بقلم
ا.د / ابراهيم حسينى درويش – عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
****************************
كيف أصبحت القلوب تُخاصم من لا تعرف؟
—————————————-
ليس من المستغرب أن يحمل الإنسان مشاعر الغضب أو الألم تجاه من أساء إليه أو ظلمه أو تسبب له في أذى نفسي أو مادي؛ فهذا من طبيعة البشر، وإن كان الدين واخلاق الاسلام يدعوان إلى العفو والصفح متى أمكن.
لكن الظاهرة التي باتت تثير القلق في مجتمعاتنا اليوم هي أن تنشأ مشاعر الكراهية والعداء تجاه أشخاص لم يرتكبوا ذنبًا، ولم تصدر منهم إساءة، ولم تقع بينهم وبين من يعاديهم أي مواقف مباشرة.
إنها حالة من الخصومة الوهمية، حيث يتحول النجاح إلى تهمة، والتميز إلى جريمة، وحسن السمعة إلى سبب للحقد، ويصبح الإنسان عدوًا في نظر غيره دون أن يدري، بل وربما دون أن يكون قد التقى به يومًا.
هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل أصبحت تتكرر بصورة لافتة، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات كثير من الناس يصنعون أحكامهمومشاعرهم اعتمادًا على السماع والإشاعات والانطباعات، لا على المعرفة والحقيقة.
حين يصبح النجاح سببًا للعداء
—————————————-
من أخطر التحولات النفسية والاجتماعية أن يتحول نجاح الآخرين إلى مصدر ألم بدلاً من أن يكون مصدر إلهام.
فبدلاً من أن يقول الإنسان: “كيف أصبح مثله؟”، يقول في نفسه: “لماذا هو وليس أنا؟”.
وهنا يبدأ العقل في اختراع المبررات، فيفسر كل نجاح بالمجاملة، وكل احترام بالنفاق، وكل إنجاز بالحظ أو العلاقات،حتى يريح نفسه من مواجهة تقصيره. ولهذا قال الله تعالى:﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(النساء: 54).فالفضل بيد الله، والعطاء من الله، وليس من الحكمة أن يتحول رزق الآخرين إلى مصدر عذاب لأنفسنا فلن يصيبك الحقد والحسد ومشاعر الكره..الا مذيد من ألالم كالنار تحرق نفسها.
كيف نصنع أعداءً من خيالنا؟
—————————————-
كم من إنسان أصبح مكروهًا عند آخرين لأنه سمع عنه كلمة، أو قرأ تعليقًا، أو نقل إليه شخص رواية مشوهة أو انسان حاقد و شي به ونقل عنه ماليس فيه ،فتتشكل الصورة الذهنية قبل أن تتشكل الحقيقة.
وقديمًا قال الإمام الشافعي:”إذا بلغك عن أخيك ما تكره فالتمس له سبعين عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعلمه.”لكن الواقع اليوم يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ يبحث البعض عن سبب للإدانة، لا عن عذر للبراءة.ولهذا حذر القرآن الكريم بقوله:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾(الحجرات: 12).
وجاء في الحديث الشريف:«إياكم والظن،فإن الظن أكذب الحديث » (متفق عليه).فالظنون إذا سيطرت على القلوب صنعت خصومات لا وجود لها إلا في الأذهان.
لماذا تنتشر هذه الظاهرة؟
—————————————-
هناك عدة أسباب تقف خلف هذا النوع من العداء غير المبرر، من أهمها:
١- ضعف الثقة بالنفس:فالإنسان الواثق من نفسه لا يخشى نجاح الآخرين، بل يفرح به، أما المهزوز نفسيًا فيرى كل متفوق تهديدًا له.
٢- المقارنات المستمرة :وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الناس يعيشون في سباق دائم مع الآخرين، فيقارن الإنسان حياته بحياة غيره، فيولد ذلك شعورًا بالنقص يتحول مع الوقت إلى حسد وعداء.
٣- نقل الكلام والإشاعات:كم من علاقة فسدت بسبب كلمة من ناقل حديث، أو إشاعة بلا دليل.
ولذلك قال النبي ﷺ:«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.»(رواه مسلم).
٤- الفراغ النفسي والفكري:الإنسان المنشغل ببناء نفسه لا يجد وقتًا لمراقبة الناس أو تتبع أخبارهم، أما الفراغ فيجعل البعض يعيشون على متابعة الآخرين وتحليل حياتهم وإطلاق الأحكام عليهم.
٥- التربية الخاطئة: حين يُربى الإنسان على المنافسة السلبية، وأن نجاح الآخرين يعني فشله هو، يكبر وهو ينظر إلى كل ناجح باعتباره خصمًا.
وسائل التواصل… مصنع للمشاعر السلبية
—————————————-
لم تكن وسائل التواصل سببًا في خلق الحسد والكراهية، لكنها أصبحت بيئة خصبة لتغذيتهما.
فهي تعرض صور النجاح دون إظهار حجم المعاناة، وتنقل الشائعات بسرعة، وتمنح مساحة واسعة لإطلاق الأحكام دون مسؤولية.
ولهذا أصبح البعض يكوِّن موقفًا من شخص لمجرد منشور، أو مقطع فيديو، أو تعليق مجتزأ، دون أن يعرف حقيقته.
الإسلام يبني القلوب قبل العلاقات
—————————————-
الإسلام لم يكتفِ بالنهي عن الظلم، بل عالج جذور المشاعر التي تقود إليه.قال رسول الله ﷺ:«لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا.»(متفق عليه). وقال ﷺ:«دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين.»(رواه الترمذي وحسنه).
فالحسد لا يؤذي المحسود بقدر ما يلتهم قلب الحاسد، ويحرمه راحة النفس وسكينة الروح.
كيف نحمي أنفسنا؟
—————————————-
الوقاية تبدأ من إصلاح الداخل قبل إصلاح الخارج، ومن أهم وسائلها:
١- إحسان الظن بالناس حتى يثبت العكس.
٢-الانشغال بتطوير الذات بدلاً من مراقبة الآخرين.
٣-التحقق من الأخبار قبل تصديقها أو نقلها.
٤-الدعاء للناجحين بالبركة، فدعاؤك لهم يطهر قلبك قبل أن ينفعهم.
وتربية الأبناء على أن النجاح ليس موردًا محدودًا، وأن رزق الله واسع للجميع.
٥-تذكر أن فضل الله لا ينقص إذا أعطى غيرك.
٦- إذا شعرت أن أحدًا يعاديك بلا سببلا تجعل ذلك يسرق منك سلامك النفسي.فليس مطلوبًا منك أن تُرضي الجميع، ولا أن تبرر نفسك لكل أحد.
يقول الله تعالى:﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت: 34).
فأفضل رد على الكراهية ليس كراهية مثلها، وإنما حسن الخلق، والثبات على المبادئ، وترك الأيام تكشف الحقائق.
ختاما:
—————————————-
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل امتلاء القلوب بالضغائن دون أسباب، وتحول الظنون إلى أحكام، والشائعات إلى قناعات، والنجاح إلى تهمة.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تُعيد الاعتبار لسلامة الصدر، وإلى تربية تُعلِّم أبناءنا أن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحهم، وأن المحبة لا تُكلف شيئًا، بينما الكراهية تستنزف صاحبها قبل غيره.
فلنراجع قلوبنا قبل أن نحاكم الناس، ولنسأل أنفسنا دائمًا: هل أكره هذا الإنسان لأنه أساء إليَّ حقًا، أم لأنني سمعت عنه ما لا أعلم صدقه، أو رأيت فيه نعمة تمنيت أن تكون ليفالقلوب النظيفة هي أعظم ثروة يملكها الإنسان، ومن عاش سليم الصدر عاش مرتاح الضمير، ونال محبة الله والناس.
—————————————-
٢٠٢٦/٧/١٠


