الرئيسيةرجال صنعوا التاريخرفاعة الطهطاوي... الرجل الذي صنع نهضة أمة

رفاعة الطهطاوي… الرجل الذي صنع نهضة أمة

رفاعة الطهطاوي… الرجل الذي صنع نهضة أمة

رمز لفكرة ما زالت مصر تحتاج إليها

بقلم د. منال إمام:
عضو المجلس العربي للثقافة والتراث – أحد المجالس العربية المتخصصة بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

هناك رجال يمرون في التاريخ، وهناك رجال يصنعون التاريخ.
ورفاعة رافع الطهطاوي كان من هؤلاء القلائل الذين أدركوا، قبل أكثر من مائتي عام، أن مستقبل الأمم لا تُصنع في ساحات القتال وحدها، وإنما تُصنع في المدارس، وتُكتب في الكتب، وتبنيه العقول المستنيرة.
في مطلع القرن التاسع عشر، كانت مصر تبحث عن طريقها نحو المستقبل. وكان محمد علي باشا يبني جيشًا ودولة حديثة، لكن الدولة الحديثة لم تكن تحتاج إلى السلاح وحده، بل إلى الإنسان القادر على فهم العصر وصناعة المعرفة. وهنا ظهر رفاعة الطهطاوي، ليصبح أحد أهم مهندسي النهضة المصرية الحديثة.
ولد في مدينة طهطا بصعيد مصر عام 1801، ونشأ في بيت علم وفضل، فحفظ القرآن الكريم، ونهل من علوم الأزهر الشريف، حتى بدا واضحًا منذ شبابه أن أمام مصر عقلًا استثنائيًا لا يرضى بالوقوف عند حدود المألوف.
وجاءت الفرصة التي غيرت حياته عندما اختير عام 1826 لمرافقة أول بعثة علمية مصرية إلى فرنسا. سافر إمامًا للبعثة، لكنه عاد قائدًا لمشروع حضاري كامل.
في باريس لم ينظر إلى أوروبا بعين المبهور الذي يريد أن يقلد كل شيء، ولم ينظر إليها بعين الرافض الذي يغلق أبواب المعرفة. بل نظر إليها بعين العالم الواثق من هويته، فأخذ أسباب التقدم العلمي، واحتفظ بروحه المصرية والعربية والإسلامية. لقد فهم رفاعة حقيقة ما زالت صالحة حتى يومنا هذا: أن الحضارة ليست تقليدًا، وإنما قدرة على التعلم ثم الإبداع. وعندما عاد إلى مصر، حمل معه مشروعًا لبناء الإنسان.
أسس مدرسة الألسن، وأطلق أكبر حركة ترجمة عرفتها مصر في عصرها الحديث، وأشرف على نقل مئات الكتب في العلوم والطب والهندسة والقانون والتاريخ والجغرافيا والفلسفة إلى اللغة العربية، مؤمنًا بأن المعرفة لا تصبح ملكًا للأمة إلا إذا تحدثت بلغتها.
وكان يؤمن بأن اللغة العربية ليست عائقًا أمام العلم، بل هي الجسر الذي يعبر عليه العلم إلى عقول أبنائها. لذلك دافع عن تدريس العلوم بالعربية، وهي فكرة ما زالت تثير النقاش حتى يومنا هذا.
ولم يكن مشروعه علميًا فقط، بل كان وطنيًا أيضًا. ففي الوقت الذي نقل فيه علوم الغرب، كان يعمل على حماية الآثار المصرية من الضياع، ويدعو إلى الحفاظ على هوية الأمة، وكأنه يعلن أن النهضة الحقيقية لا تنجح إذا فقدت الشعوب ذاكرتها.
ثم جاءت السنوات الصعبة: أُغلقت مدرسة الألسن، وتوقفت حركة الترجمة، ونُفي رفاعة إلى السودان، ظنًا أن الأفكار يمكن أن تُنفى مع أصحابها.
لكن أصحاب الرسالات لا يتوقفون. واصل العمل في منفاه، وعاد إلى وطنه أكثر إصرارًا، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء، فأنشأ الكتاتيب لمحو الأمية، وأعاد تنظيم حركة الترجمة، وأشرف على نشر أمهات كتب التراث العربي، وأصدر مجلة “روضة المدارس”، وواصل الكتابة في التاريخ والتربية والقانون والاجتهاد والتجديد، حتى أصبح مدرسة فكرية قائمة بذاتها.
لم يكن رفاعة الطهطاوي مترجمًا فقط، ولا مربيًا فقط، ولا مؤرخًا فقط، بل كان صاحب رؤية استراتيجية لبناء الدولة. لقد أدرك أن قوة الوطن تبدأ من الإنسان المتعلم، وأن المعرفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي، وأن الأمة التي تنتج العلم تملك قرارها، بينما الأمة التي تكتفي باستهلاك علوم الآخرين تظل تابعة لهم.
واليوم، ونحن نعيش عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، يبدو رفاعة الطهطاوي أقرب إلينا من أي وقت مضى. فما دعا إليه قبل قرنين أصبح اليوم معيار تقدم الدول، من الاستثمار في التعليم، إلى توطين المعرفة، إلى بناء الإنسان القادر على المنافسة والإبداع.
لقد رحل رفاعة عام 1873، لكن الرسالة التي تركها لم ترحل: فالأمم لا تخلد أسماء من جمعوا المال، بل تحفظ أسماء من صنعوا الوعي، ولا تذكر من عاش لنفسه، بل من عاش لوطنه.
ولهذا سيبقى رفاعة الطهطاوي واحدًا من أعظم بناة النهضة المصرية، ورمزًا خالدًا يؤكد أن نهضة الأوطان تبدأ دائمًا بفكرة، ويقودها مخلصون يؤمنون بأن العلم هو أقوى أسلحة المستقبل، وأن بناء العقول هو الطريق الأقوم لبناء الدول وصيانة أمنها وكرامتها.
.

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة