فنُّ الابتعاد
ليس كلُّ خلافٍ يستحق أن تكون طرفًا فيه

بقلم: أ.د/ إبراهيم حسيني درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد ووكيل كلية الزراعة بجامعة المنوفية الأسبق
في رحلة الحياة، يكتشف الإنسان مع مرور الأعوام أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يخرج منها غالبًا في خصومة أو جدال، وإنما تلك التي يخرج منها محتفظًا بقلبه، وكرامته، وراحة باله. فكم من معارك خاضها الناس وهم يظنون أنهم يدافعون عن الحق، فإذا بها تستنزف أعمارهم، وتُبدد علاقاتهم، وتترك في نفوسهم جراحًا لا تمحوها الأيام.
ومع تراكم الخبرات، يدرك الإنسان أن العمر أقصر من أن يُهدر في صراعات لا تنتهي، وأن الوقت أثمن من أن يُستهلك في الرد على كل كلمة، أو تصحيح كل سوء فهم، أو الانتصار في كل نقاش. فالحياة لا تُقاس بعدد المعارك التي خضناها، بل بعدد اللحظات التي عشناها في سلام مع أنفسنا ومع الآخرين.
لقد أصبح عالمنا اليوم أكثر ضجيجًا من أي وقت مضى. فوسائل التواصل الاجتماعي، ومجالس الناس، بل وحتى بعض البيئات المهنية والعائلية، امتلأت بخلافات تبدأ بكلمة عابرة، ثم تتسع حتى تبتلع الجميع. وفي خضم هذا الصخب يبرز سؤال جوهري: هل يجب أن نكون طرفًا في كل خلاف؟ وهل كل قضية تستحق أن نخوض من أجلها معركة؟
إن الحكمة تجيب بكل وضوح: لا.
فالإنسان الحكيم لا يُقاس بعدد المعارك التي خاضها، وإنما بعدد المعارك التي عرف كيف يتجنبها، وبقدرته على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده، وما يستحق أن يُترك ليمضي مع الريح.
لقد علمتنا الحياة أن هناك أمورًا واضحة لا تحتاج إلى جدال، لأنها تستند إلى حقائق ثابتة أو قيم راسخة، وهناك أمور يختلط فيها الحق بالباطل، وتتشابك فيها المصالح، وتغيب عنها الصورة الكاملة، فتتحول إلى بيئة خصبة لسوء الظن، وتأويل الكلمات، وإشعال نار الفتنة.
وفي مثل هذه المواقف يكون الابتعاد فضيلة، لا ضعفًا، ويكون الصمت حكمة، لا عجزًا، ويكون التجاوز دليلًا على سمو النفس، لا هروبًا من المواجهة.
وقد رسم القرآن الكريم منهجًا راقيًا في التعامل مع الجدل العقيم، فقال تعالى:﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
إنها ليست دعوة إلى الاستسلام، وإنما دعوة إلى الارتقاء بالنفس فوق المهاترات التي لا تُثمر إلا العداوة والبغضاء.
ويقول سبحانه:﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.أي أنهم لا يقفون عند كل كلمة، ولا يجعلون أنفسهم طرفًا في كل جدال، وإنما يمضون محافظين على وقارهم، وصون كرامتهم، وسلامة قلوبهم.
وفي السنة النبوية، يقول رسول الله ﷺ:”أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا.”تأمل هذا الحديث العظيم؛ فلم يقل لمن ترك الباطل، وإنما لمن ترك الجدل الذي لا يثمر، حتى لو كان على حق، لأن بعض الانتصارات اللفظية يكون ثمنها خسارة القلوب، وقطع الأرحام، وإفساد العلاقات.
ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله:”ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يُظهر الله الحق على لسانه.”
إنها مدرسة أخلاقية راقية، تجعل الغاية الوصول إلى الحقيقة، لا الانتصار للنفس، وتجعل احترام الإنسان مقدمًا على كسب النقاش.
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”إذا تم العقل نقص الكلام.”فكلما ازداد الإنسان نضجًا، أدرك أن كثرة الردود ليست دليل قوة، وأن القدرة على تجاوز الإساءة قد تكون أعظم من القدرة على الرد عليها.
ومع تقدم العمر تتغير أولويات الإنسان.ففي سنوات الشباب قد يندفع لإثبات رأيه في كل مناسبة، ويظن أن الصمت هزيمة، وأن التراجع ضعف، لكن الأيام تعلمه أن راحة البال أغلى من كسب أي جدال، وأن العلاقات الإنسانية أثمن من كثير من الانتصارات الوهمية.
فالإنسان الناضج لا يبحث عن آخر كلمة، وإنما يبحث عن آخر لحظة سلام.
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن التعرض المستمر للنزاعات والخلافات يرفع مستويات التوتر، ويزيد إفراز هرمونات الإجهاد، ويؤثر سلبًا في القلب والجهاز العصبي والصحة النفسية، ولذلك أصبح تجنب الصراعات غير الضرورية أحد أهم وسائل الحفاظ على جودة الحياة.
غير أن الابتعاد عن الخلافات لا يعني التخلي عن المبادئ، ولا السكوت عن الظلم، فهناك فرق كبير بين الدفاع عن حق واضح، وبين الانخراط في خصومات شخصية لا نهاية لها.
فالحق يحتاج إلى حكمة، وليس إلى ضجيج، والقوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في حسن إدارة الموقف، وضبط الانفعال، واختيار الوقت المناسب والكلمة المناسبة.
ومن المؤسف أن بعض الناس يحاولون استدراج الآخرين إلى ساحات النزاع، فإذا رفضت المشاركة اتهموك بالضعف أو بالخوف أو بالحياد السلبي.
لكن الإنسان الواعي يدرك أن ليس كل دعوة تستحق الاستجابة، وليس كل معركة تستحق النزول إلى ميدانها.
فالصقر لا ينزل ليصارع الغربان، والأسد لا يلتفت إلى الضجيج من حوله، لأن الكبار يشغلهم بناء المجد، لا إثبات الذات أمام كل عابر طريق.
ولذلك قيل:”ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال حضر أوانه، وليس كل ما حضر أوانه حضر رجاله.”
وقال ابن الجوزي رحمه الله:
“ما رأيت أكثر إسقاطًا للإنسان من مخالطة السفهاء.”لأن كثرة الاحتكاك بأصحاب الخصومات تجعل الإنسان جزءًا من مشكلاتهم، شاء أم أبى.
كم من إنسان دخل ليصلح بين متخاصمين، فإذا به يصبح خصمًا للطرفين!
وكم من شخص دافع عن آخر، ثم اكتشف بعد حين أنه لم يكن يعرف الحقيقة كاملة!
ولهذا كانت الحكمة في التثبت، وعدم التسرع، والابتعاد عن مواطن الشبهات.
وقد قال رسول الله ﷺ:”دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.”إنها قاعدة عظيمة تصلح لكل زمان ومكان؛ فكل ما يثير الريبة، ويبعث القلق، ويجر إلى الخصومة، فتركه سلامة، والابتعاد عنه غنيمة.
إن الحياة مليئة بما يستحق أن نمنحه وقتنا وجهدنا: أسرتنا، وأبناؤنا، وأعمالنا، وعلمنا، وعبادتنا، وصحتنا، وخدمة أوطاننا، وترك أثر طيب في نفوس الناس.
أما استهلاك العمر في مراقبة الآخرين، والرد على كل تعليق، والدخول في كل معركة، فهو خسارة لا يشعر بها الإنسان إلا بعد فوات الأوان.
لقد أصبحنا في مرحلة من العمر ندرك فيها أن أجمل النعم ليست كثرة الممتلكات، وإنما هدوء القلب، وسكينة النفس، ورضا الضمير.
وليست كثرة المنتصرين حولنا، وإنما قلة الخصوم في حياتنا.
وليست القدرة على الرد، وإنما القدرة على العفو والتجاوز.
فالإنسان الراقي لا يسمح أن يكون أداة في خصومات الآخرين، ولا يجعل نفسه ساحة لتصفية الحسابات، ولا يُلقي بنفسه في معارك لا يعرف حقيقتها كاملة.
إن المجتمعات الراقية لا تُبنى بكثرة الخصومات، وإنما تُبنى بثقافة الاحترام، وحسن الظن، وقبول الاختلاف، والحوار الراقي، والبحث عن المشتركات قبل نقاط الخلاف.
فليس مطلوبًا أن نتفق في كل شيء، ولكن المطلوب أن نختلف بأدب، وأن نحترم الإنسان حتى وإن خالفناه.
قد نرفض فكرة، لكن لا يجوز أن نهين صاحبها، وقد نختلف في الرأي، لكن لا ينبغي أن نختلف في الأخلاق.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من هزمهم في الجدل، وإنما بعدد القلوب التي كسبها بحسن خلقه، ورجاحة عقله، وصفاء سريرته.
ختامًا…
أقول لكل من أنهكته صراعات الحياة: ليس عيبًا أن تبتعد حين ترى الفتنة تشتعل، وليس ضعفًا أن تصمت حين يصبح الكلام وقودًا للخلاف، وليس تقصيرًا أن تحافظ على نفسك من معارك لا طائل منها.
اجعل لنفسك مساحة من السلام الداخلي، ولا تسمح لأحد أن يسلبك نعمة الطمأنينة، فالحياة أقصر من أن تُقضى في الخصومات، وأغلى من أن تُهدر في جدالات لا تغير واقعًا ولا تبني إنسانًا.
ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾وقوله سبحانه:﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.فلنزرع المودة بدل العداوة، ولنمد جسور المحبة بدل أسوار الخصومة، ولنجعل من أخلاقنا رسالة، ومن كلماتنا نورًا، ومن صمتنا حكمة حين يكون الصمت أبلغ من الكلام.
فالسلام الداخلي ليس هروبًا من الحياة، بل هو أحد أعظم انتصارات الإنسان على نفسه، وأصدق علامات نضجه، وأثمن ما يخرج به من رحلة العمر.
اللهم أصلح قلوبنا، وألّف بين نفوسنا، واجعلنا من أهل الحكمة والعفو والإحسان، وأبعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا سلامًا في القلوب، ونورًا في البصائر، وحسن الخاتمة في الدنيا والآخرة. آمين.


