بقلم: د. منال إمام
عضو المجلس العربي للثقافة والتراث – أحد المجالس العربية المتخصصة بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة
كثيرًا ما يمر المصريون يوميًا أمام مستشفى أحمد ماهر بوسط القاهرة، أو يسمعون اسمه متداولًا، فيظن بعضهم أنه كان طبيبًا شهيرًا، وأن المستشفى يحمل اسمه تقديرًا لإسهاماته الطبية. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فأحمد ماهر باشا لم يكن طبيبًا، بل كان أحد رجال السياسة والحياة النيابية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومن الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، حتى وإن لم يحظ اسمه اليوم بما يستحقه من حضور في الذاكرة الوطنية.
وُلد أحمد ماهر باشا عام 1888 في القاهرة، وتخرج في مدرسة الحقوق، ثم واصل دراسته في فرنسا حيث تخصص في القانون والاقتصاد، قبل أن يعود إلى مصر ليعمل أستاذًا للقانون، ثم محاميًا، لتنطلق بعد ذلك رحلته في العمل الوطني والسياسي.
ومع اندلاع ثورة 1919، كان أحمد ماهر من الشباب الذين التفوا حول الزعيم سعد زغلول، وأسهم في الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال. ولم يكن نضاله مجرد خطب أو مواقف سياسية، بل شارك في العمل الوطني السري المناهض للاحتلال البريطاني، وهو ما يعكس حجم التضحيات التي قدمها ذلك الجيل من أجل حرية الوطن.
كان أحمد ماهر خطيبًا مفوهًا وسياسيًا يتمتع بقدرة كبيرة على الحوار والإقناع، قبل أن يختلف مع قيادة حزب الوفد لاحقًا، فيشارك مع عدد من رفاقه في تأسيس الحزب السعدي، الذي أصبح أحد الأحزاب السياسية في الحياة البرلمانية المصرية خلال الأربعينيات.
ولعل أكثر ما يميز أحمد ماهر باشا هو حضوره النيابي اللافت. فقد كان من أهم رجال البرلمان المصري، وتمتع باحترام واسع داخل مجلس النواب، حيث عُرف بتمكنه القانوني، وقوة حجته، وحرصه على ترسيخ العمل الدستوري. وفي زمن كانت فيه الحياة النيابية المصرية تعيش إحدى أكثر مراحلها ثراءً، كان أحمد ماهر أحد أعمدتها الذين أسهموا في ترسيخ تقاليد النقاش البرلماني والمسؤولية السياسية.
وتُوِّجت مسيرته بتوليه رئاسة مجلس الوزراء عام 1944، في مرحلة دقيقة من تاريخ العالم مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، وما صاحبها من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية. وخلال فترة رئاسته للحكومة، اتخذ عددًا من القرارات المهمة، وكان من بينها إعلان دخول مصر الحرب إلى جانب دول الحلفاء، وهي الخطوة التي مهدت لانضمام مصر إلى مؤتمر سان فرانسيسكو والمشاركة في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، بما منح الدولة المصرية مكانتها بين الدول المؤسسة للنظام الدولي الجديد بعد الحرب.
لكن القدر لم يمهله طويلًا. ففي الرابع والعشرين من فبراير عام 1945، وبعد دقائق من إلقائه بيان الحكومة أمام مجلس النواب بشأن دخول الحرب، تعرّض لعملية اغتيال داخل مبنى البرلمان، ليسقط رجل دولة وهو يؤدي واجبه تحت قبة المجلس، في واحدة من أكثر الحوادث تأثيرًا في تاريخ الحياة السياسية المصرية.
وربما اختلف المؤرخون في تقييم بعض مواقفه السياسية، كما هو الحال مع معظم رجال الدولة الكبار، لكنهم يكادون يتفقون على أنه كان سياسيًا وطنيًا امتلك ثقافة قانونية رفيعة، وخبرة برلمانية واسعة، وإيمانًا عميقًا بالدولة ومؤسساتها. وقد ترك أثرًا واضحًا في تطور التجربة النيابية المصرية، وفي بناء تقاليد العمل السياسي خلال الحقبة الليبرالية.
إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تتذكر فقط من حملوا السلاح دفاعًا عنها، وإنما أيضًا من حملوا الكلمة، وصاغوا التشريعات، ودافعوا عن الدستور، وأداروا شؤون الدولة في أصعب الظروف. ومن هذا المنطلق، فإن أحمد ماهر باشا يستحق أن يُستعاد في الذاكرة الوطنية باعتباره أحد فرسان الحياة السياسية المصرية، وأحد الرجال الذين أسهموا في بناء الدولة الحديثة.
ولعل أجمل تكريم له ألا يبقى اسمه مجرد لافتة على مستشفى أو شارع، بل أن تعرف الأجيال الجديدة من هو أحمد ماهر باشا، ولماذا استحق أن يُخلَّد اسمه في قلب القاهرة، وفي صفحات التاريخ المصري.


