. ومن رحم التربة تخرج الحبوب والثمار، ومنها يأكل الإنسان والحيوان. ولذلك فإن تدهور التربة وتصحرها يمثلان تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي.
الغلاف الحيوي:
وهو المجال الذي توجد فيه الحياة، بما يضم الإنسان والحيوان والنبات والكائنات الدقيقة، من أعماق البحار إلى أعلى المناطق التي تستطيع الكائنات الحية الوصول إليها.
وهذه الأغلفة ليست منفصلة عن بعضها؛ فالماء يؤثر في التربة، والتربة تحتضن النبات، والنبات ينقي الهواء ويخزن الكربون، والكائنات الحية تحافظ على توازن النظم البيئية. إنها شبكة واحدة، إذا اختل أحد خيوطها انعكس الخلل على بقية المنظومة.
ثانياً: التوازن البيئي الإلهي.. خلقٌ بمقدار وتهيئة للاستخلاف
———————————
خلق الله الكون وفق سنن وقوانين دقيقة، ولم يترك عناصره في فوضى، بل أودع فيها من التوازن والتكامل ما يجعل الحياة ممكنة ومستدامة.
قال تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
وقال سبحانه:{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [الحجر: 19].
وفي هذا الميزان تتبادل عناصر الطبيعة أدوارها؛ فالنبات يأخذ ثاني أكسيد الكربون ويطلق الأكسجين، والماء يتبخر ثم يعود مطرًا، والتربة تختزن العناصر الغذائية، والكائنات الدقيقة تحلل المواد العضوية وتعيدها إلى دورة الحياة.
وهذا ما يعبر عنه العلم الحديث بمفهوم التوازن البيئي.
وقد جعل الله الإنسان مستخلفًا في الأرض، فقال سبحانه:{هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
فالاستخلاف ليس امتلاكًا مطلقًا، وإنما مسؤولية وعمارة وإصلاح.
فالإنسان ينتفع بخيرات الأرض، لكنه مطالب في الوقت نفسه ألا يحول الانتفاع إلى استنزاف، ولا التقدم إلى تدمير، ولا الاستهلاك إلى إسراف.
ثالثاً: الجناية البشرية.. كيف دخل الإنسان فأفسد الميزان؟
———————————
المشكلة لم تبدأ حين عرف الإنسان الصناعة أو التكنولوجيا، وإنما حين فقد التوازن بين الانتفاع والمسؤولية.
فمع التوسع الصناعي والاستهلاكي، والاستنزاف المتزايد للموارد الطبيعية، أصبحت بعض الأنشطة البشرية سببًا في تلويث الهواء والماء والتربة، وإزالة الغابات، واستنزاف التنوع الحيوي.
وقد وضع القرآن قاعدة واضحة في التعامل مع الأرض:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56].
وقال تعالى في آية شديدة الدلالة على علاقة السلوك البشري بفساد البيئة:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
فالآية تربط بين سلوك الإنسان وظهور الفساد، وتفتح في الوقت نفسه باب الرجوع والإصلاح.
إن تلوث نهر بمخلفات صناعية، أو إهدار مياه الري، أو حرق المخلفات الزراعية، أو الإفراط في استخدام المواد الكيميائية، أو قطع الغابات والأشجار ، أو إلقاء البلاستيك في البحار؛ كلها صور مختلفة لخلل واحد: اختلال علاقة الإنسان بالأرض.
رابعاً: مظاهر الفساد البيئي في لغة الأرقام العلمية
———————————
لم تعد الأزمة البيئية مجرد تحذيرات نظرية، بل أصبحت واقعًا تؤكده الدراسات والتقارير الدولية بلغة الأرقام.
الاحتباس الحراري والتغير المناخي:
———————————
أدى الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري منذ الثورة الصناعية إلى ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري، وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون. وتشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن متوسط درجة حرارة سطح الأرض ارتفع بنحو 1.2 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، وهو ما يرتبط بارتفاع مستوى سطح البحر وذوبان الجليد وتزايد مخاطر موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة.
تلوث الهواء:
———————————
الهواء الذي نتنفسه هو أكثر الموارد قربًا من الإنسان، ولذلك فإن تلوثه يعني دخول الخطر إلى أجسادنا مع كل نفس. وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن 9 من كل 10 أشخاص في العالم يتنفسون هواءً يحتوي على مستويات مرتفعة من الملوثات، ويرتبط تلوث الهواء بنحو 7 ملايين وفاة سنويًا نتيجة أمراض القلب والجهاز التنفسي وغيرها.
تلوث المياه والبحار بالبلاستيك:
———————————
تتعرض المحيطات والبحار لكميات هائلة من المخلفات البلاستيكية، وتقدر كمية البلاستيك التي تصل إليها سنويًا بنحو 11 مليون طن متري. ولا تقف المشكلة عند تشويه الشواطئ، وإنما تمتد إلى الكائنات البحرية والسلسلة الغذائية، مع انتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي أصبحت موضع اهتمام علمي متزايد.
إزالة الغابات والتصحر:
———————————
الغابات ليست مجرد مساحات خضراء، بل هي مخازن طبيعية للكربون، وموطن لملايين الكائنات، وعنصر أساسي في دورة المياه وتنظيم المناخ. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى فقدان نحو 10 ملايين هكتار من الغابات سنويًا، وهي مساحة تقارب مساحة دولة مثل البرتغال.
وهكذا تتعدد مظاهر الخلل: ماء ملوث، وهواء ملوث، وتربة متدهورة، وغابات تتراجع، وتنوع حيوي ينحسر، ومخلفات تتزايد.
خامساً: البُعد الاجتماعي والديني للمشكلة البيئية
———————————
الأزمة البيئية في جوهرها ليست أزمة تكنولوجيا فقط، وإنما هي أيضًا أزمة سلوك وقيم.
فحين يستهلك الإنسان أكثر مما يحتاج، ويلقي مخلفاته حيث يشاء، ويهدر الماء والطاقة والغذاء، فإنه لا يضر نفسه وحدها، بل ينقل تكلفة سلوكه إلى المجتمع وإلى الأجيال القادمة.
ولهذا جاء الإسلام بمنهج واضح في مكافحة الإسراف.قال تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
وفي الحديث الشريف، أن النبي ﷺ مر بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟» فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار».
والرسالة هنا بالغة الوضوح: وفرة المورد لا تبرر إهداره.
كما أن المحافظة على البيئة تعني احترام حق الآخرين؛ فالماء الملوث لا يتوقف أثره عند من لوثه، والهواء الملوث لا يعرف حدودًا، والنفايات لا تختفي بمجرد أن نلقيها بعيدًا عن أعيننا.
ومن هنا فإن حماية البيئة هي أيضًا صورة من صور التكافل الاجتماعي، وعدلٌ مع الأجيال القادمة.
سادساً: واجبنا الأخلاقي والديني نحو البيئة.. خارطة طريق للإصلاح
———————————
إعادة التوازن إلى البيئة ليست مهمة الحكومات وحدها، ولا العلماء وحدهم، وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة.
أولاً: ترشيد الاستهلاك.
علينا أن نراجع عاداتنا اليومية في استخدام الماء والكهرباء والطعام والبلاستيك، وأن ننتقل من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الرشد وإعادة الاستخدام والتدوير.
ثانيًا: إحياء الأرض وزيادة الرقعة الخضراء.
التشجير ليس مجرد منظر جميل، بل وسيلة لتحسين الهواء، وتخفيف الحرارة، وحماية التربة، ودعم التنوع الحيوي.وقد قال النبي ﷺ:
«إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
إنها رسالة عميقة في قيمة العمل والإصلاح، حتى في اللحظات التي يبدو فيها الزمن وكأنه يوشك على الانتهاء.
ثالثًا: حماية المياه من التلوث والهدر.
الماء أساس الحياة، ولذلك يجب حماية الأنهار والمجاري المائية والمياه الجوفية والبحار من المخلفات والصرف غير المعالج، مع رفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة والصناعة والمنازل.
رابعًا: تحسين جودة الهواء ومواجهة التلوث.
وذلك من خلال الحد من الانبعاثات، وتحسين وسائل النقل، والتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والارتقاء بالمعايير البيئية للمنشآت الصناعية.
خامسًا: حماية التربة والغابات والتنوع الحيوي.
فالتربة مورد غذائي لا يقل أهمية عن الماء، والغابات ليست مجرد أشجار، والحيوانات والكائنات الدقيقة ليست كائنات زائدة عن الحاجة؛ بل لكل عنصر دور في شبكة الحياة.
سادسًا: تفعيل القوانين والتشريعات البيئية.
لابد من رقابة فعالة على الأنشطة الصناعية والزراعية، ومنع التخلص غير الآمن من المخلفات، وتطبيق المعايير البيئية، ومحاسبة من يسبب ضررًا جسيمًا للموارد الطبيعية.
سابعًا: التربية البيئية للناشئة.
فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر ألا يهدر الماء، وألا يلقي القمامة في الشارع، وأن يزرع شجرة ويحافظ عليها، يكبر وهو يحمل ثقافة مختلفة تجاه البيئة.
وقد قال تعالى:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].
فالكون كله في منظومة عبادة وتسبيح، والإنسان مدعو إلى أن يتعامل معه باحترام ومسؤولية، لا بالعبث والإفساد.
الخاتمة
———————————
الأرض ليست مجرد تراب نمشي فوقه، ولا ماء نشربه، ولا هواء نتنفسه؛ إنها آية من آيات الله، وأمانة في أعناقنا، وبيت مشترك تتقاسم الحياة فيه جميع الكائنات…لقد خلق الله الأرض في ميزان، وجعل الماء والهواء والتربة والنبات والحيوان والإنسان حلقات مترابطة في منظومة واحدة. لكن الإنسان، حين ينسى مسؤوليته، يمكن أن يحول نعمة التقدم إلى وسيلة للإفساد، وأن يحول الاستهلاك إلى استنزاف، والانتفاع إلى اعتداء.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى الإصلاح لا يزال مفتوحًا.
فكل شجرة نغرسها، وكل قطرة ماء نوفرها، وكل قطعة أرض نحافظ على خصوبتها، وكل نفاية نمنع وصولها إلى النهر أو البحر، وكل طفل نعلمه احترام البيئة، هي خطوة في طريق استعادة الميزان.
إن حماية البيئة ليست ترفًا، ولا مسؤولية مؤسسات بعينها، بل هي واجب ديني وأخلاقي وإنساني، وحق للأجيال القادمة.
فلنعد إلى الأرض بروح الاستخلاف لا بروح الاستنزاف، ولننظر إليها باعتبارها محرابًا من محاريب الخلق، نحافظ على جماله ونقائه، ونصلح ما أفسدته أيدينا.
فالأرض التي أودع الله فيها الحياة تستحق منا أن نحفظ الحياة فيها، وأن نتركها لأبنائنا كما ينبغي أن تكون: أرضًا خضراء، وماءً نقيًا، وهواءً طيبًا، وبيئةً آمنة، وواحةً تسبح بحمد خالقها.هذه الصياغة تحافظ على الهيكل والأفكار والأرقام الأساسية في النص الأصلي، مع جعل اللغة أكثر انسيابًا وأدبية، وإبراز الماء والهواء والتربة والتلوث والتنوع الحيوي والغابات باعتبارها عناصر مترابطة في منظومة البيئة.
———————————
بقلم ا.د / ابراهيم حسينى درويش ..
جمعتكم طيبة مباركة
٢٠٢٦/٩/٢٥


