الرئيسيةمقالاتالشخصية القمّاصة.. لماذا تخسر كل من يقترب منها؟

الشخصية القمّاصة.. لماذا تخسر كل من يقترب منها؟

الشخصية القمّاصة.. لماذا تخسر كل من يقترب منها؟

الشخصية القمّاصة.. لماذا تخسر كل من يقترب منها؟
********************

بقلم أ.د إبراهيم درويش

هناك شخصيات تنجذب إليها من أول لقاء؛ لما تتمتع به من حضور قوي، وثقة بالنفس، وقدرة على الحديث والتأثير. لكنك ما إن تقترب منها وتتعامل معها عن قرب، حتى تكتشف أنك أمام شخصية يصعب إرضاؤها، ويصعب الحفاظ على علاقة مستقرة معها؛ كلمة عابرة قد تثير غضبها، وملاحظة بسيطة قد تشعل خلافًا، واختلاف في الرأي قد يحوّلك في نظرها إلى خصم.

إنها الشخصية «القمّاصة»، التي لا تعرف على وجه الدقة ما الذي يغضبها، ولا كيف ترضيها؛ لأنها لا تكتفي بأن يراعي الآخرون مشاعرها، بل تريد منهم أن يتوقعوا ما يرضيها، وأن يوافقوها على آرائها وتصرفاتها، وألا يناقشوها فيما تفعل، وكأن الاختلاف معها انتقاص من قدرها، أو اعتراض على مكانتها.

والأشد غرابة أنها قد تنقلب في لحظات من الود إلى العدوان، ومن القرب إلى الجفاء، لمجرد أنها شعرت بأن أحدًا لا يوافقها أو لا يمنحها الاهتمام الذي تراه حقًا مكتسبًا لها. وهنا يبرز السؤال: لماذا تخسر هذه الشخصية كل من يقترب منها، رغم أنها قد تكون موضع إعجاب في البداية؟

حين تتحول الحساسية إلى عبء على الآخرين
———————————-
ليست كل حساسية عيبًا، وليست كل سرعة غضب دليلًا على النرجسية؛ فهناك فرق بين إنسان مرهف المشاعر يتأثر بالكلمات، لكنه يحسن الظن بالناس، وبين إنسان يجعل من مشاعره معيارًا وحيدًا للحكم على الآخرين.

الشخصية القمّاصة، بالمعنى الذي نتناوله هنا، لا ترى المواقف كما هي دائمًا، بل قد تفسرها وفقًا لما تشعر به؛ فالصمت تجاهل، والاختلاف تقليل من شأنها، والنصيحة تدخل في شؤونها، والنقد المحترم إهانة لا تُغتفر.

إنها تريد من الآخرين أن يفهموها دون أن تتحدث، وأن يراعوا مشاعرها دون أن تراعي مشاعرهم، وأن يتقبلوا أخطاءها بينما تحاسبهم على أبسط هفواتهم.

وإذا كانت صاحبة منصب أو مكانة اجتماعية، أو تقدم خدمة للناس، فقد تتوهم أن ما تقدمه يمنحها حقًا في الطاعة المطلقة والثناء الدائم، وأن على الجميع أن يسبّحوا بحمدها، وألا يعترضوا على رأيها أو ينتقدوا تصرفًا من تصرفاتها.

وهنا تختلط الثقة بالنفس بالغرور، وتتحول المكانة من مسؤولية إلى وسيلة للاستعلاء، ويصبح العطاء الذي يُفترض أن يقرب القلوب سببًا في إبعادها.

من أين تأتي هذه الطباع؟
———————————-
لا تتكون الشخصية الإنسانية من عامل واحد، وإنما تتداخل في تشكيلها التربية والتجارب والبيئة المحيطة وطريقة تعامل الإنسان مع مشاعره.

فقد ينشأ الطفل في بيت يبالغ في تدليله، ويستجيب لكل رغباته، ويبرر أخطاءه، ولا يسمح لأحد بمراجعته، فيكبر معتقدًا أن من حقه الحصول على ما يريد، وأن رفض الآخرين لطلباته ظلم له.

وقد ينشأ في بيئة أخرى يتعرض فيها للنقد الجارح أو الإهانة أو التقليل من شأنه، فيصبح شديد الحساسية تجاه أي ملاحظة، ويبالغ في الدفاع عن نفسه، وربما يخفي شعوره بالنقص خلف قناع من التعالي.

وقد تسهم النجاحات والمناصب وكثرة المديح في تضخم الأنا، خاصة عندما يحيط الإنسان نفسه بمن يوافقونه دائمًا، ويبتعد عن أصحاب الرأي الصادق، حتى يظن أن إعجاب الآخرين به دليل على أنه لا يخطئ.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال هذه الطباع في سبب واحد، أو إطلاق تشخيص نفسي على شخص لمجرد سرعة غضبه أو حساسيته؛ فالمهم هو فهم السلوك وآثاره، ومساعدة الإنسان على مراجعته وتغييره.

لماذا تخسر كل من يقترب منها؟
———————————-
لأن العلاقات الإنسانية لا تقوم على الأخذ وحده، بل على التبادل والتفاهم والاحترام. ومن يريد أن يظل محبوبًا، عليه أن يتعلم كيف يحتوي الآخرين، لا أن يطالبهم طوال الوقت باحتوائه.
صاحب هذه الشخصية قد يظن أن الناس يبتعدون عنه لأنهم لا يقدرونه، بينما الحقيقة أنهم ربما تعبوا من محاولة إرضائه، ومن الحذر الدائم في اختيار الكلمات، ومن الدخول في خلافات لا تستحق كل هذا الغضب.
ومع تكرار المواقف، يتراجع الأصدقاء عن المصارحة، ويبتعد المخلصون عن المواجهة، ويصبح الصمت وسيلة لتجنب المشكلات. وقد لا يبقى حوله إلا من يجاملونه خوفًا من رد فعله، أو من ينتفعون من قربه، أو من استسلموا لفكرة أن العلاقة لا تستحق عناء النقاش.
وهكذا يخسر الإنسان الصادق الذي كان يمكن أن ينصحه، والصديق الذي كان يمكن أن يقف بجانبه، والقريب الذي كان يمكن أن يسانده في أوقات الشدة.
والأخطر أنه قد لا يكتشف دوره في هذه الخسارة، بل يتهم الآخرين بالجحود وسوء التقدير، دون أن يسأل نفسه: لماذا تتكرر المشكلة مع أشخاص مختلفين؟ وهل يمكن أن يكون في أسلوبي ما يدفعهم إلى الابتعاد؟
إن أخطر أنواع الخسارة أن يفقد الإنسان أحبابه، ثم يعتقد أن الجميع أخطأوا في حقه، وأنه وحده لا يخطئ!

ماذا يقول الدين عن الغرور والغضب؟
———————————-
لقد أقام الإسلام العلاقات الإنسانية على التواضع والرحمة وحسن الخلق، وحذّر من الكبر واحتقار الناس.

قال الله تعالى: **﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾** [لقمان: 18].
وقال النبي ﷺ: **«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»**، ثم بيّن أن الكبر هو **«بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ»**، أي رد الحق واحتقار الناس. رواه مسلم.
فليس الكبر أن يعتز الإنسان بكرامته، أو يحرص على مظهره، وإنما أن يرفض الحق لمجرد أنه لم يصدر عنه، وأن يرى نفسه أعلى من غيره، فلا يقبل نصيحة ولا يعترف بخطأ.

وفي ضبط الغضب، قال النبي ﷺ: **«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»** متفق عليه.
فالقوة ليست في سرعة الانفعال، ولا في القدرة على جرح الآخرين، وإنما في امتلاك النفس عند الاستفزاز، والقدرة على الاختلاف دون إساءة، والاعتذار حين نخطئ.
إن الاعتذار لا ينتقص من الكرامة، بل يكشف عن نضج النفس وشجاعة صاحبها؛ أما الإصرار على الخطأ خوفًا من الاعتراف به، فهو الذي يضعف الإنسان ويهدم علاقاته.

خامسًا: كيف نتعامل مع الشخصية القمّاصة؟
———————————-
التعامل معها يحتاج إلى حكمة تجمع بين حسن الخلق وحفظ الكرامة.
أولًا: لا تجعل نفسك مسؤولًا عن كل مشاعرها.** راعِ مشاعر الآخرين، وتجنب تعمد الإساءة إليهم، لكن لا تحمل نفسك ذنبًا عن كل غضب يصدر عنهم، ولا تعتذر عن خطأ لم ترتكبه لمجرد إنهاء الخلاف.
ثانيًا: اختر وقت الحوار المناسب.** لا تدخل في جدال أثناء ثورة الغضب، بل انتظر حتى تهدأ الأمور، ثم تحدث بوضوح واحترام، وبيّن أن الاختلاف في الرأي لا يعني الانتقاص من الشخص.
ثالثًا: ضع حدودًا واضحة.** الاحترام المتبادل ضرورة لاستمرار العلاقات. فإذا تحولت المناقشة إلى إهانة أو تهديد أو تجريح، فمن حقك إنهاء الحوار، وتقليل الاحتكاك إذا تكرر الأذى.
رابعًا: لا تواجه الغرور بغرور مثله.** حافظ على هدوئك، ولا تجعل الإساءة تجرّك إلى إساءة مماثلة. فحسن الخلق ليس ضعفًا، والتسامح ليس استسلامًا، والابتعاد عن علاقة مؤذية ليس بالضرورة قطيعة أو كراهية.
خامسًا: امنح فرصة للتغيير، لا فرصة مفتوحة للأذى.** إذا أبدى الشخص استعدادًا صادقًا لمراجعة نفسه والاعتذار وتعديل سلوكه، فشجعه على ذلك. أما إذا تكرر التجاوز دون تحسن، فالمسافة قد تكون أرحم للطرفين.

كيف نربي أبناءنا على ألا يصبحوا كذلك؟
———————————-
تبدأ الوقاية من البيت؛ فالأطفال يتعلمون من سلوكنا أكثر مما يتعلمون من نصائحنا.
علّموا أبناءكم أن الحب لا يعني تلبية كل طلب، وأن الرفض ليس إهانة، وأن الآخرين ليسوا مطالبين بالموافقة على كل آرائهم. وعودوهم الاعتذار عندما يخطئون، وتقبّل النقد، واحترام من يخالفهم.
لا تبالغوا في مدحهم على حساب الآخرين، ولا تزرعوا فيهم أنهم أفضل من الجميع، بل علموهم أن التفوق الحقيقي يجمع بين العلم والتواضع، وبين النجاح وحسن المعاملة.

امنحوهم حق التعبير عن مشاعرهم، لكن لا تسمحوا لهم باستخدام الغضب لفرض رغباتهم، وعلّموهم أن القوة في ضبط النفس، وأن الكرامة لا تعني التعالي، وأن الاعتراف بالخطأ لا يقلل من قيمة الإنسان.

والأهم أن نكون قدوة لهم؛ فلا نطلب منهم الهدوء ونحن نصرخ، ولا نعلمهم التواضع ونحن نتكبر، ولا نطالبهم بالاعتذار بينما نرفض الاعتراف بأخطائنا.

خاتمة
———————————-
في النهاية، ليست قيمة الإنسان في عدد من يخشون غضبه، ولا في عدد من يوافقونه، وإنما في عدد من يثقون به ويطمئنون إلى قربه.
فقد يفرض الغرور حضور صاحبه، لكنه لا يضمن له محبة الناس، وقد يجبرهم المنصب على المجاملة، لكنه لا يستطيع أن يشتري صدق القلوب.

تذكّروا دائمًا: من أراد أن يحتفظ بالناس، فعليه أن يتعلم كيف يحتفظ بمشاعرهم وكرامتهم؛ فالقلوب لا تُكسب بالاستعلاء، ولا تُحفظ بالخوف، وإنما تُصان بالتواضع والرحمة وحسن الخلق.
اللهم طهّر قلوبنا من الكبر، وألسنتنا من الأذى، ونفوسنا من الغرور، وارزقنا الحلم عند الغضب، والتواضع عند النجاح، والشجاعة في الاعتذار، وحسن التعامل مع عبادك، واجعلنا ممن يألفون الناس ويألفهم الناس، ولا تجعلنا سببًا في جرح قلب أو كسر خاطر. آمين.
———————————
جمعة طيبة مباركة
بقلم: أ.د/ إبراهيم حسيني درويش.
٢٠٢٦/١٠/٢٣

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر قراءة

التعليقات الأخيرة