الرئيسيةمقالاتحين لا يُثمر الإحسان إلا أذى..

حين لا يُثمر الإحسان إلا أذى..

حين لا يُثمر الإحسان إلا أذى..

حين لا يُثمر الإحسان إلا أذى..

بقلم : أ.د إبراهيم درويش

*******************
بعض النفوسٌ تتغذّى على الخير وتردّه سمًّا!….
تجارب الحياة خاصة فى العلاقات الاجتماعية قد تكون مؤلمة ..
يقول البعض من الذين يقدمون من مواقف وتصرفات بعض الأشخاص الذين كانت لهم مكانة فى قلوبهم : كنت أحسب أن اللطف يُرَدُّ بمثله، وأن صدق النية يكفي لكي يفهمك الناس على حقيقتك، وأن من تقف بجانبه في شدته لن ينسى لك موقفك النبيل وجميلة حين تضيق به الدنيا.
لكن الأيام تعلمنا أن أفعال الناس لا تحكمها دائمًا قيمة ما تقدمه لهم معروف ، وإنما تحكمها تربيتهم ونفوسهم وما استقر فيها من أخلاق وطباع.
كم من إنسان فتحت له قلبك، وكنت له سندًا حين احتاج، ثم فوجئت به يعاملك بجفاء، أو ينكر فضلك، أو يسيء إليك من حيث كنت تنتظر الوفاء!

وهنا تستحضر هذه العبارة: «بعض الأفاعي لو أطعمتها العسل ما لانت ولا شكرت؛ بل قد تلدغك من اليد التي أحسنت إليها، لأن بعض النفوس لا يردعها الجميل، ولا يغيّر طبعها المعروف، وإنما يزيدها جرأة على من أمنها ».

إنها عبارة تصف تجربة مؤلمة، لكن الحكمة ليست في أن نشك في الجميع، بل في أن نفهم الناس جيدًا، وألا نترك طيبة قلوبنا بلا بصيرة تحميها.

حين يصبح الإحسان بابًا للأذى
————————————–
المؤلم أن الإساءة لا تأتي دائمًا من خصم أو منافس في فهذا أمر متوقع ، بل قد تأتي ممن لم تبخل عليه يومًا بودك، وقدمت له ماتسطيع ولم تتمنَّ له إلا الخير. مما يجعلك فى صدمة وحيرة فتسأل نفسك: ماذا فعلت له؟ ولماذا يقابل كل هذا الود بالجفاء؟ وهل أخطأت حين أحسنت إليه؟
الحقيقة التى يجب أن ننتبه إليها أن الإنسان ليس مسؤولًا عن أخلاق غيره، لكنه مسؤول عن حسن اختياره لمن يمنحهم ثقته.
وايضا يجب أن نفرق هناك بين إنسان يخطئ ثم يندم ويعتذر، وآخر يتخذ الإساءة عادة ومنها فى حياته ووسيلة يحقق بها رغباته وأهدافه ، وينكر المعروف، ويعتبر تسامحك فرصة لتجاوز حدودك مرة بعد أخرى.
لذلك لا تحكم على إنسان من موقف عابر، ولكن راقب تكرار السلوك، وصدق الاعتذار، وما إذا كان صاحبه يتغير بالفعل أم يكتفي بكلمات تهدئ غضبك حتى تتكرر الإساءة.

لماذا يجحد بعض الناس من أحسن إليهم؟
——————————–
هناك من يأخذ العطاء باعتباره حقًّا مكتسبًا، حتى إذا توقفت عن تقديمه اتهمك بالتقصير، وكأن ما كنت تمنحه تفضلًا منك أصبح واجبًا عليك!
وهناك من يصعب عليه الاعتراف بفضل الآخرين؛ فيحاول التقليل من شأنهم أو إنكار دورهم، بدلًا من أن يحفظ الجميل.
وقد يكون الحسد سببًا آخر، فيضيق بعض الناس بنجاح من وقف إلى جوارهم، وتتحول المودة عندهم إلى مقارنة، ثم إلى انتقاص وإساءة.

وهناك من يفسر التسامح المتكرر على أنه ضعف، والكرم الدائم على أنه التزام، فإذا وضعت حدًّا لتجاوزاته اتهمك بأنك تغيرت، متناسيًا أنه هو الذي غيّر طبيعة العلاقة بسلوكه.

ومع ذلك، ينبغي ألا نتسرع في اتهام الناس؛ فليس كل خلاف حسدًا، ولا كل جحود دليلًا على سوء النية.
لكن تكرار الإساءة، وغياب الندم، والإصرار على إيذاء الآخرين، أمور لا يصح تجاهلها.
فالقلوب لا تُشترى بالعطاء، والوفاء لا يُفرض بالإحسان، والأخلاق لا تتغير لمجرد أن أحدًا أغدق علينا من خيره.

ماذا يقول ديننا؟
——————————–
لم يجعل الإسلام الإحسان صفقة ننتظر ثمنها من الناس، وإنما جعله خُلُقًا نتقرب به إلى الله.يقول سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
فإذا جحد إنسان إحسانك، فلا تجعل جحوده سببًا في تخليك عن فضيلتك، ولكن تعلّم أن تمنح الخير بحكمة، وأن تضعه في موضعه المناسب.
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].
إنها دعوة إلى أن نسمو بأخلاقنا فوق الإساءة، وألا نسمح للغضب بأن يحولنا إلى أشخاص يشبهون من آذونا..
لكن رد الإساءة بالحسنى لا يعني الاستسلام للظلم، أو ترك أبواب حياتنا مفتوحة لمن يكرر الأذى.

ويقول سبحانه في وصف أهل الإحسان: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
فالعفو فضيلة، وكظم الغيظ قوة، لكنهما لا يعنيان أن نمنح المسيء حقًّا دائمًا في إيذائنا.

يمكننا أن نعفو دون أن نعيد الثقة، وأن نحفظ كرامتنا دون أن نرد السيئة بالسيئة.
وقال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه الترمذي.

فلا تجعل إساءة الآخرين مبررًا لسوء أخلاقك، ولا تجعل حرصك على رضاهم سببًا في التفريط في حقك.

كيف تحمي قلبك دون أن تفقد طيبتك؟
——————————–
أولًا، لا تجعل إحسانك صفقة تنتظر مقابلها. افعل الخير لأنك تؤمن به وتبتغي به وجه الله، لا لأنك تضمن أن يرد لك الآخرون الجميل. فإذا لم تجد الوفاء، فلا تندم على أخلاقك، ولكن راجع اختيارك لمن تمنحهم ثقتك.
ثانيًا، ضع حدودًا واضحة. الطيبة لا تعني أن توافق على كل طلب، ولا أن تتحمل كل إساءة. من حقك أن تقول «لا» حين تصبح الموافقة ظلمًا لنفسك، وأن توقف الاستغلال دون شعور بالذنب.
ثالثًا، لا تمنح الثقة مجددًا لمجرد سماع الاعتذار. الاعتذار بداية طيبة، لكن استعادة الثقة تحتاج إلى تغيير حقيقي تثبته الأفعال، لا الوعود وحدها.
رابعًا، لا تدخل معركة لإثبات فضلك. ليس مطلوبًا منك أن تذكّر كل إنسان بما قدمته له، أو أن ترد على كل كلمة تنكر بها الحقيقة. احتفظ بكرامتك، واترك الأيام تكشف ما تعجز الكلمات عن إثباته.
خامسًا، ابتعد بهدوء حين يصبح القرب أذًى. ليس كل ابتعاد قطيعة، وليس كل استمرار وفاءً. أحيانًا يكون تقليل التعامل مع شخص مؤذٍ هو القرار الأكثر حكمة، ويمكنك أن تفعل ذلك دون تشهير أو انتقام.

وتذكر أن هناك فرقًا بين إنسان أخطأ فندم، وإنسان أساء فتمادى؛ فالأول قد يستحق فرصة جديدة، أما الثاني فلا ينبغي أن تكون طيبتك وسيلة لاستمرار أذاه.

لا تسمح لجحود الآخرين أن يغيّرك
——————————–
في رحلة الحياة، سنقابل أناسًا يحفظون الود ويصونون العشرة، وآخرين قد ينكرون أعظم ما قدمناه لهم، وكأن شيئًا لم يكن.
فلا تجعل تجربة مؤلمة تحكم بها على البشر جميعًا، ولا تسمح لشخص جاحد أن ينتزع منك إيمانك بالخير.
لكن لا تكرر الخطأ نفسه باسم التسامح، ولا تخلط بين نقاء القلب والسذاجة، ولا بين حسن الظن وتجاهل الحقائق.

كن كريمًا، ولكن لا تكن مستباحًا.
——————————–
سامح، ولكن لا تتعجل إعادة الثقة. أحب الخير للناس، ولكن لا تهمل نفسك في سبيل إرضائهم.وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 110].
فما قدمته من خير لا يضيع عند الله، حتى لو جحده الناس، وما بذلته من إخلاص لا ينتقص منه جحود جاحد، وما تحليت به من مروءة لا تصبح عيبًا لأن أحدهم لم يعرف قدرها.

المشكلة ليست في العسل الذي تقدمه، وإنما فيمن لا يعرف قيمته.
——————————–
والحكمة ليست أن تتوقف عن تقديم العسل، بل أن تعرف لمن تقدمه، وألا تسمح لمن لدغك أن يفسد قلبك أو يجعلك تتخلى عن أجمل ما فيك.
اللهم ارزقنا قلوبًا نقية لا تحمل حقدًا، وبصائر واعية تميز بين الصادق والمتلون، وحكمة تحفظ كرامتنا، واجعل إحساننا خالصًا لوجهك الكريم، ولا تجعل جحود الناس يطفئ نور الخير في نفوسنا. آمين.
——————————–
جمعتكم طيبة مباركة
ا د / ابراهيم حسينى درويش
٢٠٢٦/١٠/٣٠

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة