: فلتة لسان.. تهدم ما بنته السنين
كتب : أ.د إبراهيم درويش – عضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
*********************
قد يحتاج الإنسان إلى سنوات طويلة حتى يبني مكانته بين الناس، ويكسب احترامهم وثقتهم ومحبتهم، لكنه قد يهدم كل ذلك في لحظة واحدة… بكلمة!
كلمة قيلت في غضب، أو تعليق خرج بلا تفكير، أو جملة ظن صاحبها أنها عابرة، فإذا بها تكشف ما في القلب، وتجرح إنسانا، وتفسد علاقة، وتغير صورة صاحبها في عيون من حوله.
ولذلك لم يكن اللسان مجرد وسيلة للكلام، وإنما هو في كثير من الأحيان مرآة لما في النفس.
قد يستطيع الإنسان أن يخفي غضبه، وأن يجامل من أمامه، وأن يظهر الهدوء والوقار، لكن لحظة الغضب أو الاستفزاز قد تفتح الباب أمام كلمة تكشف ما كان يحاول إخفاءه.وهنا تظهر خطورة فلتات اللسان.
أحيانا.. كلمة واحدة تكشف الكثير
—————————-
قد يجلس الإنسان بين الناس سنوات طويلة محافظا على صورة معينة عن نفسه، ثم يقول في لحظة غضب جملة واحدة تكشف حسدا أو حقدا أو استعلاء أو احتقارا للآخرين.
وقد يقول كلاما لم يكن ينبغي أن يقوله، ثم يحاول بعد ذلك أن يفسره ويبرره:لم أقصد…
كنت غاضبا…كانت مجرد كلمة…
لكن المشكلة أن الكلمة إذا خرجت لا تعود.ولهذا قيل:
“احفظ لسانك أيها الإنسان.. لا يلدغنك إنه ثعبان”. فاللسان لا يؤذي الآخرين فقط، وإنما قد يعود أذاه على صاحبه.
كم من إنسان خسر صديقا بسبب كلمة.
وكم من زوجين اتسعت بينهما المسافة بسبب جملة قاسية قيلت في لحظة غضب.
وكم من موظف أضاع احترام زملائه لأنه لم يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
وكم من شخص كانت له مكانة كبيرة، ثم أسقطها بنفسه عندما تحدث أكثر مما ينبغي.
كثرة الكلام.. باب من أبواب الخطأ..
—————————-
ليس كل كلام كثيرا سيئا، فالكلام الطيب مطلوب، والنصيحة مطلوبة، والعلم يحتاج إلى بيان.لكن المشكلة في فضول الكلام؛ أن يتحدث الإنسان فيما لا يعنيه، أو يتدخل في كل شيء، أو يصر على إبداء رأيه في كل موقف، أو يحكي أسرار الآخرين، أو يكرر الحديث عن نفسه وإنجازاته وخبراته.
كلما زاد الكلام، زادت فرص الخطأ.
—————————-
ولهذا قيل في الحكمة:”إياك وفضول الكلام؛ فإنه يظهر من عيوبك ما بطن، ويحرك من عدوك ما سكن”…فقد يكون الصمت في بعض المواقف أبلغ من ألف كلمة.
والإنسان العاقل لا يشعر أنه مطالب بالتعليق على كل شيء.
إذا تحدث الناس عن شخص غائب، ليس من الضروري أن يشارك….وإذا اختلف اثنان، ليس من الضروري أن ينحاز.
وإذا سمع سرا، ليس من الرجولة أن ينقله.وإذا استفزه أحد، ليس من الحكمة أن يرد في اللحظة نفسها.
ليس كل ما تعرفه يقال، وليس كل ما يقال يستحق الرد.
اللسان يكشف القلب.. ولكن ليس كل زلة مرضا
—————————-
وهنا ينبغي أن نكون منصفين.
فليس معنى أن الإنسان أخطأ في كلمة أنه صاحب قلب مريض أو أنه منافق أو حاقد.
كل إنسان قد يخطئ، وقد يغضب، وقد تزل كلماته.
لكن الخطر عندما تتحول الزلات إلى أسلوب دائم، أو عندما يكشف الكلام المتكرر عن مشاعر ثابتة من الحسد أو الكراهية أو الكبر أو احتقار الآخرين…فالإنسان قد يخطئ مرة، ثم يندم ويعتذر ويصلح ما أفسده.وهذا هو الفارق بين زلة عابرة وبين سلوك يكشف مشكلة أعمق في النفس.
ومن هنا تأتي أهمية محاسبة الإنسان لنفسه قبل أن يحاسب الآخرين.
القرآن يضع للكلمة ميزانا
الإسلام لم يترك مسألة الكلام بلا ضابط.قال الله تعالى:
“ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”[ق: 18].كل كلمة محسوبة.وقال سبحانه:”وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم”
[الإسراء: 53].لاحظ التعبير القرآني: “التي هي أحسن”.
ليس فقط الكلام الحسن، وإنما اختيار الأحسن.
فقد تستطيع أن تقول الحقيقة بطريقة تجرح، وتستطيع أن تقول الحقيقة نفسها بطريقة تحفظ كرامة من أمامك.
وهنا تظهر أخلاق الإنسان.
والنبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة عظيمة في ضبط اللسان:”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”متفق عليه.
قاعدة بسيطة، لكنها قادرة على تغيير علاقات كثيرة:إما أن تقول خيرا .. أو تصمت.
بعض الكلمات لا يمكن إصلاح آثارها
—————————-
قد تعتذر عن كلمة، لكنك لا تستطيع أن تمحو أثرها بالكامل.
قد تقول لابنك كلمة تحطمه، ثم تندم…وقد تقول لزوجتك في لحظة غضب ما لا ينبغي أن يقال، ثم تعود إلى هدوئك، لكن الكلمة تكون قد استقرت في قلبها.
وقد تسخر من شخص أمام الآخرين، وتنسى الموقف بعد دقائق، بينما يظل هو يتذكره سنوات.ولهذا فالكلمة ليست صوتا ينتهي بمجرد خروجه من الفم. فالكلمة قد تصبح ذكرى.
وقد تصبح جرحا.وقد تصبح خصومة.وقد تصبح سببا في قطيعة.وقد تكون، في المقابل، سببا في جبر خاطر إنسان وتغيير حياته.فالكلمة نفسها يمكن أن تهدم أو تبني.
لماذا نتكلم كثيرا عندما نغضب؟
—————————-
لأن الغضب يضعف قدرة الإنسان على التفكير الهادئ.
ولهذا كان من الحكمة ألا يتخذ الإنسان قرارات مهمة وهو غاضب، وألا يرسل رسالة وهو غاضب، وألا يدخل في مواجهة وهو غاضب.أحيانا يكون أفضل رد على الاستفزاز هو أن تؤجل الرد.اسكت قليلا.تنفس.
غادر المكان إن احتجت.
ثم عد إلى الكلام بعد أن تهدأ.
فما أسهل أن تقول كلمة في دقيقة، وما أصعب أن تصلح آثارها بعد ذلك.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”
متفق عليه.القوة ليست أن ترفع صوتك.القوة أن تستطيع أن ترد ثم تختار ألا ترد.
لا تجعل الحديث عن نفسك عادة
—————————-
ومن أكثر صور فضول الكلام انتشارا أن يتحول الإنسان إلى متحدث دائم عن نفسه:
أنا فعلت…أنا أعرف…أنا كنت…
أنا قلت…أنا حذرت…أنا أنجزت…ولا بأس أن يتحدث الإنسان عن تجربته عندما تكون فيها فائدة، لكن المشكلة عندما يصبح الحديث عن الذات وسيلة لإثبات التفوق على الآخرين.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إعلان عظمته في كل مجلس.والشخص الذي لديه علم حقيقي يعرف أن الاستماع جزء من العلم.ومن الحكم الجميلة:”كلام الإنسان بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصر على الجميل، واقتصر منه على القليل”.فليس كثرة الكلام دليلا على قوة الشخصية، كما أن الصمت ليس ضعفا.أحيانا يكون الصمت قمة الحكمة.
قبل أن تتكلم.. اسأل نفسك خمسة أسئلة..
—————————-
قبل أن تقول كلمة قد تندم عليها، اسأل نفسك:هل ما سأقوله صحيح؟هل هو ضروري؟هل هذا هو الوقت المناسب؟هل يمكن أن أقوله بطريقة أفضل؟هل سيرضى الله عن هذه الكلمة؟
إذا لم تكن بحاجة إلى الكلام، فالصمت قد يكون أكثر أمانا.
وإذا كنت غاضبا، فأجل الكلام.
وإذا كان الكلام عن شخص غائب، فتذكر أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وإذا كانت الكلمة ستكسر قلب إنسان دون فائدة، فابحث عن طريقة أخرى.
حصاد الألسنة
—————————-
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:
“وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟”
إنه تحذير شديد من الاستهانة بالكلام.فاللسان صغير الحجم، لكنه قد يكون عظيما في أثره.
به تصلح بين الناس، وبه تفسد بينهم.به ترفع إنسانا، وبه تحط من قدره.به تجبر خاطرا، وبه تكسر قلبا.به تذكر الله، وبه يقع الإنسان في الغيبة والنميمة والكذب والافتراء.
ولهذا فإن تهذيب اللسان ليس مجرد أدب اجتماعي، وإنما هو تربية للقلب والنفس والدين.
اجعل لسانك حارسا لا هادما
ليس المطلوب أن يصمت الإنسان طوال الوقت.تكلم.
انصح.علم.ناقش.دافع عن الحق.لكن اختر كلماتك.
ولا تجعل الغضب يتحدث نيابة عنك.ولا تجعل الغرور يختار ألفاظك.ولا تجعل الحسد يفسر لك نجاح الآخرين.ولا تجعل لحظة انفعال تهدم سنوات من الاحترام.
وتذكر دائما:الكلمة قبل أن تخرج أنت تملكها، فإذا خرجت ملكتك هي.ولهذا قال الحكماء:
“مقتل الرجل بين فكيه”.
وقال الشاعر:يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرجل..فكم من عثرة قدم استطاع الإنسان أن يتجاوزها، وكم من عثرة لسان ظل أثرها يلاحقه طويلا.
كلمة أخيرة..
—————
لا تراقب لسانك فقط عندما تتحدث أمام الناس، بل راقبه عندما تغضب، وعندما تختلف، وعندما ترى نجاح غيرك، وعندما تشعر أنك مظلوم.
فهناك تظهر حقيقة الإنسان.
ليس المهم أن تكون قليل الكلام، وإنما أن يكون كلامك قليلا في الخطأ، كثيرا في الخير.
فاحفظ لسانك، تحفظ مقامك.
واضبط كلمتك، تحفظ علاقاتك.
وطهر قلبك، يطيب لسانك.
اللهم طهر قلوبنا من الحسد والكبر والحقد، وطهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة وسوء القول، واجعل كلامنا خيرا، وصمتنا حكمة، وقلوبنا سليمة، ولا تجعل كلمة منا سببا في جرح إنسان أو ظلم أحد. آمين.
—————————-
جمعتكم طيبة مباركة
ا.د/ابراهيم حسينى درويش
2026/10/2


